نتصوّر دائمًا أن هناك فارقًا بين التخصص والهواية، فمتخصصو نطاقٍ ما عادةً ما يلتفتون بشكل أساسي إلى أمور أكاديمية، في حين يلتفت الهواة إلى كتب تبسيط العلوم، لكن ذلك لا يكون صحيحًا في كثير من الأحيان، إذ إن بعض المتخصصين في نطاقات علمية دقيقة هم أيضًا هواةٌ لتلك العلوم، وعادةً ما يتابعون أحدث الإصدارات في هذه النطاقات وأهمها.

لذلك قررنا في "للعلم" أن نلجأ إلى بعض هؤلاء المتخصصين للحديث عن أبرز الكتب العامة التي أثرت في ثقافتهم العلمية، وكان أول مَن استجاب لنا ورحب بالفكرة الدكتور معتز إمام ، أستاذ الفيزياء بجامعة ولاية نيويورك كورتلاند، والأستاذ الزائر بمدينة زويل للعلوم والتكنولوچيا.

الغوص في أعماق الكون

يهتم "إمام" اهتمامًا خاصًّا بأنشطة توصيل العلوم ودحض الخرافات العلمية الزائفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وله بالفعل كتاب مبسط منشور تحت عنوان "Are we there yet. The search for a theory of everything"، ويهتم فيه بتعريف القارئ غير المتخصص بأحدث المستجدات في نطاق نظرية "كل شيء"، والتي تمثل في مجملها محاولات الفيزيائيين بناءَ نظرية جديدة للفيزياء الحديثة تجمع متناقضات النظرية النسبية وقواعد ميكانيكا الكم.

الدكتور معتز إمام ، أستاذ الفيزياء بجامعة ولاية نيويورك كورتلاند، والأستاذ الزائر بمدينة زويل للعلوم والتكنولوچيا Credit: Moataz Emam 

يبدأ "إمام "حديثه مع "للعلم" بترشيح كتاب يعتبره -على حد تعبيره- "من أفضل الكتب التي تتطرق إلى موضوع فيزياء الجسيمات"، وهو كتاب "الدقائق الثلاث الأولى" (The first three minutes) للفيزيائي الأمريكي الشهير، ستيفن واينبرج، الحاصل على جائزة نوبل عام 1979، بالاشتراك مع كلٍّ من العالمَين محمد عبد السلام وشيلدون غلاشو.

كما يبدو من العنوان، فإن هذا الكتاب (الصادر عام 1977) يهتم بتقديم الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون منذ لحظة الانفجار العظيم، قد تبدو فترةً قصيرةً جدًّا بالنسبة لكتاب مكون من مئتي صفحة، لكن الواقع أن هذه الدقائق الثلاث استهلكت عقودًا طويلةً من البحث من أجل فهم ما حدث خلالها، وكانت مؤثرةً بحق في كل مستقبل الكون الذي تلا هذه الدقائق الثلاث وصولًا إلى اللحظة الحالية.

إلى جانب هذا الكتاب، يقترح "إمام" في حديثه لـ"للعلم" إحدى روائع إسحاق عظيموف، وهو كاتب أمريكي روسي المولد، تخصص بالأساس في الكيمياء الحيوية، والذي يقدم في كتابه "الذرة" (Atom) تفصيلًا غايةً في البساطة للتاريخ الطويل لهذا المفهوم العلمي الذي بدأ مع تناول الفيلسوف ديمقريطس قبل أكثر من ألفين وخمسمئة سنة له، ثم وصولًا إلى الفيزياء النيوتنية (نسبة إلى العالم الشهير إسحاق نيوتن)، ومرورًا بعد ذلك بإنجازات ميكانيكا الكم، وحتى الثمانينيات من القرن الفائت.

عالِم آخر حصل على نوبل حرص "إمام" بالحديث عن كتبه، وهو الفيزيائي الأمريكي كيب ثورن، وكتابه "الثقوب السوداء واعوجاج الزمان: إرث أينشتين الصارخ" (Black Holes and Time Warps: Einstein's Outrageous Legacy)، "ثورن" كذلك كان المستشار العلمي لأحد أكثر أفلام الخيال العلمي إثارةً لانتباه المشاهدين في القرن الحالي وهو "إنترستلار".

يقدم الكتاب للثقوب السوداء -وهي ربما كانت أكثر الموضوعات الفيزيائية لفتًا لانتباه القارئ غير المتخصص حول العالم- ولا يعرض "ثورن" في هذا الكتاب لما تعنيه الثقوب السوداء، نشأتها وتركيبها ومصيرها وسر أهميتها المركزية في علم الكونيات المعاصر فحسب، بل أيضًا يهتم بشكل أساسي بعرض تطور هذا المفهوم منذ عصر نيوتن قبل مئتي سنة، ووصولًا إلى التسعينيات من القرن الفائت.

وأخيرًا يضع "إمام" اقتراحًا لكتاب عن نظرية لا تزال في طور التكوين، إنه "الكون الأنيق: الأوتار الفائقة والأبعاد الخفية ومحاولات الوصول إلى النظرية النهائية" (The Elegant Universe: Superstrings, Hidden Dimensions, and the Quest for the Ultimate Theory) لمؤلفه براين جرين، وهو فيزيائي أمريكي واسع الشهرة، مضيفًا أن هناك وثائقيًّا يحمل الاسم ذاته، متوافر على الإنترنت ومترجم إلى اللغة العربية على منصة (يوتيوب) لمقاطع الفيديو.

"الكون الأنيق" كتاب ضخم، يبدأ بمقدمة مفصَّلة عن النظرية النسبية وميكانيكا الكم، ينتقل بعد ذلك إلى تاريخ نظرية الأوتار، ومن ثم إلى أساسياتها، وكيف تنظر إلى الزمان والمكان، قبل أن يتطرق إلى نظرية الأوتار الفائقة، وفي نهاية الكتاب يتناول الآثار المتوقعة في المستقبل لكل ما تقدم من تطور في الفيزياء، يوضح "إمام" أن هذه النظرية لا تزال غير مثبتة معمليًّا، وبالتالي فعلى القارئ أن يتوخى الحذر فيما يستنبط من هذا الكتاب، مشيرًا إلى أن "كتب تبسيط العلوم لا تغني عن الدراسة التفصيلية إذا أراد القارئ فهمًا أعمق لهذه الموضوعات".

أصول التنوُّع البديع في هذا العالم

كان هشام سلام -الأستاذ في معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية (I-GHHE) بكلية العلوم والهندسة بالجامعة الأمريكية في القاهرة ومؤسس مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة- ثاني المستجيبين لنا من العلماء المصريين فيما يتعلق بترشيحات الكتاب للجمهور العام من القراء.

لفت "سلام" الانتباه قبل عدة سنوات محليًّا وعالميًّا بكشفه الديناصور "منصوراصورس" في الصحراء الغربية المصرية، ومنذ ذلك الحين وهو يواصل -مع فريقه البحثي- كشف أسرار الأرض المصرية والكائنات التي عاشت على سطحها قبل عشرات الملايين من السنوات، ويُعد "سلام" أحد المتخصصين الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ يستعرض الحقائق العلمية والمنجَزات البحثية في نطاق علوم البيولوجيا التطورية.

الدكتورهشام سلام -الأستاذ في معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية (I-GHHE) بكلية العلوم والهندسة بالجامعة الأمريكية في القاهرة ومؤسس مركز الحفريات الفقارية بجامعة المنصورة Credit: Hesham Sallam

يبدأ "سلام" اقتراحاته بأحد الكتب المترجمة إلى اللغة العربية عن البيولوجيا التطورية، وهو كتاب "لماذا التطور حقيقة؟"، الذي يسرد فيه العالِم الأمريكي الشهير، جيري كوين -أحد رواد علم الأحياء التطورية والأستاذ المتفرغ في قسم علم البيئة والتطور بجامعة شيكاغو– كثيرًا من الأدلة العلمية المتنوعة والمُصدّق عليها من قِبل المجتمع العلمي عن التطور، وذلك من خلال استعراض نتائج فيض من الاكتشافات الحديثة في السجل الأحفوري من مناطق عدة حول العالم، وأيضًا عبر ربط الأدلة الحديثة من علم الوراثة، وعلم التشريح، وعلم الأحياء الجزيئي معًا.

يوضح "سلّام" أن هذا الكتاب "يناسب فئاتٍ كثيرةً من القراء، ويجد فيه أي شخص لديه عقل متفتح، ويبحث عن الحقائق العلمية دون تحيُّز، ملاذًا آمنًا بعيدًا عن دوامات العلوم الكاذبة"، مضيفًا أن الكتاب يتعرض أيضًا لبعض المفاهيم المغلوطة عن التطور بغرض تصحيحها.

ولتكوين فكرة علمية شاملة وتاريخية عن البيولوجيا التطورية يقترح سلام كتاب "The Princeton Guide to Evolution"، الذي يشتمل على إسهامات من كبار الباحثين في مجالات عدة ذات صلة بهذا العلم، مثل علم الأنساب والوراثة وتاريخ الحياة والاختيار والتكيُّف والعمليات التطورية والجينات والجينومات والأنماط الظاهرية وتطور السلوك والمجتمع والبشر.

الكتاب السابق يختلف قليلًا عن كتب تبسيط العلم، فهو متقدم بعض الشيء، ويرشحه "سلام" لفئة "الطلاب الجامعيين والخريجين، والعلماء في المجالات ذات الصلة، وأي شخص آخر ذي ثقافة علمية كافية وجادة متعلقة بالتطور".

في ختام حديثه مع "للعلم" يقول "سلّام": "أميل شخصيًّا وبطبيعة عملي في المجال البحثي والأكاديمي إلى الاعتماد على الأبحاث العلمية المنشورة في دوريات رصينة علميًّا، وهناك العديد من الكتب التي يتخلل فصولها أبحاث علمية خاضعة للمراجعة والتمحيص"، وفي هذا السياق يرشح كتاب "البحث عن الأصول" (A Search for Origins)، يقدم هذا الكتاب رحلة العالِم الأمريكي الشهير إيلون سايمن، الذي قضى أكثر من نصف قرن يوثق أصول أسلاف الحيوانات الثديية بمنطقة الفيوم في مصر، الكتاب أكثر تعقيدًا من سابقيه، وفق "سلّام": "أعترف بأن مستوى الكتاب لا يناسب الجمهور العام، لكنه يظل مصدرًا مهمًّا للعلم الحقيقي".

الذكاء والدماغ وأشياء أخرى

ثالثة الاستجابات كانت للدكتور محمد مدحت علي، الأستاذ المشارك في العلوم الطبية الحيوية والباحث في جامعة ولاية أوهايو الأمريكية وجامعة زويل للعلوم والتكنولوجيا؛ فإلى جانب اهتماماته البحثية، هو عضو ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق شغفه بنطاقَين آخرين، وهما الموسيقى والجري، وكثيرًا ما يقدم نصائح متعلقة بالأخيرة.

يبدأ "علي" اقتراحاته بكتاب "عن الذكاء" (On intelligence)، لعالِم الحاسوب الأمريكي جيف هوكينز، وفيه يعيد الكاتب -على حد تعبير "علي"- "تشكيل علاقتنا بأجهزة الكمبيوتر، حيث الثورة المرتقبة في كلٍّ من علم الأعصاب والحوسبة بضربةٍ واحدة، من خلال فهمٍ جديدٍ لمفهوم الذكاء".

في هذا الكتاب يقدم "هوكينز" نظريةً متماسكةً تشرح الكيفية التي يعمل بها الدماغ البشري، ومنها ينطلق للإجابة عن سؤال مهم في النطاق الواقع بين علوم الحوسبة والعلوم العصبية والفلسفة، وهو: لماذا تُعد أجهزة الكمبيوتر غير ذكية؟ ثم بعد ذلك يجيب عن السؤال الأهم وهو: وكيف يمكننا يومًا ما بناء أجهزة كمبيوتر ذكية؟

يرى الكاتب أن الدماغ ليس جهاز كمبيوتر بالمعنى المفهوم، ولكنه نظام ذاكرة يخزن الخبرات ويضع بناء عليها تنبؤات عن هذا العالم، مقترحًا أن النظام الذي يبني تلك التنبؤات يمثِّل أساس ملَكات الذكاء والإدراك والإبداع والوعي لدى الإنسان.

الدكتور محمد مدحت علي، الأستاذ المشارك في العلوم الطبية الحيوية والباحث في جامعة ولاية أوهايو الأمريكية وجامعة زويل للعلوم والتكنولوجيا Credit: Mohamed Medhat Ali

يقترح "علي" أيضًا كتاب "سر الموهبة: لا تولد، بل تُنمّى، وكيف يحدث ذلك؟" (The Talent Code: Greatness Isn't Born. It's Grown. Here's How)، "وفيه يستكشف الصحفي والمؤلف الأكثر مبيعًا في نيويورك تايمز، دانيال كويل، أحدث التقنيات من علم الدماغ من أجل معرفة من أين تأتي الموهبة، وكيف تنمو، وكيف يمكننا أن نجعل أنفسنا أكثر ذكاءً؟!"، وفق تعبير "علي" في تصريحه لـ"للعلم".

يتميز الكتاب بأنه يقدم نصائح عملية يمكن أن تنفذها في حياتك، وهو مقدَّم لكل الفئات تقريبًا، من الآباء والمعلمين والمدربين ورجال الأعمال وأي شخص آخر، يعتمد الكاتب على علم الأعصاب المتطور والبحوث التي جمع نتائجها في رحلات إلى تسع بؤر من بؤر المواهب في العالم، ليصل في النهاية إلى أن هناك ثلاثة عناصر أساسية تسمح للإنسان بتطوير مواهبه، يتعلق الأول بكيفية أداء المهمات، والثاني بكيفية تطوير الحماس والشغف، والثالث بالمعلمين والمدربين الأكثر فاعلية.

أما في ترشيحه الثالث، فإن "علي" يبتعد قليلًا عن نطاقات العلوم العصبية، ويقدم خلطةً ممتازةً تجمع بين علم المستقبليات والفيزياء، وهو كتاب "فيزياء المستحيل" (Physics of the impossible) لميشيو كاكو، الفيزيائي الأمريكي واسع الشهرة، الذي قدم الكثير من الوثائقيات.

يقول "علي" في تصريحه لـ"للعلم": "تمامًا مثل أجهزة الليزر والتلفزيونات والهواتف الذكية التي عدَّها الأشخاص الذين عاشوا قبل 100 عام مستحيلة، يستكشف الفيزيائي الشهير ميتشيو كاكو، إلى أي مدى يمكن لتقنيات وأجهزة الخيال العلمي التي تُعَدُّ مستحيلةً اليوم أن تصبح شائعةً في المستقبل".

في هذا الكتاب يقسّم "كاكو" المستحيلات إلى ثلاثة أنواع، الأول تقنيات مستحيلة اليوم، لكنها لا تنتهك قوانين الفيزياء المعروفة، وبالتالي يمكن أن نراها متحققةً خلال قرن أو قرنين، أما المستحيلات من النوع الثاني فهي تلك التقنيات التي تقع على حافة فهمنا للعالم المادي، مثل السفر في الزمن، ولذلك يتوقع أن تراها خلال عدة آلاف من السنوات، أما المستحيلات من النوع الثالث فهي تقنيات تنتهك قوانين الفيزياء المعروفة، لكن يمكن يومًا ما في المستقبل البعيد جدًّا أن نطور فيزياء مختلفة لتحقيقها، مثل آلات الحركة الدائمة، الكتاب في مجمله يجمع بين العلم الرصين والخيال البديع.