حين رُزقت "علياء" بطفلتها، أخفت العائلة عنها الطفلة ثلاثة أيام كاملة، وبعد إلحاح من الأم التي اعتصرها الخوف على مولودتها الأولى، أخبرها الطبيب بأن ابنتها مصابة بـ"متلازمة داون"؛ احتضنت "علياء" طفلتها برضا تام، وقلب أم يملؤه الحب.

تقول علياء، وهي صيدلانية مصرية، لـ"للعلم": "ظننت أنني لن أرى ابنتي أبدًا.. وتوقعت الأسوأ، لكن أن تكون لي طفلة مصابة بـ"متلازمة داون"، فهذا يعني أن الله اختار لي طريقًا آخر، وعليَّ السير فيه بقوة وتحدٍّ".

تَقاطَع طريق "علياء" مع العديد من المسارات العلمية والمبادرات الشعبية التي وجدت لها أرضًا رحبة في مصر للتعامل مع المصابين بـ"متلازمة داون"، التي تنتج عن انقسام صبغي خطأ للخلية يؤدي إلى وجود ثلاث نسخ من الكروموسوم 21 بدلًا من نسختين، بحيث يصبح مجموع الكروموسومات في الخلية 47 كروموسومًا بدلًا من 46. إنها أشهر اضطراب كروموسومات وراثي، يتسبب في حدوث إعاقات التعلُّم لدى الأطفال.

وتتفاوت أعراض متلازمة داون في حدتها لدى المصابين بها، مما يتسبب في إعاقة ذهنية وتأخُّر في النمو مدى الحياة، كما أنها كثيرًا ما تسبِّب حالات شذوذ طبية أخرى، ومنها اضطرابات القلب والجهاز الهضمي، وربما الإصابة بداء ألزهايمر.

وسُميت المتلازمة بهذا الاسم نسبةً إلى الطبيب الإنجليزي "جون لانجدون داون" الذي كان أول مَن وصفها في عام 1862، قبل أن يصنفها كإحدى حالات "الإعاقة العقلية" في تقرير موسع نشره عام 1866، ولم يتم توصيفها كاضطراب جيني حتى عام 1959، بواسطة عالِم الوراثة الفرنسي "جيروم لوجين". وتتراوح معدلات الإصابة بمتلازمة داون بين 1/1000 إلى 1/1100 شخص من الولادات الحية في جميع أنحاء العالم. ويولد كل عام ما بين 3 آلاف إلى 5 آلاف طفل يعانون من هذا الاضطراب الجيني. كما يُعتقد أنه يوجد حوالي 250 ألف عائلة في الولايات المتحدة الأمريكية لديها مصاب بـ"متلازمة داون"، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة، التي أَعلنت في ديسمبر 2011 يومَ 21 مارس من كل عام يومًا عالميًّا لها.

يقول "سالم لنقي" -استشاري جراحة العظام بمركز بني غازي الطبي في ليبيا- في تصريحات لـ"للعلم": "إن المصابين بمتلازمة داون يعانون من تشوهات وضعف وتقوس في العمود الفقري، خصوصًا فقرات العنق، إضافة إلى الأقدام المسطحة وانحناءة في مقدمة القدم، وارتخاء أربطة مفاصل الورك وتعرُّضها للخروج عن مكانها الطبيعي، وخلع في صابونة الركبة، وليونة في جميع أربطة المفاصل بالجسم وتشوهات خلقية بالقلب، وكسل في الغدة الدرقية، وازدياد احتمالية الإصابة بمرض السكري، والبلوغ المبكر، ولهم صفات شكلية مميزة، تتمثل في قصر الرقبة، وصغر تجويف الفم والأذن، وتسطُّح في جسر الأنف، مع نقط بيضاء على قزحية العين، وقصر القامة، وضعف العضلات".

ويصعب الحديث عن الاعتلالات الصحية الخاصة بالأشخاص أصحاب متلازمة داون، دون الإشارة إلى مرض ألزهايمر، إذ أظهرت دراسة أعدتها "جمعية ألزهايمر الأمريكية"، إلى أن بدء العلاج في منتصف الثلاثينيات -بالنسبة لأصحاب متلازمة داون، وقبل إصابتهم بألزهايمر- من الممكن أن يسهم في حمايتهم من المضاعفات، محذرةً من تَزايُد احتمالات إصابة أصحاب متلازمة داون به عند بلوغهم سن الأربعين أو ما بعده.

أرقام مجهولة

لا يوجد في مصر رقم محدد معلن لعدد المصابين بـ"متلازمة داون"، لكن البيانات الرسمية التي تضمَّنها تقرير "الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء" حول التعداد السكاني لعام 2017، تشير إلى أن نسبة ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر بصورة عامة (والتي وصفها التقرير بالصعوبات من الكبيرة إلى المطلقة) لا تتعدى 2.61% من إجمالي تعداد السكان.

لكن "منى عبد الرازق" -رئيس شعبة الوراثة البشرية وأبحاث الجينوم بالمركز القومي للبحوث- تشير في تصريحات لـ"للعلم" إلى أن بعض الدراسات ذهبت إلى أن "نسبة ولادة أشخاص بمتلازمة داون في مصر تبلغ 1 من بين كل 600 شخص".

يبلغ عمر ابنة "علياء" الآن ثلاثة أعوام ونصف، ونجحت في السير، والكلام، بسبب رعاية والدتها لها، التي استفادت كثيرًا من دراستها كصيدلانية. تقول "علياء": أبناؤنا مختلفون، ونريد من المجتمع أن يتقبلهم كما هم.. فكل تطور يحدث لهم يأتي بعد مشقة ومثابرة منا ومنهم.

وتضيف أنها واجهت بعض الصعوبات بسبب عدم معرفة أطباء الأطفال بخصوصية حالات أطفال متلازمة داون، في حين وفرت لها العيادات التابعة لشعبة الوراثة بالمركز القومي للبحوث كل الدعم اللازم، مشيرةً إلى أنها سارعت بابنتها فور ولادتها إلى عيادات المركز، ما أسهم في توفير برنامج علاجي لها، تضمَّن تمارينًا للعلاج الطبيعي، وتنمية مهارات، ونظامًا غذائيًّا خاصًّا.

كما أسهمت "علياء" في تأسيس مبادرة "متلازمة مش أزمة"، لوقف التنمر ضد أطفال داون، والسعي إلى رفع الوصم المجتمعي عنهم ودمجهم في المجتمع عن طريق حملات طبية مستمرة بالمحافظات؛ بهدف التوعية بالمرض وباحتياجات المصابين به. جاء ذلك بعد أن واجهت بنفسها بعض المواقف الصعبة، على حد وصفها.

فحص الأجنة

ورغم محدودية العيادات والمراكز الحكومية الخاصة بالوراثة البشرية، ومن أهمها مركز جامعة عين شمس، والمركز القومي للبحوث، وجامعة القاهرة، وجامعة المنصورة، إلا أن تلك المراكز تؤدي دورًا فعالًا في حياة الأطفال وأسرهم.

تقول "إيمان يوسف" -أخصائية النساء والعقم، والحاصلة على زمالة تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية- لـ"للعلم": "إنه  يجب على كل امرأة يزيد عمرها على 35 عامًا الاهتمام بفحص جنينها، إذ يُعَد عمر الأم من عوامل الخطر التي قد تؤدي إلى ولادة أطفال مصابين بمتلازمة داون. ويساعد فحص "الشفافية القفوية" على تقييم كمية السائل الموجود في القسم الخلفي لعنق الجنين، ما يعطي مؤشرًا لإمكانية إصابة الجنين بمتلازمة داون".

وتضيف أن "فحص الشفافية القفوية" هو تصوير بالموجات فوق الصوتية يجرى بين الأسبوعين 11 و14 من الحمل؛ لقياس كيس السائل في مؤخرة عنق الطفل، وفي حالة زيادة النسبة عن 35 ملم، يوصى بعمل المزيد من الفحوصات، والتحويل إلى أحد أطباء الوراثة المختصين للتدخل المبكر؛ إذ إن كمية السائل المتزايدة قد تعني أن الطفل لديه احتمال متزايد للإصابة بمتلازمة داون".

التعليم المستمر

برغم ارتباط متلازمة داون بالتأخر العقلي، إلا أن دراسة أجراها باحثون أمريكيون في مجال علم الوراثة ذكرت أن المصابين بها لا يكفون عن التعلُّم، وتطوير مهاراتهم وإدراكهم بشكل مستمر، مع الانتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى.

عملت الدراسة على تتبُّع حالة 2658 أسرة أمريكية وهولندية كان لديها أطفال مصابون بمتلازمة داون، وكشفت تمتُّع هؤلاء الأطفال بالعديد من المهارات؛ إذ تمكَّن 49% من أفراد العينة من القراءة بصورة معقولة، و46% كانوا يكتبون بصورة معقولة، بينما بلغت نسبة مَن يمكنهم السفر بمفردهم 30%، ومَن يمكنهم العيش بصورة منفصلة عن ذويهم 34%، أما نسبة مَن التحقوا بوظائف عند تخطيهم 31 عامًا فكانت 71% في أمريكا و65% في هولندا.

وربطت الدراسة بين التطور في مهارات المصابين بمتلازمة داون والمستوى التعليمي لعائلاتهم، فكلما زاد المستوى التعليمي للعائلة نجحت الأسرة في منح مهارات أكثر لأبنائها.

نموذج مصري

ما ذكرته الدراسة الأمريكية أثبتته بالواقع العملي خبيرة التخاطب "أمل عطيفة"، والدة "رحمة خالد"، أول مذيعة مصرية من أصحاب متلازمة داون، والتي تأسر طلتها العفوية المشاهدين، وتثير الإعجاب أينما حلت؛ فهي بطلة رياضية، وخريجة كلية السياحة والفنادق، ومقدمة برامج تحلم بدخول موسوعة "جينيس للأرقام القياسية" كأول مذيعة مصابة بمتلازمة داون، وتُعَد "رحمة" مصدرًا دائمًا للأمل لدى أمهات أطفال متلازمة داون في مصر.

تقول "عطيفة"، في تصريحات لـ"للعلم": زرعتُ الطموح في رحمة، فمنذ ولادتها سارعتُ باستشارة متخصصين، حتى يدعمها التدخل المبكر في تنمية مهاراتها، وإلحاقها بمَن في سنها من غير أطفال متلازمة داون، وكان أكثر تحدٍّ واجهتُه هو دمجها بإحدى المدارس العامة، متجاهلةً نصائح الأهل والأصدقاء بإلحاقها بمدرسة تربية فكرية"، مضيفةً أنها كانت ترى في ابنتها إمكانيات كبيرة، يمكن إبرازها في حالة وضعها في أجواء تساعدها على تطوير قدرتها.

وتضيف: ربما كانت رحمة غير متفوقة في الدراسة، لكنها دائمًا ما تفوقت في رياضة السباحة، وزادت ثقتها بنفسها، بسبب كثرة الجوائز التي كانت تحصل عليها من إدارة المدرسة، تجاهلتُ الأصوات التي كانت ترى في إصرار إنجاح ابنتي نوعًا من الضغط عليها، حتى أنهت "رحمة المرحلة" الجامعية، وبدأت حياتها العملية، فتبددت تلك الأقاويل.

كما نجحت "رحمة" أيضًا في اكتساب أصدقاء خلال المراحل الدراسية المختلفة، وهو الأمر الذي كان بمنزلة تطبيق عملي على أهمية دمج فئات متحدى الإعاقة، وبخاصة أطفال متلازمة داون في المدارس، عملًا بقرار وزارة التربية والتعليم رقم 42، لسنة 2015.

العلاج الطبيعي

تروي "عطيفة" كيف ساعدت ممارسة الرياضة رحمة على تقوية عضلاتها، وزيادة مناعتها، فباتت أقل عرضةً للأمراض، وهو الأمر الذي يؤيده "سعد الجندي" -أخصائي العلاج الطبيعي بالقصر العيني- مشددًا على أن "استجابة الأطفال المصابين بمتلازمة داون لبرامج العلاج الطبيعي جيدة بوجه عام، إذ يتمتعون بقدرات عقلية أفضل من نظرائهم من متحدي الإعاقة، وهو ما يحدث حتى في حالة تأخُّر الأهل في بدء العلاج الطبيعي لأطفالهم".

يقول "الجندي"، في تصريحات لـ"للعلم": "دائمًا ما ننصح أمهات أطفال متلازمة داون بمساعدة أطفالهن على ممارسة ألعاب القوى والجمباز والسباحة، لكن هذا لا يعني أن كل هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى علاج طبيعي؛ إذ يتحدد ذلك بواسطة طبيب الأطفال، أو طبيب الوراثة المعالج، وبعدها يتم تحويل الطفل إلى أخصائي علاج طبيعي لقياس مهارات التطور الحركي وفقًا للفئة العمرية حتى يتم وضع برنامج علاجي مناسب"، مشيرًا إلى أن "هؤلاء الأطفال يحتاجون أيضًا إلى التدخل الوظيفي بجانب العلاج الطبيعي، وذلك عند ضعف مهارات اليد، وخاصةً في الكتابة؛ إذ يحتاجون إلى تقوية عضلات اليد".

وتشدد "منظمة الصحة العالمية" على أن نوعية حياة الأشخاص المصابين بمتلازمة داون يمكن أن تتحسن في حالة إحاطتهم بالرعاية الأسرية والصحية، مع دمجهم في المجتمع، ومدهم بالمهارات اللازمة، مشيرةً إلى أن "متوسط أعمار أطفال متلازمة داون ارتفع كثيرًا بسبب الرعاية والمتابعة، فخلال التسعينيات من القرن الماضي كان يُعتقد أن أعمار هؤلاء لن تتخطى العشرة أعوام، في حين أن 80% منهم قد يعيشون الآن لـ50 عامًا أو أكثر".

الحمية الغذائية

وتُعَد الحمية الغذائية الصارمة من الاحتياجات الرئيسية لطفل "داون"؛ إذ يكون عرضةً للسمنة، وأمراض الغدة الدرقية، إضافة إلى ضعف عضلات الفم، والوجه بشكل عام.

تقول "عهد السوداني" -أخصائية التغذية العلاجية- لـ"للعلم": "إن كميات الطعام المقدمة للأطفال المصابين بمتلازمة داون يجب أن تكون صغيرةً وقليلة الدهون والكربوهيدرات، وبخاصة الكربوهيدرات البسيطة، مثل السكر، والمعجنات، والحلويات".

وبدورها، تشدد "سحر السماحي" -رئيسة الجمعية المصرية لعلوم التواصل واللغة- على أن التخاطب وتنمية المهارات تُعَد جزءًا مهمًّا في عملية تأهيل أطفال داون، وسهولة دمجهم في المجتمع.

وتضيف "السماحي"، في تصريحات لـ"للعلم" أن "تنمية مهارات التخاطب ينبغي أن تتم على يد متخصص في علوم التواصل واللغة؛ فالتخاطب هو علاج لاضطرابات اللغة، والكلام، والقدرة على التواصل، والنطق، والفهم، ويمكن ألا يؤدي إلى تحقيق أي نتائج إيجابية في حالة عدم معرفة مقدم العلاج بعناصر اللغة من أصوات وتركيب الجملة ووضع الكلام في السياق، ومعاني الكلمات".

حقوق وأحلام

وعلى الرغم من إقرار البرلمان المصري في العام الماضي قانون حقوق ذوي الإعاقة، رقم 10 لسنة 2018، والذي منح ذوي الإعاقة -ومن بينهم المصابون بمتلازمة داون دون الإشارة صراحة إليهم- حزمةً من الحقوق الصحية، والتعليمية، والتأهيلية، والتوصية بضمهم لسوق العمل، إلا أنهم لا يزالون يواجهون صعوبات في الالتحاق بسوق العمل.

ويُعَد مشروع "البسكوتات الأربع" -الذي أثار ظهوره للنور اهتمامًا إعلاميًّا كبيرًا- من أبرز المشروعات التي أسهمَت في لفت الانتباه إلى أحقية الأشخاص المصابين بمتلازمة داون في امتلاك مشروعهم الخاص، والذي يتناسب مع قدراتهم، ورغبتهم في الاندماج الفعلي مع المجتمع، إذ سعى عدد من الأمهات إلى تأسيس مشروع لإنتاج المخبوزات، وبيعها من قِبَل أولادهن من ذوي متلازمة داون، فيما تلقى المحيطون بهم الأمر بترحاب شديد، ليصبح المشروع الناشئ مثالًا حقيقيًّا على الدمج.

 تقول "نورا حمدي" -إحدى مؤسِّسات المشروع- لـ"للعلم": "كنا نجتمع بشكل دوري في محاولة لتوفير فرص عمل لأبنائنا عقب انتهاء دراستهم، وكانت الخيارات المتاحة تنحصر في تعلُّم مهنة معينة، والعمل في مصنع، أو مركز متاح للتأهيل، وحين تم رفض تلك الأفكار التقليدية ظهرت فكرة المشروع".

وتضيف: نريد دمجًا حقيقيًّا لأبنائنا، وأن نغير نظرة المجتمع إليهم، واجهنا صعوبات تتمثل في مرحلة التسجيل، وإيجاد منافذ للبيع، حتى إننا ما زلنا نعمل من البيت، لكننا لن نتخلى عن أحلامنا المشروعة التي نؤمن بها برضًا تام، وقلوب يملؤها الحب.