يمثل التشخيص السريع أولى خطوات السيطرة على انتشار عدوى فيروس كورونا المستجد التي قد تنتقل عبر أشخاص ظهرت عليهم أعراض خفيفة للمرض وربما لا يدرون حتى أنهم مصابون، وبالتالي يسهمون –دون أن يشعروا- في انتشار الفيروس المسبب لمرض "كوفيد-19".

وبالتزامن مع الجهود العالمية لإيجاد علاجات ناجحة لـ"كوفيد-19"، يسابق العلماء الزمن أيضًا لتطوير اختبارات تشخيصية له، في محاولة للسيطرة على تلك الجائحة التي أصابت أكثر من 285 ألف شخص في أكثر من 160 دولة.

وللتعجيل بتوافر الاختبارات التشخيصية، منحت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) في أواخر فبراير، الضوء الأخضر للمراكز الطبية الأكاديمية في أمريكا؛ لاستخدام اختباراتها الخاصة لتشخيص الفيروس المسبب لـ"كوفيد-19" في مستشفياتها، لتسريع معدل عملية التشخيص.

وتسمح هذه الخطوة لهذه المؤسسات بالاعتماد على عملية التحقق الداخلي الخاص بها لتقييم فاعلية هذه الاختبارات، بدلًا من الانتظار طويلًا حتى أخذ موافقة (FDA)، وبمجرد أن تحدد المستشفيات أن الاختبارات دقيقة وآمنة، يمكنها البدء في استخدامها، وذلك بموجب قانون الهيئة، الذي يسمح باستخدام المنتجات الطبية غير المعتمدة، في حالات الطوارئ؛ للتشخيص أو العلاج أو الوقاية، عندما لا توجد بدائل أفضل.

أحد أبرز هذه الاختبارات، ما طوره علماء من جامعة جونز هوبكنز الأمريكية، ويأتي في مقدمتهم الباحثة المصرية هبة مصطفى، وهو اختبار خاص بالجامعة للكشف عن "كوفيد-19".

وأعلنت الجامعة، عبر موقعها الإلكتروني، أنها استخدمت الاختبار الجديد، الذي يُحلّل مسحة الأنف أو الفم، للمرة الأولى في 11 مارس الجاري. وتم إجراء 85 اختبارًا، في أول 3 أيام من تطبيقه.

من جانبها، قالت هبة مصطفى، مديرة مختبر الفيروسات الجزيئية وأستاذ مساعد علم الأمراض بكلية الطب بجامعة جونز هوبكنز: "إن مستشفيات الجامعة قادرة على اختبار أكثر من 50 عينة يوميًّا، وبحلول الأسبوع المقبل، سيزيد عدد العينات التي يمكن اختبارها إلى 180 يوميًّا، حتى تصل لـ1000 يوميًّا خلال ثلاثة أسابيع من الآن".

وأوضحت أن "الاختبار الجديد هو اختبار جزيئي يركز على جينوم فيروس كورونا لاكتشاف وجوده في العينة من عدمه. والعينة هي مسحة من أنف أو فم المريض داخل شبكة "هوبكنز" المكونة من 5 مستشفيات في ميريلاند وواشنطن"، مشيرةً إلى أن هذا الاختبار سيخفف العبء على المختبرات الحكومية.

ويجرى الاختبار -الذي تظهر نتائجه في غضون 3 ساعات- للأشخاص الذين يعانون من الحمى أو السعال أو ضيق التنفس، بالإضافة إلى مَن سافروا إلى بلدان سجلت إصابات ووفيات مُرتفعة من جَرَّاء الفيروس.

وأشارت إلى أن "الجزء الصعب في تطوير الاختبار تمثَّل في الحصول على المواد الجينومية للفيروس اللازمة لإجراء عمليات التحقُّق التي تُمكِّن من إجراء الاختبار".

هبة مصطفى حصلت على درجة الدكتوراة من كلية الطب في جامعة الإسكندرية عام 2004، أعقبتها فترة تدريب وإقامة في علم الأمراض السريرية بالجامعة. ونالت درجة الدكتوراة في علم الأحياء الدقيقة بجامعة كانساس الأمريكية عام 2014. وتقوم حاليًّا على تطوير برنامج بحثي يركز على تنفيذ تسلسل الجينوم الكامل في مختبر علم الفيروسات السريري، مع التركيز على دراسة الأحداث التطورية الجينومية الفيروسية.

تعمل "مصطفى" جنبًا إلى جنب مع كارين كارول، رئيس قسم علم الأحياء الدقيقة الطبية، التي أكدت أن أمام مختبر "جونز هوبكنز" 15 يومًا لإرسال حزمة التحقُّق الخاصة بالاختبار الجديد إلى (FDA)؛ لمنحه ترخيص استخدام الطوارئ.

وأضافت أن مختبرات الجامعات البحثية يجب أن يكون لديها اتصالٌ وثيق مع مختبر قسم الصحة في الولاية، إذ تطلب (FDA) من المستشفيات الخاصة إرسال أول خمس نتائج سلبية وأول خمس نتائج إيجابية إلى المختبر الحكومي بالولاية لضمان فاعلية النتائج.

وأشارت كارول إلى أن روح التعاون بين المراكز الطبية الأكاديمية كانت ممتعة، إذ دعمت جامعتا تكساس وواشنطن جهود جامعة "جونز هوبكنز" في التوصل إلى الاختبار الجديد، وساعدا في توفير المواد الوراثية اللازمة لإكمال التحقق من صحة اختبار "كوفيد-19".

اختبارات أخرى

وتُعد جامعة "جونز هوبكنز" واحدةً من عدد قليل من المؤسسات الطبية الأكاديمية في أمريكا التي طورت اختبارها الداخلي الخاص لفيروس "كوفيد-19"، ويأتي من بينها اختبار داخلي طورته عيادات مايو كلينك وكلية الطب بجامعة نورث كارولينا، الذي يُظهر النتائج في غضون 24 ساعة.

credit: Courtesy of Johns Hopkins Medicine
 

يأتي ذلك بالإضافة إلى الاختبار الذي طوره المركز الطبي بجامعة واشنطن، والذي يعتمد على اكتشاف جينين من الحمض النووي الريبوزي لفيروس "كوفيد-19"، ويمكن للمركز إجراء حوالي 1000-1500 اختبار يوميًّا.

في هذا الإطار، كشفت مستشفيات كليفلاند كلينك أيضًا عن تطوير اختبار داخلي لفيروس كورونا، يمكن إجراؤه لـ500 مريض يوميًّا، تستغرق نتائجه من 8 إلى 10 ساعات.

كما طور علماء الفيروسات بمدرسة طب ماونت سيناي في مدينة مانهاتن، اختبار دم لاكتشاف كورونا، يعتمد على الأجسام المضادة التي تفرزها الخلايا المناعية في الدم لمكافحة الفيروس، قد يساعد في فحص الآلاف يوميًّا.

عالميًّا، هناك محاولات عدة، لتطوير اختبارات لفيروس كورونا، أبرزها ما أعلن عنه علماء جامعة أكسفورد البريطانية ، الذين طوروا تقنية اختبار سريعة قادرة على إظهار نتائج اختبارات الحمض النووي الريبي لفيروس كورونا في غضون نصف ساعة فقط، وهو أسرع بثلاث مرات تقريبًا من الطرق الحالية لاختبارات الحمض النووي الريبي الفيروسية. ويعمل علماء أكسفورد الآن على تطوير جهاز متكامل، بحيث يمكن استخدامه في العيادات أو المطارات، أو حتى المنازل.

كما تعكف شركة (Mologic) البريطانية للتكنولوجيا الحيوية، على تطوير اختبار سريع لكورونا، بالشراكة مع معهد "باستور دي داكار" في السنغال، يقولون إنه سيُظهر النتائج في غضون 10 دقائق فقط، وذلك بمنحة من حكومة المملكة المتحدة.

ومن المخطط أن يكون هذا الاختبار -الذي سيجري تصنيعه في السنغال- جاهزًا بحلول يونيو المقبل. وطورت (Mologic) من قِبَل مجموعات اختبار مماثلة للإيبولا والحصبة والحمى الصفراء. ومن المقرر أن تخضع نماذج الاختبار الجديد للمراجعة من قِبَل متخصصين في مدرسة ليفربول للطب الاستوائي في جامعة لندن، ومعهد ووهان للفيروسات في الصين، وجامعة مالايا في ماليزيا، ومعهد أوزوالدو كروز البحثي في البرازيل.

تشخيص "كوفيد 19"

من جانبه، قال أحمد محمد قنديل، باحث الفيروسات بالمركز القومي للبحوث في مصر: إن اختبار جامعة "جونز هوبكنز" اختبار داخلي، ينتمى إلى التشخيص الجزيئي لـ"كوفيد-19"، الذي يعتمد على استهداف أجزاء من القطع الجينية للفيروس، وهذا سيساعد المؤسسات الطبية الحكومية في أمريكا على احتواء أزمة كورونا، والتحايُل على احتكار الشركات التجارية للأدوات التشخيصية.

وأضاف في حديث لـ"للعلم"، أن تشخيص "كوفيد 19" يعتمد على اتجاهين رئيسيين، الأول هو التشخيص الجزيئي، وهو الأكثر شيوعًا حول العالم، ويعتمد على تقنية تفاعُل البوليمرات المتسلسل العاكس (RT-PCR)، أما الثاني فهو يعتمد على اختبار تشخيصي سريع (Rapid diagnostic test) ويظهر خلال دقائق، ويشبه اختبارات الحمل المنزلية، ويعتمد على الأجسام المضادة للفيروس، ويظهر بلون إذا كان الشخص مصابًا بالفيروس، ويعتمد الاثنان على أخذ مسحة من الأنف أو الحلق.

وأوضح أن الجديد الذي توصل إليه علماء جامعة "جونز هوبكنز" هو تطوير اختبار خاص بهم، مبني على استهداف القطع الجينية للفيروس، يخفف الضغط عن المعامل المركزية الحكومية، وجهد بحثي يضاف إلى جهود مجموعة من المؤسسات البحثية العالمية، التي أنشأت بروتوكولاتها الداخلية الخاصة بها لتشخيص الفيروس.

وتابع أن أول بروتوكول ظهر لتشخيص "كوفيد 19" مطلع يناير الماضي، وهو البروتوكول المعتمد من منظمة الصحة العالمية، وتلا ذلك ظهور عدة بروتوكولات، أبرزها بروتوكول المراكز الأمريكية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، وبروتوكول المركز الصيني لمكافحة الأمراض والوقاية منها، وبروتوكول المعهد الوطني للأمراض المعدية في اليابان، بالإضافة إلى بروتوكول معهد باستور في فرنسا، وبروتوكولات في هونج كونج وتايلاند وألمانيا.

وأوضح أن القاسم المشترك لجميع هذه البروتوكولات أنها تعمل على التشخيص الجزيئي للفيروس، عبر تصميم أجزاء من القطع الجينية لـ"كوفيد 19" لاكتشاف وجودها من عدمه، عبر تقنية تفاعُل البوليمرات المتسلسل العاكس (RT-PCR)، لكنها تختلف في الأداة التشخيصية (Diagnostic kit) التي يتم تطويرها داخليًّا، وهي تستهدف جزءين مختلفين من المادة الوراثية (RNA) الخاصة بفيروس "كوفيد 19"، ولا تتشابه بأي حال من الأحوال مع غيره من عائلة الفيروسات التاجية.

في حين قال محمود شحاتة -باحث الفيروسات بالمركز القومي للبحوث في مصر- في تصريحات لـ"للعلم": إن ما فعله فريق البحث جامعة "جونز هوبكنز" يُعَد أول بروتوكول لتشخيص "كوفيد 19" في ولاية ميريلاند التي تقع فيها الجامعة لتسهيل تشخيص الفيروس، على غرار البروتوكولات التشخيصية التي أعدتها جهات بحثية في الولايات المتحدة، ودول أخرى انتشر فيها الفيروس.

التشخيص الجزيئي

من جانبه، شرح "قنديل" خطوات عمل التشخيص الجزيئي، والوقت الذي يستغرقه الباحثون لتحليل عينة واحدة، مضيفًا أن هذا التحليل يمر بمرحلتين: الأولى استخلاص المادة الوراثية للفيروس من مسحة الفم أو الأنف، وذلك عبر أداة التشخيص (Diagnostic kit)، التي تعتمد في عملها على بعض الكيماويات التي تفكك بنية الفيروس، من بروتينات ودهون وكربوهيدرات، وتبقى فقط أجزاء المادة الوراثية (RNA) للفيروس التي يتم استخلاصها، وهذه الخطوة تستغرق حوالي نصف ساعة.

وأضاف أنه بعد استخلاص الـ(RNA) للفيروس، تدخل العينة إلى المرحلة الثانية، لتحليلها عبر جهاز تقنية تفاعل البوليمرات المتسلسل العاكس (RT-PCR) –الذي يتوافر في جميع المعامل البحثية حول العالم- واستهداف أجزاء من المادة الوراثية للفيروس، وهذه الخطوة تستغرق من ساعة ونصف إلى ساعتين وفق نوع الجهاز المستخدم، وهي خطوة تتشابه مع تحاليل الفيروسات الأخرى من أصل (RNA) كفيروس التهاب الكبد الوبائي "سي" والإنفلونزا وغيرها، وبذلك تستغرق العينة الواحدة حوالي ساعتين ونصف إلى 3 ساعات عبر المرحلتين حتى تظهر إيجابيتها من سلبيتها، مشيرًا إلى أن المركز القومي للبحوث في مصر طور أداة تشخيصية خاصة به لـ"كوفيد 19"، ويستغرق التشخيص الجزيئي للعينة حوالي ساعتين ونصف.

الاختبار السريع

في حين أشار "شحاتة" إلى أن ما يميز الاختبار الجزيئي تقنية تفاعُل البوليمرات المتسلسل العاكس (RT-PCR) أنه يُظهر نتيجة كمية (عدد الفيروسات الموجودة بالعينة) وكيفية (إيجابية أو سلبية)، وذلك يزيد من دقة النتائج، ويقلل معدل الخطأ؛ إذ تصل دقته إلى أكثر من 98%، على عكس الاختبار السريع (Rapid test) الذي يُظهر النتيجة الكيفية فقط، إذ تصل دقته إلى ما بين 85 إلى 95%، ولذلك إذا ظهرت العينة إيجابيةً للفيروس، فإن الأمر يتطلب إجراء اختبار جزيئي لرصد النتيجة الكمية للفيروس.

وأضاف أن دقة اختبار الـ(RT-PCR) تمكِّنه من رصد الإصابات البسيطة أو العدوى الخفيفة بالفيروس، إذ يكشف حتى 5 جزيئات للفيروس، أما الاختبار السريع، فإنه قد يُظهر نتيجةً سلبيةً إذا كان عدد جزيئات الفيروس أقل من 20 جزيئًا، لكن ما يميزه أنه غير مكلف وسريع؛ إذ يستغرق من 10 دقائق إلى 15 دقيقة، ويمكن إجراؤه في المنزل، ويتناسب مع المناطق النائية التي لا تتوافر فيها الفحوصات الجزيئية للفيروس.