إذا أزلنا كل الميكروبات التي تسكن جسدك فستخسر قرابة كليوجرامين من وزنك، لكنك أيضًا ستكون عرضةً للعديد من الأمراض والأزمات الصحية.

نتشاطر أجسادنا مع تريليونات الخلايا الميكروبية، التي تُعرف مجملًا بالميكروبيوم، يتركز أغلبها في قناتنا الهضمية ويؤدي أدوارًا حيويةً في هضم طعامنا وضبط نشاط جهازنا المناعي وحمايتنا من المُمرِضات، وفي المستقبل قد يعدو تحليل مكونات الميكروبيوم خطوةً أساسيةً قبل تحديد نوع العقار المطلوب والجرعة المناسبة لكل مريض.

تسلك العقاقير التي نتناولها عن طريق الفم مسارًا يمر بالمعدة ومنها إلى الأمعاء، حيث تلتقي بمجتمع متنوع من الميكروبات المتوطنة فيها، بل قد تجد العقاقير التي تُعطى عبر مسالك أخرى (مثل الحقن) طريقَها إلى الأمعاء أيضًا، حيث تُستقلب في الكبد ثم تفرز في العصارة الصفراوية إلى المرارة ومنها إلى الأمعاء الدقيقة.

قد يبدل تفاعل العقاقير مع الميكروبيوم من خصائصها، فيزيد أو يقلل من فاعليتها، ويحدد مدى سمِّيَّتها.

ولأن لكل شخص تكوينًا فريًدا من الميكروبيوم؛ تُعد دراسة تفاعله مع العقاقير مبحثًا مهمًّا نحو تطوير خطط علاجية مصممة وفق طبيعة كل فرد، وهو اتجاه طبي حديث يُعرف بالطب الدقيق.

في هذا المبحث، يعمل فريق مصري من جامعة القاهرة وجامعة المستقبل ومستشفى سرطان الأطفال 57357 على دراسة تكوين الميكروبيوم لدى المصريين وتنوعه، وتأثير ذلك التنوع على العقاقير.

وتُظهر نتائج أحدث هذه الدراسات، وفق ما نشروه مؤخرًا في دورية "جات باثوجينز" Gut Pathogens، أن الاختلاف في تكوين الميكروبيوم له أثرٌ على نشاط إنزيم ميكروبي ذي تأثير واضح على مدى واسع من العقاقير.

Credit: Sara A. Zahran الفريق البحثي للدراسة

بُعد جديد للطب الدقيق

بنهاية التسعينيات كانت الشركات الدوائية تستعد لحقبة جديدة من الأبحاث الدوائية، كان من الثابت أن جيناتنا تؤدي دورًا في مدى فاعلية العقاقير، وكانت جهود مشروع الجينوم البشري الهادفة إلى قراءة كامل تتابُع المادة الوراثية للبشر قد قاربت على تحقيق مبتغاها.

عزَّز المشروع بعد انتهائه عام 2001 تقدُّم علم الأدوية الجينومي، وهو العلم الذي يدرس تأثير الفروق الجينية بين الأفراد على فاعلية العقاقير وسلامتها، وهو ما عُد حجرَ أساس للطب الدقيق.

وتتراوح معدلات الاستجابة بين الأفراد لبعض العقاقير الشائعة بين 50% و75% وفق بعض التقديرات، بينما للتفاعلات الدوائية الضارة التي تصيب بعض الأفراد كلفة صحية واقتصادية بالغة.

"كان من الواضح بعد انتهاء مشروع الجينوم البشري أن المتغيرات في جيناتنا وحدها لا تستطيع تفسير اختلاف استجابة الأفراد للعقاقير؛ إذ يقبع الكم الأكبر من الجينات داخل الميكروبيوم"، على حد قول رامي كرم عزيز، مدير وحدة أبحاث الميكروبيولوجي والمناعة في مؤسسة مستشفى سرطان الأطفال 57357 والأستاذ بكلية الصيدلة بجامعة القاهرة، في حديثه لمجلة "للعلم".

وتقدر الدراسات أن عدد الجينات التي يحويها الميكروبيوم يزيد على عدد الجينات البشرية بأكثر من 100 ضِعف، وهناك عدد متزايد من الأدلة التي تبرهن تأثيرها على العقاقير.

جمع "عزيز" واثنان من طلابه تلك الأدلة في مقالة مراجعة عام 2011، وصك فيها مصطلح "علم الأدوية الميكروبيومي" لوصف الدراسات التي تهدف إلى فهم العلاقة بين الميكروبيوم والعقاقير.

في دراسته الأخيرة، جمع "عزيز" وفريقه البحثي عينات براز من 16 متطوعًا من الأصحاء المصريين، إذ يحمل البراز ميكروبات الجهاز الهضمي، لم يكن لدى هؤلاء الأشخاص أمراض مزمنة أو معدية، وليس لديهم تاريخ سابق لأمراض الجهاز الهضمي، واشترط الفريق البحثي ألا يكون المتطوعون قد تناولوا أي مضاد حيوي لمدة 3 أشهر قبل وقت جمع العينة؛ حتى لا يؤثر على تكوين الميكروبيوم.

ركز الفريق في دراسته على عائلة من الإنزيمات الميكروبية تُعرف بـ"الآزوريدكتاز"، إذ من الثابت أن تلك الإنزيمات تقوم بتفعيل عقاقير مختلفة مثل المضاد البكتيري "برونتوزيل"، وبعض العقاقير التي تُستخدم لعلاج داء الأمعاء الالتهابي.

تقول سارة زهران -مدرس الميكروبيولوجي بجامعة المستقبل، والباحث الأول في الدراسة- في حديثها لـ"للعلم": "هناك سبب إضافي لاختيارنا تلك العائلة من الإنزيمات، وهو قدرتها على تغيير لون الأصباغ الآزوية Azo Dye، مما يسهل من دراسة نشاطها في المعمل".

وتوضح أن الفريق عمل على اختبار نشاط الإنزيمات مباشرةً بعد جمع العينات، من خلال وضع جزء من كل عينة مع صبغة آزوية، وتركها في بيئة مناسبة للحفاظ على البكتيريا لمدة 10 ساعات.

تضيف زهران: "يمكننا أن نلحظ بعد مدة التجربة أن اللون قد اختفى من بعض العينات، بينما بقي في أخرى"، يدل ذلك على اختلاف نشاط إنزيمات الآزوريدكتاز بين العينات المختلفة، وفق "زهران".

 يتغير لون الأصباغ الآزوية عند وضعها مع مزروعات من بكتيريا الأمعاء غنية بإنزيمات الأزوريدكتاز، وهو ما يسهل من دراستها معمليُا

وقسم الفريق العينات إلى 3 مجموعات وفق تركيز الصبغة في كلٍّ منها بعد الاختبار، بحيث تحوي المجموعة الأولى الفئة التي اختفت منها الصبغة، أما الأخيرة فتحوي العينات التي لم يكن لها تأثير في تركيز الصبغة.

في الوقت ذاته، عزل الفريق المادة الوراثية الخاصة بالميكروبات من عينات البراز، ليُجري عليها اختبارًا وراثيًّا يمكن من خلاله تحديد الشعب الرئيسية للبكتيريا الموجودة في كل عينة.

بينت النتائج أن العينات ذات الفاعلية الأكبر للإنزيم (التركيز الأقل من الصبغة) احتوت على نسبة مرتفعة من البكتيريا التي تنتمي إلى شعبة متينات الجدار (Firmicutes) مقارنةً بالبكتيريا التي تنتمي إلى شعبة العصوانيات Bacteroidetes))، كما تمكن الفريق من تحديد أجناس بكتيرية محددة من بين تلك الشعب، قد تكون هي المسؤولة عن ذلك التأثير.

يقول "عزيز": "من المعلوم أن البكتيريا من شعبة متينات الجدار غنية بالجينات الخاصة بإنزيمات الآزوريدكاز"، وهو ما يدعم النتائج التي حصل عليها الفريق.

إلا أنه ينوه بأن النتائج أولية، إذ من الضروري زيادة عدد العينات، وجمعها من مناطق جغرافية مختلفة ومن أشخاص ذوي نمط غذائي متنوع؛ للتأكد مما أشارت إليه نتائج الدراسة.

في حديثه لـ"للعلم"، علق جاك جيلبرت، أستاذ طب الأطفال بجامعة كاليفورنيا- سان دييجو الأمريكية، والذي قاد عدة مشاريع بحثية لدراسة الميكروبيوم، قائلًا: "في حين أن الدراسة أولية ووصفية في مبحثها، إلا أنها تأسيسية؛ إذ تطرح فرضيةً عن سبب اختلاف نشاط نوع من الإنزيمات المعدلة للعقاقير بين الأفراد، لتفتح الباب للمزيد من الدراسات الموجهة إلى تلك النقطة".

 بينما يقول مؤمن المصري، باحث ما بعد الدكتوراة في جامعة برينستون بولاية نيو جيرسي الأمريكية: إن الدراسة أظهرت تنوعًا ملحوظًا في تكوين الميكروبيوم بين عينة من الأصحاء المصريين ممن يعيشون في بقعة جغرافية واحدة.

ويضيف في حديثه لـ"للعلم": "نحتاج إلى المزيد من الدراسات الكاشفة لتكوين الميكروبيوم عند المصريين حتى الوصول إلى مرحلة يمكن فيها ترجمة تلك المعرفة إلى تدخلات طبية؛ إذ يمثل ذلك بُعدًا حديثًا للطب الدقيق".

ما طبيعة التدخلات العلاجية الممكنة؟

إذا توافرت معرفة كافية بتفاعلات الميكروبيوم مع العقاقير، فسيكون من الممكن فحص الميكروبيوم لكل مريض قبل تحديد الخيار العلاجي، وعلى أساسه يتم تحديد أي العقاقير سيكون أكثر فاعلية، وتركيز الجرعة المناسبة لكل فرد، وكذلك تجنُّب الخيارات العلاجية التي قد تتسبب في أعراض جانبية حادة لدى بعض المرضى، كما يقول "عزيز".

على خلاف الجينات البشرية، فإن "الميكروبيوم ذاته قابل للتعديل"، ينوه جيلبرت، ويوضح أنه باستخدام مضادات حيوية محددة أو تغيير النمط الغذائي أو ربما حث المريض على تناول مكملات تحوي ميكروبات نافعة (معززات حيوية probiotics) يمكن تغيير تكوين الميكروبيوم بهدف زيادة استجابة المريض للعلاج.

"من الممكن أيضًا استهداف إنزيمات خاصة بالميكروبيوم دون تغييره"، على حد قول "المصري"، وتبين دراسات أُجريت على الفئران أن تثبيط إنزيمات خاصة بأنواع من ميكروبات الأمعاء يمكنه تقليل الآثار الجانبية الحادة لعقار "إرينوتيكان"، الذي يُستخدم لعلاج سرطان القولون، على سبيل المثال.

ما الذي قد تقدمه دراسات الميكروبيوم للمصريين؟

تكشف الدراسات الوراثية أن لكل إثنية (عرق أو أصل معين) بعض المتغيرات الجينية الفريدة التي قد ترتبط بأمراض محددة، أو بالاستجابة للعقاقير، سعيًا منها لمواكبة التطور في علوم الطب الدقيق، أطلقت الحكومة المصرية في شهر أكتوبر من العام الماضي مشروعًا قوميًّا لدراسة الجينوم المصري، يستند أحد محاوره إلى دراسة المتغيرات الجينية المميزة للمصريين، وهو ما قد يُسهم في دفع عجلة الطب الدقيق وأبحاث علم الأدوية الجينومي.

يختلف تكوين الميكروبيوم بين الإثنيات وسكان الدول المختلفة حول العالم، وهو ما قد يحد من فاعلية التدخلات الطبية المبنية على الميكروبيوم في الجماعات أو الإثنيات التي لم تُدرس بشكل كافي، وفق ما أوضحه باحثون في مقالة مراجعة نُشرت في دورية "Frontiers in Microbiology" عام 2017.

يشير "جيلبرت" إلى أن أغلب دراسات الميكروبيوم شملت متطوعين أوروبيين أو صينيين من إثنية "هان"، تبين تلك الدراسات اختلافًا في الاستجابة للعقاقير بين الاثنين، يفسر اختلاف الميكروبيوم بينهما جزءًا كبيرًا منها، وفق قوله.

وفي ذلك تقول نينا جاين -التي تعمل في شركة متخصصة في اختبارات الميكروبيوم- في حديثها لـ"للعلم": "إن عدم قدرتنا على تحديد مرجع عالمي لبعض المؤشرات الخاصة بالميكروبيوم يحد من الاستفادة الكاملة منه في المجالات الطبية".

لا تزال دراسات الميكروبيوم لدى المصريين نادرةً جدًّا، وفق "عزيز"، وهو ما يعزوه إلى ضعف التمويل الذي تحتاج إليه تلك الأبحاث حتى تتم على نطاق أوسع.

يسعى "عزيز" وفريقه إلى استكمال مشروعهم البحثي حول دراسة الميكروبيوم لدى عينة أكبر من المتطوعين من مناطق مختلفة في مصر، بهدف تكوين فهم أعمق لعلاقة الميكروبيوم بالعقاقير.