"فرط الحرارة" (hyperthermia)، إحدى أقدم تقنيات علاج الأورام السرطانية، ولا تزال تُستخدم بوصفها علاجًا موضعيًّا لبعض أنواع السرطانات، من خلال هذه التقنية يتم تسخين أنسجة الجسم البشري إلى درجات حرارة محددة وآمنة؛ بهدف تدمير الورم السرطاني دون تأثر الأنسجة السليمة.

وينجم عن "فرط الحرارة" العديد من التأثيرات الخلوية السامة للخلايا السرطانية، كإعاقة قدرتها على الانقسام، وإتلاف هيكلها الخلوي، واصابتها بالخلل الوظيفي وتلف الحمض النووي؛ فالخلايا السرطانية أكثر حساسيةً للحرارة من الخلايا السليمة، لأن الورم يوجد في بيئة صغيرة لا تسمح بتلقِّي ما يكفي من الأكسجين والمواد المغذية، فتصبح خلاياه أقل مقاومةً لأي تأثير خارجي، كما يُعزِّز "فرط الحرارة" من فاعلية العلاج الكيماوي والإشعاعي للسرطان؛ إذ يزيد من تدفق الدم إلى الورم، ما يحسّن من اختراق العلاج الكيميائي للأورام الخبيثة.

لكن في المقابل، فشل "فرط الحرارة" في تعزيز فاعلية قائمة أساسية من أدوية السرطان لأسباب مجهولة، وهو لغز حاول فريق بحثي مصري فك رموزه، ونجح بالفعل في اكتشاف الآلية الجزيئية التي تقف وراء ذلك الفشل، بالإضافة إلى تحديد دور درجات الحرارة العالية في حماية المادة الواثية من الطفرات الجينية الناجمة عن علاجات السرطان، جرى نشر نتائج الدراسة في العدد الأخير من دورية (Cancers) المتخصصة في أبحاث السرطان.

كسور المادة الوراثية

وأوضح البروفيسور المصري شريف الخميسي، أستاذ الطب الجيني، ورئيس قسم الأبحاث بجامعة شيفيلد في المملكة المتحدة، وأحد المشاركين في الدراسة، أن العلاج الكيماوي يقضي على الخلايا السرطانية عبر إحداث كسور في المادة الوراثية لتلك الخلايا، والتي تتأثر بصورة كبيرة مقارنةً بالخلايا السليمة؛ لأن معدل تكاثرها يكون أكبر، ووجدنا أن درجات الحرارة العالية تعطل تلك العملية، وبالتالي تقلل من التأثير الذي يُحدثه العلاج الكيماوي في الخلايا السرطانية والخلايا السليمة أيضًا.

وتابع: "دراستنا توصلت إلى أن "فرط الحرارة" يحمي المادة الوراثية من التأثير الضار لإنزيمات "نوكلياز" (Nucleases)، التي تقوم بتكسير المادة الوراثية على نحوٍ عشوائي، كما أن غياب تلك الإنزيمات يعطي الفرصة لبروتينَي (TDP1) و(TDP2) لأداء عملهما فى إصلاح الكسور الناشئة عن فشل عمل إنزيمات "التوبوإيزوميراز" بشكل سليم.

وعن أهمية تلك النتائج، شدد على أن العلاج الكيماوي ينتج عنه عادةً ما يُسمى بالأورام الثانوية كأحد الأعراض الجانبية؛ لأن كسور المادة الوراثية التي تنتج عن هذا العلاج رغم أنها مفيدة لقتل الخلايا السرطانية، لكنها تُحدث آثارًا جانبية تصيب الخلايا السليمة، ويمكن أن تؤدي إلى طفرات في إنزيمات "التوبوإيزوميراز" المسؤولة عن حمايتنا من الأورام، ما يُعرِّض المرضى لزيادة فرص الإصابة بأورام ثانوية فيما بعد -غالبًا ما تكون "أورامًا في الدم- بالإضافة إلى أبرز الآثار الجانبية التقليدية الشائعة مثل سقوط الشعر".

وأضاف أن الفريق وجد أنه عند إدخال "فرط الحرارة" بالتزامن مع العلاج الكيماوي، فإنه يمكن منع حدوث هذه العملية؛ لأن الحرارة المرتفعة تُوقف حدوث الطفرات الجينية التي تقود إلى الأورام الثانوية، وبالتالي تقلل من الآثار الجانبية للعلاج الكيماوي على الخلايا السليمة.

وأوضح أنه خلال تجارب الدراسة جرى تعريض خلايا السرطان البشرية المصابة لدرجة حرارة ما بين 41-42 درجة مئوية في جهاز الحاضنة (Incubator)، وذلك لا يؤثر على الخلايا السليمة.

وتابع أنه في حال تم إجراء تجارب سريرية على البشر، فإن الأمر لن يختلف كثيرًا، إذ ستُجرى العملية في أثناء أخذ علاج جرعة الكيماوي، بطريقتين: الأولى عبر تعريض الجسم بأكمله لدرجة حرارة 41-42 درجة مئوية، أو عبر تعريض العضو المصاب بالأورام فقط لـ"فرط الحرارة".

وتوقع "الخميسي" أن يستفيد من هذا النهج كبار السن المصابون بالسرطان أكثر من الشباب، لأن الجسم يحافظ على درجة حرارة 37 مئوية طوال العام، بعض النظر عن موقعه والطقس الذي يعيش فيه، لكن قدرة الجسم على الحفاظ على درجة حرارة 37 إلى 37.5 مئوية تنخفض كلما تقدّم الإنسان في العمر، مقارنةً بالشباب تحت سن 40 عامًا، وبالتالي فإن أجسام كبار السن لن تقاوم التعرض لدرجات الحرارة العالية، وستستفيد من ذلك بشكل أكبر من حيث زيادة فاعلية علاجات السرطان، بصورة أكبر من أجسام الشباب.

بدايات العلاج

وعن بدايات استخدام العلاج بـ"فرط الحرارة"، قال الخميسي: إن درجات الحرارة العالية استُخدمت خلال القرن الماضي في علاج أورام مثل أورام الجلد والثدي، كما استُخدمت أيضًا لإزالة بقايا الخلايا السرطانية في الأعضاء الداخلية، عقب عمليات إزالة الأورام، لضمان القضاء على كل الورم في العضو المصاب، وتقليل فرص عودته، وتشير الدراسة إلى أن هذا النهج في استخدام درجات الحرارة العالية في العلاج من بعض الأمراض ربما يعود إلى 5 آلاف سنة قبل الميلاد.

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أن درجات الحرارة العالية بُنيت عليها استخدامات علاجية حديثة لاستهداف السرطان؛ إذ يعتبر "فرط الحرارة" من أساسيات أبحاث علاج السرطان بجزيئات الذهب النانوية، التي يعمل عليها العالِم المصري الدكتور مصطفى السيد وعدد من الفرق العلمية في أنحاء مختلفة من العالم.

وأشار إلى أنه رغم تأثير "فرط الحرارة" المُثبت منذ سنوات طويلة في زيادة فاعلية علاجات السرطان، لكنه وبشكل استثنائي، يحمي الخلايا السرطانية من تأثير الأدوية المثبطة لـ"التوبوإيزوميراز"، ومنها "إرينوتيكان" و"توبوتيكان" و"كامبتوثيسين"، وهي ضمن قائمة منظمة الصحة العالمية للأدوية الأساسية للسرطان، وهو الأمر الذي مثَّل لُغزًا محيِّرًا منذ سنوات طويلة، لذلك عكفنا على تفسير هذه الفجوة المعرفية في دراستنا التي استمرت 5 سنوات.

ومثبطات "توبوإيزوميراز" هي علاجات كيماوية تتداخل مع إنزيمات الـ"التوبوإيزوميراز" (Topoisomerase) التي تُسهم في تعديل طوبولوجيا الـحمض النووي "DNA"، وتتحكم في التغيرات التي تطرأ على بنيته.

وكانت هذه الورقة البحثية هي موضوع رسالة دكتوراة للباحث المصري محمد عاشور، حينما كان طالبًا في مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، وهو الآن يعمل في أمريكا، حيث كانت الرسالة تحت إشراف "الخميسي"، كما شارك في الدراسة عدد من الباحثين المصريين من مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، وجامعتي بورسعيد وقناة السويس، ومستشفى 75375.

نتائج واعدة        

من جانبه، يرى محمود سلامة -المدرس في قسم الطب الباطني في جامعة تكساس ساوث وسترن الأمريكية- أن الدراسة تقدّم نتائج واعدة ومبشرة، وتفتح بابًا واسعًا لإجراء تجارب مستقبلية لرصد زيادة فاعلية علاجات السرطان الكيماوية والإشعاعية والحد من تأثيراتها الجانبية.

وأضاف في تصريحات لـ"للعلم" أن الدراسة تركّز على فكرة استهداف الخلايا السرطانية بالعلاج الكيماوي والإشعاعي، مع زيادة درجات الحرارة بغرض إتلاف الحمض النووي، دون التأثير على الخلايا السليمة، وهو أمرٌ ليس بالجديد، لكن الجديد الذي قدّمه الفريق البحثي أنه راقب الخلايا التي تُعبّر عن إنزيم الـ"التوبوإيزوميراز" المسؤول عن إعطاء الحمض النووي شكله النهائي، وذلك لأن هذا الإنزيم يكون نشطًا في الخلايا السرطانية، لذا يتم استهدافه بالعلاجات الكيماوية والإشعاعية المثبّطة له؛ لرفع معدلات تلف الخلايا السرطانية ووقف انقسامها.

واعتبر أن نتائج الدراسة تفسح المجال أمام إمكانية التغلب على مشكلات الأدوية المثبطة للـ"التوبوإيزوميراز" بالتزامن مع "فرط الحرارة"، كما أن خطواتها تمت على مستوى الخلايا بطريقة منهجية للغاية؛ لأنها منعت التعبير عن الـ"التوبوإيزوميراز"، بالتزامن مع رصد تأثير "فرط الحرارة" على الخلايا، بالإضافة إلى أن الفريق كان موفّقًا في تحديد درجة الحرارة بدقة عند 42-43 درجة مئوية دون التأثير على البروتينات الأخرى في الخلايا.

وأشار "سلامة" إلى أن الدراسة تفتح المجال لمقارنة بيئة الخلية السرطانية مع الخلية السليمة، على مستوى إمداد الأكسجين وعملية الأيض ودرجة الحرارة ومعدل انقسام الخلايا، بالإضافة إلى إمكانية استخدام "فرط الحرارة" في التغلب على التأثيرات الجانبية المصاحبة للعلاج الكيماوي والإشعاعي في المستقبل.

ونوّه في الوقت ذاته، بأن الدراسة يمكن أن تقود إلى تجارب واعدة تُجيب عن علامات استفهام كثيرة تتعلق بهذه العملية، أبرزها مراقبة تأثير ارتفاع درجات الحرارة في التجارب التي سيُجريها الفريق على الحيوانات لفهم آلية تدمير الخلايا السرطانية، والحد من سُميّة العلاجات الكيماوية والإشعاعية، وما إذا كان هناك تأثير لارتفاع درجات الحرارة على الأيض الداخلي (Metabolic profile) للخلايا السرطانية أم لا، وذلك من خلال فحص الخلايا المأخوذة من الفئران المصابة، التي تعرّضت للعلاج بالحرارة مع العلاج الكيماوي أو الإشعاعي، وقياس معدلات ما يسمى بمركبات الأكسجين التفاعلية (Reactive oxygen species).

وتابع "سلامة" أن التجارب المستقبلية يمكن أن تُجيب أيضًا عن تساؤل يتعلق بآلية تدمير الخلايا السرطانية، وإمكانية إحداث تأثيرات عكسية، عن طريق استهداف مسار إصلاح سلاسل الحمض النووي المزدوجة (DDR pathways).

وأضاف أن النتائج يمكن أن تشجع كذلك على تنفيذ الخطوات التي اتبعها الفريق مع أدوية "إرينوتيكان" و"توبوتيكان" على فئة أخرى من الأدوية التي تستهدف إنزيمات الـ"التوبوإيزوميراز"، مثل فئة الـ"دوكسوروبيسين"، في محاولة لتقليل تأثيراتها الجانبية الخطيرة، مثل التهاب الأعصاب الطرفية، بالإضافة إلى السمّية القلبية (Cardiotoxicity)‏ التي ينجُم عنها حدوث خلل وظيفي في كهربية القلب أو تلف في العضلات القلبية.

وعقّب "الخميسي" قائلًا: "الفريق بدأ بالفعل دراساته على نماذج من الفئران المصابة بالسرطان؛ لإعطائها جرعات من عقار "إرينوتيكان"، وسنقارن فاعلية العلاج مع التعرُّض لدرجات الحرارة العالية أو من دونه، ومدى تأثير ذلك على إصابتها بالأورام الثانوية، لتأكيد ما تم التوصل إليه من نتائج أُجريت على خلايا بشرية مصابة بالسرطان، وهي مرحلة تسبق التجارب السريرية على البشر".

ويرى أن أنواع الأورام التي يمكن أن تكون أكثر استفادةً بهذا النهج العلاجي القائم على "فرط الحرارة" هي الأورام الصلبة، التي تشمل سرطانات الثدي وعنق الرحم وبطانة الرحم والمبيض والرئة والدماغ وغيرها.

الوقاية بـ"الحرارة المرتفعة"

هل يؤدي العيش في البلدان ذات الطقس الحار إلى وقايتنا من السرطان؟ سؤال أجاب عنه "الخميسي" من واقع نتائج الدراسة، مشيرًا إلى أن هناك ملحوظة يتم رصدها منذ فترة كبيرة، وهي أن الدول التي ترتفع فيها درجات الحرارة، ينخفض معدل إصابة سكانها بالسرطان على نحوٍ كبير، مقارنةً بالدول ذات الحرارة المنخفضة مثل الدول الإسكندنافية على سبيل المثال، وهنا يمكن أن تعطينا نتائج الدراسة تفسيرًا منطقيًّا لذلك؛ لأن درجات الحرارة العالية تقلل من حدوث الأورام السرطانية بشكل عام، وليس فقط خلال تلقي العلاج الكيماوي، لأن إنزيمات "التوبوأيزوميراز" موجودةٌ بشكل طبيعي في الإنسان، ويمكنها في الحالات الطبيعية أن تحمي الإنسان من تطور السرطان، عند تعرُّض الجسم لدرجات حرارة مرتفعة.

وفرّق "الخميسي" بين تعرُّض الجسم لدرجات حرارة مرتفعة بسبب الطقس الحار، وتعرُّض الإنسان المفرط لأشعة الشمس التي تسبِّب سرطان الجلد، مشيرًا إلى أن أورام الجلد تنتُج عن الضرر الذي يَلحق بالحمض النووي في خلايا الجلد من جَرَّاء الأشعة فوق البنفسجية الموجودة في ضوء الشمس، وليس بسبب الطقس الحار.

قطعة من اللّغز

في حين أكد سامح حمدي -أستاذ الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية وعميد كلية الصيدلة بجامعة حلوان في مصر- أن الدراسة تكشف تفاصيلَ لم نكن نفهمها من قبل، فيما يتعلق بتأثير درجات الحرارة العالية على بعض الإنزيمات المسؤولة عن إصلاح الـ"DNA"، وبالتالي تأثيرها على فاعلية بعض الأدوية المستخدمة في علاج السرطان، كما أنها ستفيد في العلاجات التجريبية التي ستُستخدم فيما بعد لعلاج المرض.

وأضاف لـ"للعلم"، أن هذه النتائج تكشف قطعةً من اللّغز، لأننا لم نصل بعد إلى الفهم الكامل لهذه العملية، لكنها تعتبر خطوةً في طريق العلم، وستفيد علماء آخرين في هذا المجال، وسيتبعها بالطبع خطوات مقبلة؛ حتى تكتمل الصورة، ونصل إلى الفهم الكامل لهذه العملية.

وأوضح أن النتائج ستفيد أيضًا مَن يعملون على عقاقير جديدة، كأدوية محتملة لعلاج السرطان، وتعتمد بشكل أساسي على تأثير فرط الحرارة، لأنها توضّح جانبًا كان مُظلمًا بالنسبة لهم، ربما يُسهم بشكل كبير في زيادة فاعلية تلك الأدوية الجديدة في مواجهة السرطان.

وأشار "حمدي" إلى أن فهم هذه العملية على نحوٍ أفضل، يقود إلى زيادة فاعلية الأدوية، ويسهم بشكل كبير في تقليل آثارها الجانبية؛ لأن زيادة الفاعلية تقود إلى تقليل الجرعة، وبالتالي انخفاض الآثار الجانبية التي تعتبر من أكبر مشكلات علاجات السرطان؛ لأن معظم الأدوية المتاحة للمرض حاليًّا، سواء القائمة على العلاج الإشعاعي أو الكيماوي، هي علاجات قاتلة للخلايا، ومشكلتها الكبيرة تتركّز في الجرعات العالية التي يتعرض لها المريض، وتنجم عنها آثارٌ جانبية كبيرة، ومن هنا توجه العالم أكثر إلى أدوية العلاج الموجه للأورام السرطانية، لتقليل الآثار الجانبية للأدوية على أعضاء الجسم المختلفة، والتركيز فقط على المناطق المصابة بالأورام.