كشفت دراسة مصرية حديثة عن فاعلية عقار أمريكي جديد لعلاج فيروس الالتهاب الكبدي سي، من النوع الوراثي 4، الأكثر انتشارًا في مصر. ووفقًا للدراسة، جرى إخضاع 120 مريضًا يحملون الفيروس لجرعة يومية من الدواء الجديد، في الفترة ما بين نوفمبر 2014 وحتى مايو 2015، وجرى تقسيم المرضى لمجموعتين، خضعت الأولى للعلاج لمدة 12 أسبوعًا، والثانية لمدة 16 أسبوعًا.

وأظهرت الدراسة المنشورة على مجلة لانست الطبية الشهيرة في يوليو 2016 نتائج مبشرة، إذ تراوحت نسبة الاستجابة للعلاج بين المرضى بين 97% - 98%، كما لم ينتج عن إطالة مدة العلاج آثار جانبية، كما يوضح وحيد دوس، رئيس اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية، وأحد المشرفين على الدراسة.

ووفق الدراسة، يصيب فيروس التهاب الكبد الوبائي سي (HCV) قرابة 10٪ من السكان في مصر، ممثلًا أحد الأسباب الرئيسية للوفاة، كما يقف وراء الإصابة بأمراض مثل تليُّف وسرطان الكبد. ويشكل فيروس (سي) الوراثي من النوع 4 حوالي 20٪ من حالات العدوى الفيروسية (سي) في جميع أنحاء العالم، وأكثر من 90٪ من حالات العدوى الفيروسية (سي) بين المصريين.

ويتألف العقار الجديد من ثلاثة علاجات مدمجة في قرص واحد، وهي أومبيتاسفير Ombitasvir وباريتابريفير paritaprevir وريتونافير ritonavir. وكانت الدراسة قد برهنت على أن مكونات العلاج الجديد المسمى فيكيرا باك Viekira Pak تعمل بفاعلية؛ إذ يمنع الأومبيتاسفير من تكوين بروتين (NS5A) المحفِّز للفيروس الكبدي على استنساخ نفسه، أما باريتابريفير فيعمل على منع تكوين البروتينات المكونة للفيروس، في حين يساعد ريتونافير على استدامة مفعول باريتايريفير لمدة أطول وبفاعلية أكبر.

جرى اعتماد دواء فيكيرا باك من قِبل هيئة الغذاء والدواء الأمريكية عام 2014ـ لعلاج النمط الجيني (1) من الفيروس، وهو النوع المنتشر في الولايات المتحدة، حيث يوجد للفيروس ستة أنماط مختلفة مرقمة (من 1 إلى 6)، أما الأكثر انتشارًا في مصر فهو النوع الرابع 4. لذا فإن التجارب التي أجريت العام المنصرم في مصر، استهدفت دراسة فاعلية العلاج على النمط الجيني 4 من الفيروس.

ويقول دوس: "إن العلاج الجديد أمريكي الصُّنع، ويقع ضمن مجموعة تسمى العلاجات مباشرة المفعول ضد الفيروس Direct-Acting Antiviral drugs (DAAs)، حيث ينقض على الفيروس المستهدف بشكل مركز".

ويتابع: "من خلال التجارب السريرية أو الإكلينيكية وجدنا أن فاعلية العقار مرتفعة نسبيًّا، والأهم أنه آمن ولا يسبب مضاعفات، سوى بعض الصداع والشعور بالإرهاق والغثيان وصعوبات في النوم أو حكة جلدية بسيطة عند عدد محدود من المرضى".

الدرجة العالية للأمان -كما يوضح دوس- هي أحد عناصر القوة في الدواء، ولذا تنوي الحكومة المصرية تضمين هذا الدواء في البرتوكول المصري لعلاج الفيروس.

ويضيف: "للدواء مميزات متعددة إذا ما قورن بعلاج مثل الإنترفيرون الذي شاع استخدامه مدة طويلة، ففضلًا عن الفاعلية العالية لنتائج العقار ومحدودية الآثار الجانبية، يتميز بقِصَر الفترة الزمنية المطلوبة للعلاج به، والتي تصل إلى حوالي 3 أشهر فقط، كما أنه يؤخذ كحبوب وليس من خلال الحقن كالعلاج سالف الذكر".

معايير الأمان

ووفق ما ذكرت الدراسة، فالنتائج المعروضة هي ختام للجزء الأول من المرحلة الثالثة للتجارب الإكلينكية، علمًا بأن الجزء الثاني يجري العمل عليه في الوقت الحالي، فهل يُعَد الدواء آمنًا للاستخدام؟

علاء عوض -أستاذ الكبد والجهاز الهضمي بمعهد تيودور بلهارس للأبحاث بالقاهرة- يعلق لـ"للعلم" بأن الدراسة هي "نوع من التجارب الإكلينيكية من الدرجة الثالثة open-label phase 3 trial، وتُجرى لتقييم أي علاج جديد، لمعرفة درجة الأمان والفاعلية للعلاج".

ويوضح عوض أن هذا النوع من التجارب يتم إجراؤه على عدة مراحل، كما يتم اختيار المرضى تبعًا للتاريخ المرضي لهم، ثم تقسيمهم إلى مجموعتين أو أكثر، تعطى إحدى المجموعات العلاج المعياري، فيما تخضع الأخرى للعلاج الجديد؛ حتى يمكن مقارنة نتائج المجموعتين.

ويشرح عوض مراحل الاختبارات الإكلينيكية الأربع قائلًا: إن لكل مرحلة دورًا في الإجابة عن سؤال بحثي، ففي المرحلة الأولى، يجري إعطاء الدواء لمجموعة صغيرة من المرضى لاختبار درجة الأمان، وفي المرحلة الثانية، يجري تجريب الدواء على مجموعة أكبر ثم تقييم الأمان من جديد. ويضيف: في حين يعطى العلاج في المرحلة الثالثة لمجموعة كبيرة من المرضى لجمع المعلومات الممكنة حول فاعليته والآثار الجانبية له، أما المرحلة الرابعة فيتم فيها جمع البيانات بعد طرح المنتج تجاريًّا في الأسواق.

يشيد عوض في رده بالعلاج الجديد، قائلًا: "الدواء آمن للاستخدام على المرضى، وسجل نتائج جيدة مع المصابين بالفشل الكلوي، والذين غالبًا ما تنتقل إليهم الإصابة بالمرض في أثناء جلسات الغسيل الكلوي، وهذا يُعَد إنجازًا جيدًا".

يُذكر أن مرضى الفشل الكلوي المتقدم ومَن يخضعون للغسيل الكلوي يشكلون دائمًا حلقة ضعف في علاج المرض، إذ تتأثر الكلى سلبًا على نحو سريع مع إخضاعهم للعلاج.

مَن يدفع الثمن؟

ووفق موقع شركة AbbVie المصنعة للدواء والمموِّلة للدراسة، يبلغ سعر الكورس العلاجي من الدواء Viekira Pak المؤلف من 12 أسبوعًا حوالي 84 دولارًا أمريكيًّا، وهو ما يجعل الدواء خيارًا جيدًا من حيث التكلفة، مقارنة بالأدوية المتوافرة في الأسواق.

ويُعَد ارتفاع تكلفة العلاج، العنصر الأهم في مشكلة علاج فيروس سي، وكجزء من حملة الحكومة المصرية لإعلان مصر خالية من فيروس سي بحلول 2020 والتي أعلن عنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في خطاب له في سبتمبر 2015، تقدم الحكومة المصرية الدواء للمرضى غير القادرين، وذلك من خلال التسجيل على موقع www.nccvh.org.eg

وقد جرى توفير أنواع مختلفة من العلاجات المضادة لفيروس الالتهاب الكبدي في الصيدليات المصرية، منذ مطلع عام 2016، "هيئات ومؤسسات المجتمع المدني لعبت دورًا محوريًّا في الضغط على الحكومة لتخفيض سعر علاجات الفيروسات"، هذا ما يؤكده محمد علي عز العرب، أستاذ الكبد بجامعة القاهرة، ومؤسس وحدة الأورام بالمعهد القومي للكبد.

ويضرب عز العرب -بوصفه المستشار الطبي للمركز المصري للحق في الدواء- مثلًا للجهد المبذول من قِبل الدولة المصرية لخفض أسعار الدواء: "دواء السوفالدي عند أول طرح له في السوق المصري وصل سعره للبيع في الصيدليات إلى 14940 جنيهًا مصريًّا (1.477 دولارًا تقريبًا)، بعدها جرى تصنيع الدواء محليًّا وطرحه بسعر 8900 جنيه (880 دولارًا أمريكيًّا).

ويتابع: أسهمت جمعيات المجتمع المدني أيضًا في الضغط على الحكومة المصرية لخفض سعر الدواء، وفق قوله، "لقد انخفض سعر السوفالدي المصري ليصل إلى 2670 جنيهًا مصريًّا، واستمر السعر في هبوط حتى وصل حاليًّا إلى 900 جنيه مصري في مراكز الكبد التابعة للجنة الفيروسات الكبدية، ومراكز الهيئة العامة للتأمين الصحي. ويختتم عز العرب كلامه بقوله: "نأمل أن يجري تخفيض سعره مرة أخرى".

وفي السوق المصرية عدد آخر من العلاجات التي جرى اعتمادها وتضمينها في بروتوكول العلاج المصري، من بينها السوفالدي مع الأوليسيو، وهو جيد لحالات تليف الكبد، وفق بيانات صدرت حديثًا عن وزارة الصحة المصرية. ويضم البروتوكول أيضًا السوفالدي مع الدكلانزا ودواء الهارفوني وهما مناسبان للتليف المتكافئ، عندما تكون الوظائف الكبدية جيدة، وغير المتكافئ، أي عندما تكون الوظائف الكبدية غير جيدة وتظهر مضاعفات التليف مثل الاستسقاء وتورم الساقين والصفراء والنزف والقيء الدموي وتدهور الوعي أحيانًا، ولكنهما يسببان بعض الأعراض الجانبية لمرضى التليف المتكافئ. أما الكيوريفو مع الريبافيرين فهو الأفضل حتى الآن لمرضى الفشل الكلوي والدواء الوحيد الذي لا يحتوي على سوفالدي.

وكانت وزارة الصحة المصرية قد أعلنت في فبراير 2016،عن تخفيض أخر لأسعار أدوية فيروس سي الكبدي، حيث شملت القائمة أسعار دواء كيوريفو بسعر 3050 جنيها للعلبة، بإجمالى 9150 جنيها للكورس الكامل  خلال 3 شهور للعلاج فى مراكز الكبد. أما عن سعر دواء كيوريفو فى المستشفيات والصيدليات الخاصة فقد وصل إلي 23 ألف جنيه مصري، ووفق دوس، فإن وزارة الصحة نجحت في تخفيض سعر دواء السوفالدى فى الصيدليات الخاصة ليصل إلي 900 جنيه، بينما وصل سعره في مراكز الكبد والتأمين الصحي 520 جنيهًا.

ووصل سعر دواء الدكلانزا المصرى الجديد بمراكز الكبد والتأمين الصحي إلى إلي 71 جنيها، وسعره فى الصيدليات 200 جنيه، بينما جاء سعر عقار الدكلانزا المستورد من خارج مصر بـ 1315 جنيها فى مراكز الكبد المصرية، أما  سعر عقار هارفونى فى مراكز الكبد فيبلغ 3050 جنيها، ليصبح الكورس العلاجى فى 3 شهور بـ 9150 جنيها، بينما وصل سعر دواء هارفونى المصرى إلى 1100 جنيه. في حين وصل سعر عقار الأوليسيو مع دواء السوفالدى فى الصيدليات إلى 5 آلاف جنيه فى الشهر، ليصبح إجمالى الكورس العلاجى فى 3 شهور 15 ألف جنيه.

احتفاء عالمي

يناير 2016.. تاريخ فارق في مكافحة مرض الالتهاب الكبدي الفيروسي؛ إذ خضع حوالي 680 ألفًا ومئتا مريض للعلاج على نفقة الدولة، كما يوضح دوس.

ويؤكد دوس أن خطة القضاء على المرض تسير بخطى واثقة، فقد جرى زيادة أعداد المراكز العلاجية وإنشاء 27 مركزًا جديدًا في نهاية 2015، ليصل عدد المراكز إلى 51 مركزًا، إلى جانب 102 من المراكز التابعة للهيئة العامة للتأمين الصحي.

هذا الإنجاز دفع مجلة ذا لانست في عددها الصادر في سبتمبر 2016 إلى الاحتفاء بالجهود المصرية في مكافحة المرض، ونشر صورة إله الطب عند قدماء المصريين (حورس) وهو يجري جراحة للكبد.

"طفرة حقيقية في العلاج"، هو التعبير الذي يصف به عز العرب ما تم إنجازه على صعيد عدد الحالات التي تم علاجها وتحقق لها الشفاء هذا العام.

ويرى عز العرب أنه على الدولة أن تولي "برامج الحد من العدوى" الأولوية القصوى في المرحلة الجارية، "لا بد من تطبيق معايير الجودة وتغيير السياسات الحالية، وعمل نظام رقابة مشددة على عيادات الأسنان وأدوات الجراحة وغيرها، إلى جانب عمل حملات توعية ضد العدوى".

ووفق موقع منظمة الصحة العالمية على الإنترنت، ينتقل فيروس التهاب الكبد سي -في معظم الحالات- عن طريق التعرّض للدم الملوّث به. وقد يحدث ذلك نتيجة عمليات نقل الدم الملوّث بالفيروس ومنتجات الدم الملوّثة به، وعن طريق استعمال معدات الحقن الملوّثة به خلال الإجراءات الطبية، وتعاطي المخدرات حقنًا. ويمكن أن ينتقل الفيروس أيضًا من خلال الاتصال الجنسي، ولكنّ ذلك الانتقال الأقلّ شيوعًا. ولا يوجد أيّ لقاح للوقاية من فيروس التهاب الكبد سي حتى الآن.

ويطالب عز العرب بعمل مسح شامل، يوضح بشكل دقيق أرقام المصابين وأعداد الإصابات الجديدة بالفيروس؛ ليسهل على صانع القرار مهمة التخطيط لمكافحة المرض والوقوف على أسباب الانتشار في مناطق بعينها.