على مدى زمن بعيد، حرص العلماء على سبر أغوار الذرة وأسرار التفاعلات الكيميائية، التي لا يمكن للعين البشرية رصدها؛ إذ تحدث التفاعلات الكيميائية بين الجزيئات الذرية في مدى زمني محدود للغاية لا يمكن للعين أن تدركه.

احتاج العلم الحديث إلى عشرات السنوات كي يصل إلى الاستنتاج بأن الذرة تتكون من شحنات موجبة (بروتونات) وشحنات سالبة (إلكترونات) وأخرى متعادلة (نيوترونات)، واجتمعوا على أنه من العسير رؤية تفاعلات الذرة رأي العين، فضلًا عن التحكم بها أو بأحد مكوناتها.

إلا أن هناك دائمًا مَن يلتمس شعاعًا من النور وسط إحباطات الآخرين وإخفاقاتهم، ومع التطور السريع الذي نشهده، تمكن العلماء من رصد حركة الذرات والجزيئات وتصويرها، مستخدمين في ذلك نبضات ليزرية فائقة القصر، لم يكن توليدها بالأمر اليسير أبدًا، ومع ذلك، ما زال الغموض يحيط بحركة الإلكترونات.

وتُعد حركة الإلكترونات من أهم المؤثرات في التفاعلات الكيميائية التي هي عصب حياتنا، ولأن سرعة الإلكترونات أعلى من سرعة الذرة والجزيئات، ينبغي استخدام تقنية أكثر تطورًا قادرة على التحكم بها في وقت زمني فائق السرعة وهو "الأتوثانية".

والأتوثانية Attosecond هي مليار من المليار من الثانية، وتعادل 10−18 من الثانية (زمن الاتوثانية للثانية الواحدة مثل زمن الثانية الواحدة لعمر الكرة الارضية والمقدر بمليارات السنين).

تطبيقات تقنية الأتوليزر

تعتبر حركة الإلكترونات داخل الذرات والجزيئات من أهم المؤثرات في طبيعة المادة، وتؤثر أيضًا على حياة الإنسان تأثيرًا مباشرًا وغير مباشر.

على سبيل المثال، تمكن الإنسان من الرؤية لأن الضوء يدخل إلى العين ويثير الإلكترونات داخل شبكية العين فتتكون إشارة حسية تنتقل عبر الجهاز العصبي إلى المخ، لتتكون الصور التي نراها، فالإلكترونات هي سبب رؤيتنا للحياة، ويدرك العلماء الأهمية البالغة لرصد حركة الإلكترونات داخل المادة والتحكم فيها وانعكاس ذلك على التطبيقات الحديثة في العديد من المجالات.

في هذا الإطار، نجح العالِم المصري، محمد حسن، وفريقه في جامعة أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية، في تغيير خصائص المواد الصلبة والغازية عبر التحكم في حركة الإلكترونات التي تدور داخل هذه المواد، باستخدام نبضات ليزر فائقة السرعة، ما يفتح آفاقًا واسعةً أمام تطوير العديد من التقنيات الحديثة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وفق نتائج الدراسة المنشورة أمس الإثنين في دورية نيتشر فوتونكس Nature Photonics.

يقول محمد ثروت حسن لـ"للعلم": "عندما نتحكم في حركة الإلكترونات داخل الذرة، يمكننا حينئذٍ التحكم في الخواص الفيزيائية للمواد، مثلًا يمكن أن نحوِّل الزجاج من مادة عازلة غير موصلة للكهرباء إلى مادة جيدة التوصيل للكهرباء بمجرد توجيه ضوء الليزر إليه".

ويستكمل "حسن": "نستطيع إذًا تنظيم حركة الإلكترونات مثلما ينظم الترانزستور الدائرة الكهربائية؛ فعند تسليط الليزر على الزجاج يتحول إلى مادة موصلة للتيار الكهربائي، وعند انقطاع نبضات الليزر يعود الزجاج إلى صورته الأولى كمادة عازلة، وبناءً عليه، سيتسنى لنا إنتاج إلكترونات ضوئية نستطيع من خلالها التحكم في التيار الكهربائي، ما يعني أننا سنحقق طفرةً كبيرةً في صناعة الأجهزة الإلكترونية التي تعمل بالليزر، موضحًا أنه "في الوقت الراهن، تعمل الأجهزة الإلكترونية بسرعة جيجا هيرتز، ولكن مع تطبيق هذه التقنية، ستعمل الأجهزة بسرعة بيتا هيرتز Petahertz، أي مليون مرة أسرع".

والهيرتز هي وحدة قياس التردد، وتساوي عدد الدورات في الثانية الواحدة، وتُستخدم في العديد من المجالات مثل الكهرباء والموسيقى، والتكنولوجيا الحديثة وغيرها، وتكافئ البيتا هرتز 1015 هرتز.

ويضيف "حسن": "تمكنَّا أيضًا من قياس الشكل الموجي لنبضات الليزر المنعكسة من قطعة الزجاج، وقياسه سيساعدنا في فهم ديناميكية الإلكترونات، كما أن من أهم تطبيقات هذه التكنولوجيا القدرة على نقل المعلومات وإجراءات الاتصالات بسرعة الليزر وإلى مسافات كبيرة، ما يفتح المجال، على سبيل المثال،  لاستخدامها في الاتصالات الفضائية بين الأرض وأي مركبة فضائية على كوكب المريخوربما إلى أعماق فضائية بعيدة جدًّا".

العالم المصري محمد ثروت حسن Credit: Mohamed Hassan

ومنذ أن كان طالبًا بكلية العلوم، كان لدى "حسن" شغفٌ كبير بحركة الإلكترونات، وكان يسأل نفسه دائمًا كيف تتحرك الإلكترونات، وهل يمكن التحكم في هذه الحركة، وهل نستطيع في يوم من الأيام أن نصورها وهي تتحرك، كان هذا الدافع وراء عمله البحثي منذ انضمامه إلى معهد ماكس بلانك، طالبًا للدكتوراة، إذ تمكن في أول أبحاثه -الذي نُشر في 2011 في دورية ساينس- من قياس ترابط الإلكترونات coherence وزيادته، وفي ثاني أبحاثه تمكن من قياس الزمن اللازم لإثارة الإلكترونات، وقد نُشر في دورية نيتشر 2016، وهما من الدوريات العلمية الرائدة في مجال النشر العلمي.

وبعد انضمامه إلى المجموعة البحثية للعالِم المصري أحمد زويل، الحائز لجائزة نوبل في الكيمياء 1999، تمكن من توليد أسرع نبضة إلكترونات داخل الميكروسكوب رباعي الأبعاد، ونشر هذا البحث في مجلة نيتشر فوتونكس عام 2017، واستمر شغف "حسن" بحركة الإلكترونات وتصويرها، إذ قام بتأسيس مجموعته البحثية في جامعة أريزونا لتصوير حركة الإلكترونات بتقنية الأتوثانية.

جدير بالذكر أن محمد ثروت حسن كان قد حصل على جائزة مؤسسة كيك الأمريكية في العلوم والتكنولوجيا -منفردًا- لدعم أبحاثه بقيمة مالية قدرها 1.1 مليون دولار أمريكي، وهي جائزة تُمنح للباحثين الرواد في مجالهم داخل الولايات المتحدة الأمريكية؛ لما لهم من أبحاث متفردة قد تُحدث نقلةً نوعيةً عظيمةً في البحث العلمي.

الفريق البحثي للدراسة Credit: Mohamed Hassan

كيف تعمل هذه التقنية؟

يشرح "محمد حسن": "منذ ما يزيد على عشرين عامًا، استخدم زويل جهاز المطياف الضوئي لتصوير حركة الذرات والجزئيات داخل المواد المتباينة، وكان حينها يعمل بسرعة الفيمتوثانية، فعند تسليط شعاع الضوء (الليزر) على المادة يتغير الطيف الضوئي لها، وينتج عنه رسم طيفي يوضح حركة الذرات والجزيئات فيها، والرسم الطيفي مميز لكل مادة بذاتها مثل بصمة الإصبع".

ويضيف: "الآن، استطعنا تطوير نبضات الليزر في أجهزة المطياف الضوئي، فزادت سرعتها ألف مرة (أتوثانية)، ما يجعلها قادرةً على رصد حركة الإلكترونات، وباستخدام الرسم الطيفي يمكننا تطبيق تقنية "قياسات الوقت الطيفي"Time-Resolved Measurements ، التي تعتمد على توجيه ضوئين مختلفين إلى المادة، يسمى أحدهما (المؤثرPump ) وله تأثير قوي على المادة؛ فدوره إثارة الإلكترونات لتنتقل إلى مستوى طاقة أعلى، أما الآخر فيسمى (مسبار Probe)، وعلى عكس المؤثر، فالمسبار شعاع ليزر ضعيف وليس له تأثير على المادة، ودوره تصوير حركة الإلكترونات فحسب".

وتابع "حسن": استخدمنا قطعةً من الزجاج، وسلطنا عليها شعاعَي الليزر المؤثر والمسبار، فأما المؤثر فقد غيَّر الخصائص الضوئية للزجاج، وأما المسبار فهو آلية رصد هذا التغيير؛ إذ ينعكس الضوء منه ليشكل طيفًا ضوئيًّا (الرسم الموجي) مميزًا للزجاج في حالة التوصيل للكهرباء أو في حالته كمادة عازلة، كما يزودنا بمعلومات عن حركة الإلكترونات داخل الزجاج.

في الفيزياء، ينقسم الضوء إلى موجات مختلفة، وتسافر أغلب موجات الضوء بأطوال موجية قصيرة أو طويلة، لا نراها بأعيننا، مثل الموجات فوق البنفسجية، وموجات الميكروويف، والراديو والأشعة تحت الحمراء، وقد اعتمد "حسن" وفريقه في البحث على نبضات الليزر التي تحتوي على موجات تشمل الأشعة تحت الحمراء والضوء المرئي والأشعة تحت البنفسجية مجتمعةً في شعاع واحد.

واستعمل "حسن" تقنية "قياسات الزمن الطيفية" Time-Resolved Measurements، وتعني في الفيزياء دراسة العمليات الديناميكية في المواد والتفاعلات الكيميائية، وكلما كان وقت القياس قليلًا، كانت دقة الرصد أعلى، وعليه فإن دقة أجهزة التحليل الطيفي المستندة إلى ليزر الفيمتوثانية تكون أعلى من دقة أجهزة النانوثانية، وتُعد الأتوثانية أدقها الآن على الإطلاق.

استخدم "حسن" مادة ثاني أكسيد السيليكون SiO2 (الزجاج)، وهي في الأصل مادة عازلة للكهرباء، وسلط عليها شعاعًا من موجات الضوء بمجال كهربائي قوي وبسرعة الأتوثانية للتحكم في حركة الإلكترونات داخل الزجاج؛ ليغير خصائصه من مادة عازلة للكهرباء إلى مادة موصلة للكهرباء، قدر "حسن" سرعة حركة الإلكترونات والمدى الزمني لتحول الزجاج من مادة عازلة إلى مادة موصلة.

يقول "إنام شودري" -أستاذ علوم وهندسة المواد في قسم الفيزياء بجامعة أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية- معلقًا على نتائج الدراسة: "كان القرن العشرين عصر الإلكترونيات، ولكن القرن الحادي والعشرين سيكون عصر البصريات والضوئيات، مضيفًا أن "نتائج هذه الدراسة ستُسهم في إحداث نقلة تكنولوجية هائلة في سرعة الأجهزة الإلكترونية لتصل إلى بيتاهيرتز، وربما أكثر".

ويختتم "حسن" حديثه لـ"للعلم": "بحثي القادم يمثل تحديًا كبيرًا، ففي هذه الآونة، تمكنت وفريقي من التحكم في حركة الإلكترونات، وما نسعى له ونعمل عليه بدأب شديد، أن نتمكن من تصوير حركة الإلكترونات، وهو ما ننتظر أن نجني ثماره في المستقبل القريب".