حين شبّ الفتى واشتد عوده، ذهب والداه إلى حكيم القرية، كانت العادة في ذلك الزمان أن يُحدِث الحكيم ثقوبًا في أسنان المراهقين تمهيدًا لترصيعها بأحجارٍ منحوتة جيدًا، وباستخدام آلة بدائية تتكون من قوس تعتليه قطعة معدنية حادة تُشبه المثقاب، حفر الرجل تجويفًا دقيقًا في أسنان الشاب، ووضع مجموعةً من الحجارة المستديرة ذات الألوان الصارخة، تشمل الفيروز والكوارتز.

هكذا حصل الشاب -الذي كان يسكن سهول أمريكا الوسطى قبل 4000 آلاف عام- على تذكرة عبوره للرجولة، وأصبح مميزًا وقادرًا على الصيد ضمن نطاق منطقة نفوذ قبيلته، فقد أشارت الحجارة المزروعة داخل فمه إلى عمره، وقبيلته، ومكانته بين أبناء عمومته، فيما عدَّه علماء الوقت الحالي أول جراحة ناجحة من نوعها لزرع جسم غريب داخل جسم الإنسان، لتُسجل باسم مجهول عاش في حقبة قبائل المايا.

وطيلة عقود، استمرت ممارسات زرع الأحجار والمعادن داخل جسم الإنسان لأغراض الزينة، وفي مطلع القرن الماضي، ومع بدايات القرن الثامن عشر، تطور الأمر إلى محاولات لزرع المعادن لأغراض طبية، ففي عام 1711، تمكن الطبيب "ستيفن هاليس" من استخدام قسطرة طبية معدنية داخل قلوب أحصنة حية، ليبدأ بعدها ماراثون استخدام المعادن داخل جسم الإنسان.

سبيكة مبتكرة

ومؤخرًا، نجح فريق مصري مكون من 3 باحثين هم: الباحثة في علوم المواد يُمنى عماد صلاح، وأستاذ علوم المواد بالجامعة الأمريكية ناجح علام، وأستاذ علوم المواد المساعد بالجامعة اليابانية محمد جبريل، في تطوير جيل جديد من السبائك المعدنية للأغراض الطبية، مُخصصة لعمل الدعامات القلبية، وحصلوا على براءة الاختراع الأمريكية لحفظ حقوق تصنيع تلك السبيكة.

السبيكة المبتكرة حديثًا مصنوعة من التيتانيوم TI مُضافًا إليه نسبة من معدن التتاليوم Ta بنسبة 6% ومعدن النيوبيوم Nb بنسبة 17%، ووفق وصف البراءة، فإن تلك السبيكة تتمتع بمرونة فائقة، وقوة كبيرة، ومعدلات رفض منخفضة، كما أنها خالية من العناصر السامة، أو تلك التى تُسبب التهابات عصبية أو حساسية.

وتشير براءة الاختراع إلى أن "الدعامة القلبية المصنوعة من تلك السبيكة ذات تكلفة منخفضة؛ إذ تحتوي على الحد الأدنى من العناصر النادرة، مع المحافظة على الخصائص الميكانيكية المميزة دون تدهور". وتأتي أمراض القلب الوعائية في مقدمة الأمراض المُسببة للوفاة حول العالم؛ إذ قضى نحو 17.5 مليون شخص نَحْبَهم في عام 2012 من جرّاء الإصابة بها، ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن إحدى طُرق علاج تلك الأمراض تشمل استبدال صمامات القلب، وزرع الدعامات، للشرايين الموجودة في القلب، التي حدثت لها انسدادات بسبب الإصابة بمرضٍ ما.

ويهدف تطوير السبائك المعدنية للأغراض الطبية إلى توفير مواد ذات بنية حيوية وميكانيكية وكيميائية ممتازة؛ لسد حاجة المرضى من صغار السن الذين يحتاجون إلى سبائك ذات عمر طويل تُزرع في أجسادهم دون الحاجة إلى تغييرها. لذا، فإن الجيل القادم من المواد البنيوية -التي ستحل محل الأنسجة البشرية الصلبة- يجب أن يكون خاليًا من العناصر السامة.

ومؤخرًا، بدأ اهتمام الباحثين ينصبُّ على السبائك ذات مُعامل المرونة المنخفض كخاصية أساسية لتلك التطبيقات الطبية، وتم تطوير كثير من السبائك الحيوية التي تُظهر خواص متميزة، وتتكون من عناصر ذات ملاءمة حيوية، إلا أن سعرها غالبًا ما يكون مرتفعًا، إذ إن تلك العناصر نادرة في الطبيعة، ويحتاج تصنيعها إلى تقنيات عالية.

خواص مميزة

الدكتور محمد جبريل في لقائه مع "للعلم"

credit: Lelelm

يُستخدم التيتانيوم على نطاق واسع في التطبيقات الطبية؛ نظرًا لتمتُّعه بخواص مميزة، كالمتانة النوعية ومقاومة التآكل والملاءمة الطبية، وتُعد السبائك التيتانيومية من النوع "بيتا" من أفضل الأنواع، بسبب انخفاض مُعامل مرونتها وقابليتها للتشكُّل على البارد وخواصها الممتازة في المعالجة الحرارية، وغالبًا ما يتم سبك التيتانيوم مع عناصر غير شائعة كالفاناديوم.

غير أن الفريق البحثي المصري تمكَّن من صنع دعامات الشرايين من السبيكة الجديدة، عبر تصميم متوازن يعتمد على الهندسة النانوية، ويجمع بين انخفاض التكلفة والملاءمة الحيوية العالية، ما يجعل تلك الدعامة واعدة، وذات جدوى اقتصادية ولها قدرة عالية على تحمُّل الإجهادات دون أن تُسبب حساسية.

يقول محمد جبريل -أحد مطوري السبيكة ومُصنِّعي الدعامة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العمل على ذلك الابتكار بدأ عام 2009، وقتها كنت أعمل في جامعة ناجويا اليابانية، والتقيت كلًّا من يمنى وعلام، واتحدت أهدافنا لتصنيع تلك السبيكة".

ويضيف أن "دعامة القلب الاعتيادية تتكون من أسطوانة معدنية صغيرة، تُركب داخل الشرايين المسدودة بواسطة قسطرة علاجية. وفي البداية، تقوم القسطرة بتوسيع الشريان، ثم تخرج تاركةً وراءها دعامة تُساعد على إبقاء الشريان في حالة تُمكِّن الدم من التدفق خلاله بطريقة طبيعية، إلا أن الجسد يبدأ في اتخاذ مجموعة من الإجراءات الدفاعية، معتبرًا الدِّعامة –الحافظة لحياته- عدوًّا يجب التخلص منه، فتنسج الشرايين حوله شبكةً تُشبه شبكة العنكبوت، مُكونة من أنسجة حية، وينتج عن تلك العملية انسداد الشريان مرة أخرى على أقل تقدير، أو حدوث تمزق له في الحالات المتوسطة، أو حتى الإصابة بنوبات قلبية تؤدي إلى الوفاة في حالات رد الفعل الشديدة".

وللأسف، يُعاني نحو 30% من المرضى من انسداد الشريان مرةً أخرى بعد تركيب الدعامة، على حد قول أستاذ أمراض القلب بكلية الطب جامعة عين شمس والرئيس السابق لجمعية القلب المصرية، عادل الإتربي، مضيفًا أن "تلك المشكلة لم نجد لها حلًّا حتى الآن".

قام الفريق البحثي بعمل معالجة سطحية وبينية مجهرية للتيتانيوم عبر استخدام تقنيات النانوتكنولوجي، ثم قام بتصنيع السبيكة وتشكيلها لتصبح دِعامة حيوية يترواح قطرها الداخلى بين 65 إلى 85 نانومترًا، وبالتعاون مع كلية الطب بجامعة الإسكندرية، استنبت الفريق خلايا حية على الدعامة لدراسة ردود فعلها حال زرعها داخل الجسم.

نتائج إيجابية

يقول جبريل: "إن النتائج كانت ممتازة، فلم تُصَب تلك الخلايا بالحساسية، ولم تُظهر الدعامة أي علامات أو مشكلات لها علاقة بضرورة الاستبدال بها بعد فترة كما يحدث مع الدعامات الموجودة حاليًّا في السوق العالمي".

ويضيف: "قمنا بتلبية الاحتياجات المطلوبة في صناعة الدعامات الطبية، والخطوة التالية ستكون معالجة سطح الدعامة لعمل فجوات تُوضع فيها الأدوية الخاصة بأمراض القلب ليتم ضخها داخل قلوب المرضى مباشرة.

ويأمل "جبريل" أن يتمكن مستقبلاً من تطوير الدعامة لتصبح ذاتية الاتساع، لتتناسب بصورة أكبر وأكثر مرونةً مع سريان الدم داخل الشرايين، مشيرًا إلى أن "الفريق البحثي بدأ مجموعةً من التجارب لزرع السبيكة داخل الحيوانات (الأرانب) تمهيدًا لزراعتها داخل جسم الإنسان".

ويُشير "جبريل" إلى أن الفريق لا يزال في انتظار نتائج التجربة على الحيوانات الحية"، مضيفًا: "النتائج مبشرة، وسننشر نتيجة التجارب خلال شهور في إحدى المجلات العلمية".

ومن جهته، يرى "الإتربي"، في تصريحات لـ"للعلم" أن "تطوير دعامات حيوية جديدة أصبح ضرورةً مُلحة يتطلبها الوضع الصحي المأزوم، خاصة مع ارتفاع أعداد مرضى القلب حول العالم"، مؤكدًا -في الوقت ذاته- ضرورة "التعامل بحذر مع كافة الابتكارات الخاصة بالدعامات القلبية حتى يتم إثبات كفاءتها".