في أحد حقول اليقطين (القرع) بمحافظة الغربية، عاصمة إقليم الدلتا في مصر، عكف أحد المُزارعين على غرس بذور جرى استيرادها من الخارج، أملًا في زيادة إنتاجية محصوله وارتفاع جودته، إذ لم يدر بخَلده أن تلك البذور المستوردة ربما لن تكون أفضل حالًا من مثيلاتها المحلية، بل على العكس، قد تكون أقل جودةً وأقل قدرةً على تحمُّل ظروف الطقس المصري وتقلباته، ما قد يأتي بنتائج عكسية.

استيراد مصر لتقاوي الخضراوات والحبوب وبذورها وشتلاتها أمرٌ متعارف عليه، إذ يُجلب نحو 98% من تقاوي الخضر والفاكهة التي تُزرع في مصر من الخارج، بتكلفة تبلغ نحو 7 مليارات جنيه سنويًّا، بينما ينتج 2% فقط محليًّا، لكن البلاد بدأت في 2021 مشروعًا قوميًّا لإنتاج التقاوي الزراعية من المقرر أن يوفر 20% من حاجة مصر من البذور خلال 3 سنوات.

وتتكيف سلالات اليقطين المحلية بشكل جيد مع ظروف البيئة المصرية، من حيث مقاومة الأمراض وتحمُّل تقلُّبات الطقس ودرجات الحرارة القصوى، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى عملية تحسين تهدف إلى اختيار الأجود والأكثر تحمُّلًا لظروف المناخ، والأفضل من حيث القيمة الغذائية.

فريق بحثي دولي يقوده باحثون مصريون، أخذ على عاتقه مهمة تحديد بذور اليقطين الأفضل والأكثر مناسَبةً للزراعة في مصر، في خطوة لإنقاذ هذا المحصول المُغذّي، يمكن أن تساعد في مواجهة تحديات الأمن الغذائي الناتجة عن تغيُّر المناخ.

ورأى الفريق في دراسته المنشورة في العدد الأخير من دورية (Molecular Biology Reports) أن أفضل طريقة لإنجاز مهمته هي طَرق أبواب صغار المزارعين في جميع أنحاء مصر، لجمع عينات من بذور اليقطين وتحليلها كخطوة أولى حاسمة في تحديد أنواع القرع المثالية للحفظ، وتحسين الأصناف لمواجهة التحديات في تحقيق الأمن الغذائي في مواجهة التغيرات المناخية.

تعاون دولي لتحقيق تغيير إيجابي

الباحث المصري عماد ماضي، طالب الدراسات العليا في قسم الحفظ البيئي بجامعة ماساتشوستس الأمريكية، والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية، قال: إن هذا البحث يأتي نتيجةً للتعاون المصري الأمريكي بين اثنتين من أعرق الجامعات في العالم، وهما جامعة ماساتشوستس الأمريكية وجامعة الأزهر المصرية، ممثلة في قسمي البساتين والكيمياء الحيوية، وكذلك معهد بحوث الهندسة الوراثية بمركز البحوث الزراعية التابع لوزارة الزراعة المصرية.

وعن الهدف الرئيسي من البحث، أضاف لـ"للعلم" أنه يركز على تحديد السلالات المحلية من القرع العسلي وتصنيفها لاختبار الأكثر مناسبةً للبيئات المحلية، ثم استخدامها كأساس لزيادة إنتاجيته في الزراعة المصرية.

وأوضح أن هذه السلالات المتكيفة محليًّا يمكن أن تُستخدم في تربية أصناف جديدة عالية الإنتاجية، وبالإضافة إلى تحديد درجات التشابه والتقارب بين الطرز الوراثية المحلية، فإن برامج التربية يمكن أن تصل إلى استنباط أصناف تعطي أعلى إنتاجية بالنسبة لوحدة المساحة من القرع العسلي.

أحد مزارع القرع المصري Credit:Emad Mady

يقول تيموثي راندير، أستاذ الحفظ البيئي بجامعة ماساتشوستس الأمريكية، وأحد المشاركين في الدراسة: "إحدى أكبر المشكلات في مواجهة تحديات الأمن الغذائي في العالم هي إيجاد تعاون دولي يمكنه دمج المعرفة والموارد المحلية لتحقيق التغيير الإيجابي، هذا البحث يُعد نموذجًا لكيفية اتحاد صغار الفلاحين والمجتمع العلمي معًا لمعالجة هذه الاحتياجات المُلحة".

"اعتماد الدراسة على أصناف محلية مختلفة من البذور ذات تبايُن جيني واسع، أمرٌ مهمٌّ للغاية من أجل التحسين الوراثي لبرامج تربية النباتات، فاليقطين يُستخدم في عمليات التطعيم في بعض نباتات القرعيات المهمة مثل البطيخ، ما يتيح التوسُّع في هذا الأمر، وإمكانية زراعة تلك النباتات في مدى واسع من الأراضي غير الجيدة التي تعاني من الملوحة ونقص المياه، خاصةً مع تزايُد تغيرات المناخ التي تهدد كثيرًا من المحاصيل الزراعية ومن ثم الأمن الغذائي"، وفق خالد غانم، أستاذ الزراعة العضوية، ورئيس قسم البيئة والزراعة الحيوية بجامعة الأزهر، وغير المشارك بالدراسة.

هناك أهمية أخرى للنتائج، وفق قول "غانم" لـ"للعلم"، وهي الاستفادة من خبرة الفلاحين المصريين الكبيرة في زراعة اليقطين وانتخابهم للأصناف الجيدة منه، وهو ما تنبهت له حاليًّا منظمات الزراعة العالمية مثل (الفاو) وغيرها، والتي تسعى إلى دمج خبرة الفلاحين التقليدية مع جهود الباحثين والعلماء ورجال الإدارة؛ لتبادُل المعرفة الزراعية التي تعود بفوائد كبيرة على جميع الأطراف، فضلًا عن الزراعة والبيئة.

وتطعيم النباتات عملية تُستخدم للحصول على نبات يجمع أفضل الخصائص من النباتين المُستخدمين في عملية التطعيم، إذ يوضع جزء من نبات معين -ويُطلق عليه قلم التطعيم- في جذر نبات آخر أو ساقه أو فرعه، ويُسمّى بالحاضن، فيتّحد الجزءان، ويستمرّان في النمو معًا كجزء واحد، ويُعتبر هذا النوع من التطعيم أحد أكثر أساليب التكاثر الخضري استخدامًا.

تتكيف سلالات اليقطين المحلية بشكل جيد مع ظروف البيئة المصرية، من حيث مقاومة الأمراض وتحمُّل تقلُّبات الطقس ودرجات الحرارة القصوى Credit:Emad Mady

اليقطين والأصناف المحلية

يزرع صغار المزارعين المصريين اليقطين على مدى أجيال، ويقومون على تربيته بصبر ليزدهر في الظروف المحلية، والتي يمكن أن تتنوع على نطاق واسع في جميع أنحاء البلاد، ومع ذلك، فقد بدأت الشركات الزراعية الكبرى في إدخال بذور اليقطين المستوردة التي لا تنتمي إلى الظروف المحلية إلى مصر، ما يهدد بقاء الأصناف التقليدية، ونظرًا إلى أن هذه البذور المستوردة لم تُربَّ وفقًا للظروف المحلية، فقد تؤدي في الواقع إلى تفاقُم مشكلات عدم الأمن الغذائي، وفق "ماضي".

"غانم" أشار إلى أن الأصناف المحلية من اليقطين تُعَدُّ أكثر قدرةً على الصمود في مواجهة تغيُّرات المناخ، كما أن الأصناف المستوردة من أي محصول عادةً تستهلك مياهًا ومبيداتٍ وأسمدةً أكثر من مثيلاتها المحلية، إضافةً إلى أنها لا تُزرع غالبًا أكثر من مرة، ناهيك بأسعارها الفلكية، وفق وصفه.

وأضاف لـ"للعلم" أن مصر تعاني من مشكلات تقاوي الخضر المستوردة التي يمكن اعتبارها بمنزلة "عدم سيادة على الغذاء"، وهذا هو الأكثر خطرًا في هذه المسألة، وهنا تأتي أهمية الدراسة التي ركزت على أهمية استنباط أصناف محلية جيدة من البذور، ولم تعتمد على تحسين أصناف مستوردة.

وأضاف أن اليقطين يُعد من النباتات التي عرفها العالم منذ آلاف السنين، وهو موجود كرسومات في مقابر قدماء المصريين منذ حوالي ٣٠٠٠ عام قبل الميلاد، إذ يمتاز بأنه يُزرع على نطاق واسع من الأراضي ويتحمل ارتفاع ملوحة التربة، ولا يحتاج في نموه إلى كميات كبيرة من المياه.

وعن فوائد هذا المحصول، أفاد بأنه من الناحية الغذائية، لليقطين أهمية كبيرة، إذ يُستخدم كمحصول خضر عالي القيمة، يحتوي على العديد من الفيتامينات والأملاح المعدنية والأحماض الدهنية "أوميجا 3"، ويمكن تناوله طازجًا مثل الكوسة، وتمتاز ثماره بطعمها الجيد وليونتها، فضلًا عن أنه سريع الهضم، ومن جهة أخرى، يُزرع اليقطين للحصول على زيت له مواصفات متميزة يُستخدم غذائيًّا، كما يُستخدم في أغراض الطب ومستحضرات التجميل، إذ تحتوي بذوره على أكثر من ٣٠% من الزيت وهي نسبة جيدة، من جهة أخرى، يمكن استخدام مخلَّفات اليقطين كعروش النبات والأوراق في تغذية الحيوانات.

وتابع أنه نظرًا إلى مزايا اليقطين الغذائية الكبيرة وإمكانية زراعته في الأراضي الهامشية (مرتفعة الملوحة والتي تعاني من ندرة المياه)، فإنه يُعد محصولًا مثاليًّا يمكن استخدامه كمحصول غذائي يصمد في مواجهة آثار تغير المناخ.

وعن فوائده الصحية، يعتبر القرع أو اليقطين مصدرًا مغذيًا بشكل خاص بالدهون والبروتينات والفيتامينات (A وC وE) والعديد من المركبات المضادة للأمراض التي تساعد على الوقاية من العديد من الأمراض وأبرزها السرطان، كما تُستخدم بذور اليقطين كوجبة خفيفة، ولها العديد من الفوائد الصحية بسبب مكوناتها الغذائية والوظيفية، إذ تُعد مصدرًا للدهون والبروتينات المفيدة لصحة الإنسان، وتؤدي دورًا مهمًّا في استقلاب الدهون وتعزيز المناعة والصحة الإنجابية، وفق الدراسة.

"غانم" نبه إلى أن اليقطين بالرغم من أهميته الغذائية، إلا أن مساحات زراعته في مصر قليلة جدًّا، ويزرعه الفلاحون بشكل عشوائي على جسور الأرض في بعض المناطق في دمياط وجمصة وبلطيم وإدكو، كما يُزرع بمعدلات قليلة كمحصول زراعي في البحيرة والشرقية ودسوق بكفر الشيخ، ويُستخدم اليقطين في مصر للحصول على "لب التسلية"، لكنه غير معروف كخضار، رغم أن له قيمة غذائية عظيمة، لذلك يحتاج المزارعون إلى توعية بهذا الشأن؛ لأن الفدان يمكن أن يعطي ما يقرب من 9 أطنان كخضر وهو رقم جيد اقتصاديًّا وغذائيًّا، ومن الجيد أن وزارة الزراعة المصرية أطلقت قبل أعوام حملةً قوميةً لزراعته والتعريف به.

قاعدة بيانات وراثية

للحصول على عينات من بذور اليقطين، سافر "ماضي" لزيارة صغار المزارعين، وسار في حقولهم للحصول على 9 سلالات مختلفة من 9 محافظات مصرية.

اختيار مناطق جمع العينات لم يأتِ جُزافًا، فالمحافظات المختارة تُمثل 4 مناطق مناخية زراعية مختلفة تمثل دلتا النيل ووسط مصر وجنوبيها، الأولى: الإسكندرية وكفر الشيخ، والثانية: البحيرة ومطروح والغربية والدقهلية، في حين تمثل الجيزة المنطقة الثالثة، والمنيا وسوهاج الرابعة.

"ماضي" يشير إلى أن جمع العينات وتحليلها وراثيًّا يأتي كجزء من إطار عمل بحثي يهدف إلى تصميم وبناء قاعدة بيانات وراثية للعديد من محاصيل الخضراوات في مصر، ومن ضمنها نباتات العائلة القرعية وأبرزها الكوسا والخيار والشمام واليقطين والبطيخ الأحمر والقرع بأنواعه.

أحمد فوزي عبد الحكيم -الأستاذ المساعد بقسم الكيمياء الحيوية بكلية الزراعة بجامعة الأزهر- وطلابه في المعمل

وللوصول إلى نتائج الدراسة، تعاون "ماضي" مع زملائه في مصر في جامعة الأزهر ومعهد بحوث الهندسة الوراثية الزراعية، الذين أجروا سلسلةً من الاختبارات الكيميائية والجزيئية على البذور، ساعدت هذه الاختبارات في تحديد القيمة الغذائية لأنواع محلية معينة، بما في ذلك محتواها من الدهون والرطوبة والبروتين والألياف والمعادن والكربوهيدرات، بالإضافة إلى الواسمات الجينية التي تعمل كبصمة فريدة لكل صنف.

وأجرى أحمد فوزي عبد الحكيم -الأستاذ المساعد بقسم الكيمياء الحيوية بكلية الزراعة بجامعة الأزهر- التصنيف الكيميائي للأنماط الوراثية لليقطين المحلي باستخدام الانعكاس بالأشعة تحت الحمراء، وقد أُجريت التحليلات الكيميائية في المختبر المركزي بقسم الكيمياء الحيوية الزراعية في كلية الزراعة بجامعة الأزهر، في حين أسهم شفيق درويش -الباحث الأول في معهد الهندسة الوراثية في مركز البحوث الزراعية- في تحليلات البيولوجيا الجزيئية؛ إذ أسهمت هذه التحليلات الجينية ورسم الخرائط المستخدمة بالدراسة في التحليل الدقيق للتنوع البيولوجي الوراثي في سلالات القرع المحلية.

وبمجرد اكتمال الاختبارات الكيميائية والجزيئية في مصر، قام "ماضي" وفريقه في جامعة ماساتشوستس الأمريكية بتحليل النتائج وتصنيفها، واكتشفوا أن هناك تبايُنًا كبيرًا في القيمة الغذائية للعينات المُختارة، وأنه يمكن تحديد هذه الأصناف بدقة باستخدام التحليلات الجينية.

ويُعد تحديد الأصول الوراثية رابطًا أساسيًّا يربط حفظ الموارد الوراثية للمحاصيل واستغلالها في العديد من برامج تربية النباتات، تسلط هذه الدراسة الضوء على الاختلافات الكيميائية الحيوية والجزيئية في مجموعة من الأنماط الجينية لليقطين تمثل أربع مناطق مناخية مختلفة.

يقول "ماضي": "توصلت دراستنا إلى أن بذور القرع تحتوي على كميات كبيرة من الدهون والبروتينات والألياف ومحتويات الكربوهيدرات، وتختلف باختلاف الأنماط الجينية المحلية".

ووفق نتائج الدراسة، احتوت بذور اليقطين المأخوذة من مطروح والغربية وسوهاج على أعلى نسبة من الدهون، في حين كانت أقل نسبة من الدهون في البذور المأخوذة من الجيزة.

وسجل الفريق أعلى محتوى رطوبة (اﻟﻣﺣﺗوى اﻟرطوﺑﻲ ﻟﻟﻌﯾﻧﺔ ھو ﻣﻘدار اﻟوزن اﻟﻣﻔﻘود ﻋﻧد اﻟﺗﺟﻔﯾف) في الغربية تليها الدقهلية وسوهاج، أما الجيزة فقد سجلت أدنى محتوى رطوبة بين السلالات المختبرة.

واحتوت بذور مطروح على أعلى نسبة من البروتين، وكانت النسبة الأقل في محافظتي المنيا والجيزة، وعن محتوى الألياف في البذور، كانت الجيزة الأعلى، تليها الدقهلية والغربية، في حين كانت أقل نسبة في كفر الشيخ والمنيا وسوهاج، أما عن محتوى البذور من الكربوهيدرات، فقد سجلت الجيزة أعلى نسبة، وكانت النسبة الأقل في مطروح تليها الغربية.

نجلاء عبد الله -أستاذ متفرغ بقسم الوراثة في كلية الزراعة بجامعة القاهرة- أشارت إلى أن الفريق ركّز في دراسته على تحاليل بذور اليقطين لمعرفة القيمة الغذائية للأصناف، وما يميز البحث أن الفريق عكف على تجميع الأصناف من المزارعين مباشرةً من مناطق مختلفة في مصر.

وللتأكد من دقة النتائج، أضافت لـ"للعلم" أن الفريق يحتاج إلى زراعة جميع الأصناف المختارة في أماكن مختلفة لمعرفة الأصناف المناسبة لكل منطقة مناخية على حدة، كما أن الدراسة لا بد أن تشمل الثمار وليس البذور فقط.

وحول الخطوات المستقبلية للفريق، أشار "ماضي" إلى أن الفريق يعمل على تطوير مقترح لمشروع بحث تعاوني للتمويل من خلال المنح البحثية المصرية الأمريكية، سيركز على إجراء المزيد من الأبحاث على أنشطة الحفظ البيولوجي، بما في ذلك جمع وحفظ السلالات المحلية للأنواع النباتية المستهدفة، وتنتمي معظم هذه الأنواع إلى الخضراوات والنباتات الطبية.

وأضاف أن دراسة التبايُن الوراثي لهذه السلالات المحلية وحفظها ستؤدي إلى التوسع في تجمع الجينات، وسيركز تعاوننا المستقبلي على تعزيز خيارات تربية القرعيات، لمقاومة الظروف والأمراض البيئية المعاكسة، ويفتح هذا البحث الطريق نحو مزيد من العمل العلمي في هذا المجال للحفاظ على الموارد الوراثية في مصر وتحسين الفوائد الاقتصادية للمواد النباتية المحفوظة.