يُشير الشكل شبه المنحرف ذو الحافة الزاوية، والذي يُميز شعار "جمعية السرطان الأمريكية" إلى الحركة للأمام، والطموح، والنمو، أما التصميم الجانبي الذي يُصور علمًا تُمسكه أيادٍ متعددة فيُمثل ضرورة توحيد الجهود بين الدول والمنظمات والأفراد لإنقاذ حياة البشر من ذلك المرض اللعين.

تحت ذلك الشعار، وقف رجلٌ يرتدي بذلة سوداء أنيقة بين ثلاثة آخرين استعدادًا لالتقاط الصورة الجماعية المُخصصة للفائزين بميدالية الشرف في أبحاث السرطان لعام 2015، والتي تقدمها الجمعية كل عام. تُعتبر الجائزة بمنزلة جائزة "نوبل" في أبحاث السرطان؛ إذ تُعطَى للأشخاص الذين حققوا إنجازات علمية أسهمت في علاج الأورام الخبيثة.

الرجل هو العالِم الشهير "ستيفن روزنبرج"، أما سبب الجائزة فيتعلق بريادته في تطوير العلاج المناعي المتبني، والذي أدى إلى ابتكار الأدوية المناعية الفعالة في حالة الأورام الخبيثة السائلة، ففي عام 1992، تمكن "روزنبرج" لأول مرة من ابتكار آلية لعلاج الورم عن طريق حقن المرضى بخلاياهم المناعية.

ومنذ ذلك التاريخ، نجح العلماء في ابتكار مجموعة كبيرة من الآليات الدفاعية ضد السرطان، معتمدين اعتمادًا كاملًا على الجهاز المناعي للجسم، بحيث يحصل العلماء على خلايا المريض، ويعيدون برمجتها وراثيًّا؛ لاستهداف الأورام السرطانية.

ورغم نجاح تلك الطريقة في علاج الأورام السائلة، كأورام الدم، فقد فشلت بشكل كبير في علاج الأورام الصلبة، وخاصةً أورام الدماغ.

والآن، يبدو أننا على أعتاب حقبة جديدة، بعد أن نجح فريق علمي من عدة مؤسسات بحثة عالمية، بقيادة باحث مصري، من ابتكار إستراتيجية علاجية جديدة، تُحسِّن من وصول الخلايا المناعية إلى أعماق الدماغ مخترقةً الحائل الدموي الدماغي، لضرب أورام المخ وتدميرها في معاقلها.

 فوفق ورقة بحثية نُشرت مؤخرًا في دورية "نيتشر" العلمية، تمكَّن الباحثون من بناء مُستقبِل يُمكن "لصقه" على الخلايا المناعية، وهو الأمر الذي يُعطي لها تصريحًا بالمرور من خلال الحائل الدموي الدماغي، ويجعلها قادرةً على تدمير الأورام الدماغية بطريقة فريدة وفعالة.

وفق قول الباحث بمركز العلاج بالخلايا والجينات التابع لمستشفى تكساس الولايات المتحدة الأمريكية "نبيل أحمد"، المؤلف الرئيسي للدراسة، فإن الآلية الجديدة تُمهد الطريق للخلايا المناعية التائية، وتجعل القضاء على الأورام الدماغية المستهدفة أكثر سهولة، كما أنها تُثير الخيال فيما يتعلق بالأورام السرطانية الصلبة جميعها.

تحدث التفاعلات بين الخلية والمستقبل الموجود في الخلايا التائية المبرمجة وراثيا حين يلتصق المُستقبل بالحائل الدموي الدماغي ويبدأ في الانبعاج والتشوه تمهيدًا لدخوله إلى عمق الدماغ. توضح الصورة نجاح الخلايا التائية المُحملة بالمستقبل في عبور الحائل الدموي الدماغي Nature 2018

تقول الدراسة المنشورة في دورية "نيتشر" إن نجاح العلاج المناعي لسرطان الدماغ يتطلب وصول الخلايا التائية إلى أنسجة الورم، ولكن هذا الأمر كان عصيًّا على التحقيق، وعلى النقيض تمامًا؛ ففي حالة الأمراض الدماغية الالتهابية كالتصلب المتعدد، يعمل الدماغ على تسريب بعض الجزيئات المناعية خلال الخلايا المبطنة للأوعية الدماغية، مما يسمح بزيادة أعداد الخلايا المناعية داخل المخ.

"مشكلة التصلب المتعدد هي زيادة عدد الخلايا المناعية في منطقة الدماغ، تلك الخلايا تضر المخ بشدة"، يقول "أحمد" في تصريحات خاصة لـ"للعلم"، مشيرًا إلى أنه وفريقه قاموا بـ"التعلم من الطبيعة"، في محاولة لإدراك الكيفية التى تمر بها الخلايا المناعية من خلال الحائل الدموي الدماغي، "درسنا مرض التصلب المتعدد ليس بهدف علاجه، ولكن كي نفهم آلية دخول الخلايا المناعية للدماغ".

فحص الباحثون الخلايا المناعية المنتشرة حال الإصابة بالتصلب المتعدد، وتبيَّن بتحليلها وجود عدد من الجزيئات التي لا تتوافر في الخلايا المناعية العادية، وبفحص تلك الجزيئات، لاحظ الباحثون قدرتها الاستثنائية على تغيير شكل الخلية المناعي؛ إذ تنضغط تلك الخلايا، وهو الأمر الذي يسمح لها بالمرور خلال الحائل الدموي الدماغي، والوصول إلى عمق المخ.

وعلى الرغم من أن الحاجز الدموي الدماغي يمنع وصول المواد الكيميائية الضارة والبكتيريا والفيروسات إلى مركز التحكم في جسمنا، فإنه يمنع أيضًا وصول ما يقرب من 95 في المئة من الأدوية، التي تُعطَى عن طريق الفم أو الوريد. ونتيجة لذلك، غالبًا ما يضطر الأطباء الذين يعالجون المرضى الذين يعانون الأمراض العصبية التنكسية، مثل مرض باركنسون (الشلل الرعاش)، إلى حقن الأدوية مباشرةً في الدماغ، وهو ما يتطلب ثَقب الجمجمة.

كسلاحٍ ذي حدين، يقف الحائل الدموي الدماغي على أعتاب المخ، وهو مركب معقد للغاية يهدف إلى حماية الدماغ ، فهو بنية غشائية تسمح بالوظائف الأيضية، مكونة من غشاء قاعدي يُمد بالغذاء من خلايا نجمية توفر له الدعم الحيوي، يسمح ذلك الحائل بتمرير نواتج الاستقلاب اللازمة لتغذية الدماغ، ولا يسمح بمرور غيرها من المواد، بهدف الحماية.

تلك الآلية الفسيولوجية تحمي وتمنع بشكل مُطلق دخول الجزيئات الغريبة أيًّا كانت ماهيتها إلى الدماغ، ذلك المنع يُطبق بكل صرامة على العلاجات التي تستهدف خلايا سرطان الدماغ، ما يجعلها عصيةً على العلاج باستخدام تقنيات العلاج المناعي.

بشكل عام، يعتمد ذلك النوع من العلاج على تنشيط الجهاز المناعي للمريض، عبر أخذ الخلايا التائية من دمه أو من الورم، وتعديلها وراثيًّا، ومن ثَم حقنها مرةً أخرى داخل جسد المريض؛ لتتعرَّف خلايا الأورام وتدمرها، وقد حاول الباحثون فيما مضى تطبيق تلك التقنية على الأورام الدماغية، إلا أن الأجسام المناعية فشلت في الوصول إلى هدفها.

يقول "أحمد" إن الباحثين حاولوا سابقًا بكل جهد، إلا أن الخلايا التائية المُعدلة وراثيًّا لمهاجمة الأورام لم تمر عبر الحائل الدماغي إلا بنسبة 5%، وبالتالي، يضطر العلماء إلى اتخاذ أساليب عنيفة لإيصال الخلايا إلى عمق الورم؛ منها استخدام القسطرة الطبية الدماغية، التي يستلزم تركيبها عمليةً جراحية، أو حتى شق الجمجمة وحقن الدواء في الورم مباشرة، "وهي أساليب مُكلفة وعالية الخطورة"، على حد قول المؤلف الرئيسي للدراسة.

بعد أن تعلَّم الباحثون طريقة انتشار الخلايا المناعية داخل الدماغ، جاء الدور على الشق الثاني من الدراسة، ألا وهو تصميم مستقبِل يستطيع الباحثون دمجه مع الخلايا التائية ليعطيها القدرة على العبور من خلال الحائل الدماغي الدموي، "جاء الدور على الحاسوب، جمعنا خواص المستقبلات، وقمنا بتصميم أحدها من الصفر، تصميمًا عقلانيًّا من مواد طبيعية لا تُسبب ضررًا للدماغ".

يتكون المُستقبل المُصمم من جزءين، يتصل أحدهما بالخلايا التائية، ويبقى جزء منه خارج الخلية المناعية، تجعل التعرف عليه سهلًا من قِبَل الحائل الدموي الدماغي، وبمجرد الدخول إلى أعماق الدماغ، يلتصق الجزء الحر في الخلية التائية بخلايا الورم، ويدمرها تمامًا.

وفق "هبة سماحة"، الباحثة الرئيسية في الدراسة، والتي تعمل في قسم الأبحاث بمستشفى سرطان الأطفال 57357، قام الفريق البحثي بسحب الدماء من فئران التجارب، ثم قاموا بعزل الخلايا التائية، وأعادوا برمجتها وراثيًّا عن طريق تحميل جين على فيروس وإدخاله إلى الخلايا المناعية، وبعد إتمام عملية البرمجة، يقوم الباحثون بلصق الجزيء/ المستقبل الجديد على الخلايا، ويحقنونها داخل مجرى دم الحيوانات.

"حققت تلك الطريقة Homing System ارتفاعًا في أعداد الخلايا المناعية التي تهاجم الورم بنسبة 74%"، تقول "سماحة" في تصريحات خاصة لـ"للعلم"، مشيرةً إلى أن الفريق البحثي تابع وصول الخلايا إلى الورم عبر استخدام صبغة خاصة تكشف مسارها في الدم، ومؤكدةً أن تلك النسبة كافية لمهاجمة الأورام والقضاء عليها.

لا تمثل سرطانات الدماغ والجهاز العصبي سوى نسبة صغيرة من حالات الإصابة السنوية بالسرطان –نحو 1.4%- إلا أنها تُسبب ضِعف النسبة من الوفيات -2.7% من إجمالي وفيات السرطان- وتمثل الأورام العصبية الظهرية الغالببية العظمى من أورام المخ الخبيثة، والأكثر شيوعًا منها الورم الأرومي الدبقي (46%) بمعدل بقاء لا يزيد عن 5% فقط من الحالات المُصابة.

ويستخدم الأطباء في الوقت الحالي معيارًا سريريًّا مُحددًا لعلاج أورام المخ، وهي الاستئصال الجراحي ثم العلاج الإشعاعي، فالكيميائي، غير أن ذلك المعيار لا يتم استخدامه في الكثير من الحالات بسبب موقع بعض الأورام، التي تقع بالقرب من مناطق حساسة ستعطل عمل الدماغ حال استئصالها، أو بسبب اختبائها خلف نواة المخ، ما يجعل من المستحيل في الغالب إزالة جميع الخلايا الخبيثة، كما أن العلاج الكيميائي النظامي أقل فاعليةً في حالة أورام الدماغ بسبب الحائل الدموي الدماغي الذي يمنع وصول المواد الفعالة للدماغ، وبالتالي تتفاقم متطلبات الجرعة الفعالة، ما يؤدي لحساسية الأنسجة العصبية، ما ينجم عنه موت المريض في أحيان كثيرة.

لذا؛ يستمر العلاج المناعي في اكتساب كلٍّ من الزخم والشرعية كنمط عقلاني من العلاج، قبل نحو عام، قاد الدكتور "ميستي جينكيز" من معهد والتر للبحوث الطبية بأستراليا فريقًا بحثيًّا، بهدف تصميم خلايا تائية قادرة على علاج الأورام الصلبة، وقد تمكن الفريق بالفعل من استخدام مستقبل يُسمى carCTL قادر على الوصول للأورام الصلبة في جسم الإنسان، كما أنه قادر على استحداث مسارات داخل الحائل الدماغي الدموي والوصول إلى الورم وتدميره، وفي عام 2013، نشر فريق بحثي أمريكي دراسة تقول إن الطبيعة المعقدة وغير المتجانسة للأورام الدماغية السرطانية تتطلب نظامًا دوائيًّا متعدد الأوجه يشمل مزيجًا من المناهج المناعية.

ويقول الدكتور "نبيل أحمد" إن هناك 4 تجارب سريرية تُجرى في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل متزامن في محاولة لحل المشكلات المتعلقة باستخدام الأدوية المناعية في علاج أورام الدماغ، "غير أن النتائج إلى الآن ليست مبشرة". ويُحاول "نبيل" الآن الحصول على الموافقة من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية على إجراء التجارب السريرية على البشر، بعد أن أتم دراسة الآثار على حيوانات التجارب.

تصف "هبة فاروق سالم"، عميد كلية الصيدلة ببني سويف المصرية، الحائل الدموي الدماغي بـ"الحاجز المنيع"؛ إذ تقول في تصريحات خاصة لـ"للعلم" إن اختراقه في غاية الصعوبة، "أكثر من صعوبة اختراق الجلد بمئات المرات"، لذا ترى أن نتائج الدراسة "مبهرة"؛ إذ توفر تلك الآلية "وسيلة جديدة لاقتحام الحاجز المنيع عبر مُستقبلات صُممت خصيصًى لذلك الهدف".

غير أنها تعود وتؤكد ضرورة عدم الإفراط في التفاؤل قبل ظهور نتائج سريرية؛ فـ"إجراء التجارب على فئران التجارب يختلف تمامًا عن البشر؛ إذ إن الاستجابة تختلف، وبالتالي يجب علينا انتظار النتائج النهائية على البشر".