في عام 2006، طور العالم المصري الراحل أحمد زويل سرعة التقاط كاميرا الميكروسكوب الإلكتروني للصور من مللي ثانية إلى فيمتو ثانية، ما مثَّل حافزًا لكثير من العلماء حول العالم للسير على خطاه.

ومن هؤلاء العالم المصري محمد ثروت حسن، الأستاذ في قسم الفيزياء والليزر بجامعة أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي بات قريبًا جدًّا من الانتهاء من مشروع بحثي يسعى إلى تطوير كاميرا الميكروسكوب لتصبح أسرع 1000 مرة من ذي قبل (أي زمن الأتو ثانية).

وهو السعي الذي كلل بحصوله على جائزة مؤسسة كيك الأمريكية في العلوم والتكنولوجيا -منفردًا- لدعم أبحاثه بقيمة مالية قدرها 1.1 مليون دولار أمريكي، وهي جائزة تُمنح للباحثين الرواد في مجالهم داخل الولايات المتحدة الأمريكية؛ لما لهم من أبحاث متفردة قد تُحدث نقلةً نوعيةً عظيمةً في البحث العلمي.

ويُعَد حصول "حسن" على الجائزة منفردًا أمرًا نادر الحدوث؛ إذ إنها عادةً ما تُمنح لمجموعة بحثية كبيرة، ما يدل على تفرُّد مشروعه البحثي وعِظم شأن نتائجه المرجوة على المجتمع العلمي.

نال"حسن" درجة الدكتوراة من مركز ماكس بلانك في ألمانيا عام 2013، وعمل باحثًا ضمن مجموعة الدكتور "أحمد زويل" البحثية في معهد كاليفورنيا للعلوم والتكنولوجيا، وفي عام 2017، عُين أستاذًا للفيزياء والليزر في جامعة أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث كون مجموعته البحثية التي تضم باحثين من الصين وأمريكا والكويت ومصر. وفي عام 2018، فاز بجائزة أفضل الباحثين الشباب في الولايات المتحدة الأمريكية.

يقول "حسن" في تصريحات لـ"للعلم": لم يتمكن أحد قَط من رصد حركة الإلكترون وتصويرها، ولكن، بعد عمل شاقٍّ ومُضنٍ ستكون الريادة والسبق لي ولفريقي البحثي، لقد بدأنا مشروعنا البحثي منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، ومن المتوقع أن نجني ثماره مطلع العام القادم.

تتملك "حسن" بشدة فكرة رؤية الأشياء التي لا يُبصرها الآخرون، وحركة الإلكترون المتغلغلة في كل مناحي حياتنا، حتى إن أعيننا ترى على أثرها؛ إذ تُنتج حركة الإلكترونات الضوء، وبعدها، تقوم بنقل المعلومات إلى المخ، ومن ثم ترسم الصورة في الدماغ، ما يعني أن تصوير حركة الإلكترونات سيفتح آفاقًا جديدة في حياتنا.

يضيف "حسن": المجهر الإلكتروني هو الأداة المُثلى لتصوير حركة الإلكترون، ولكننا نحتاج إلى ضبط الفترة الزمنية التي يستغرقها المجهر في تصوير العينات (أو سرعة فتح عدسة كاميرا المجهر) لمدة محددة تتراوح بين 10 فيمتو ثانية إلى 100 أتو ثانية، وتعتمد هذه الفترة الزمنية على زمن النبضة التي تنتجها أشعة الليزر المستخدمة داخل المجهر، وحتى الآن، فإن أكثر المجاهر الإلكترونية دقةً والأعلى سعرًا لا يمكنها تصوير جسيمات دقيقة الحجم وسريعة الحركة مثل الإلكترون.

ويُعَد إنتاج نبضة قصيرة الأمد أمرًا شاقًّا للغاية ويمثل تحديًا كبيرًا، ويرجع السبب في ذلك إلى ظاهرة تأثير انتقال النبضة الإلكترونية (space charge effect)، من مكان نشأتها إلى العينة التي نعمل على تصويرها، وهذه المسافة التي تقطعها النبضة داخل الميكروسكوب كبيرة للغاية، لذا يواجه الباحثون مشكلةً في إنتاج نبضات صغيرة يمكنها تصوير التفاعلات الكيميائية السريعة.

يقول "حسن": نحن حريصون على تطوير كاميرا المجهر إلى الأتو ثانية؛ لأن حركة الإلكترونات تُقاس بـ(الأتو ثانية)، وعليه سيتسنى لنا إلتقاط صور واضحة للإلكترونات، وبالرغم من أن مشروعنا البحثي مليء بالتحديات التقنية التي لولاها لسبقنا إليه باحثون آخرون، إلا أنني أعتقد أن خبرتنا ستتيح لنا أن نصل إلى هدفنا.

ويختتم "حسن" حديثه لــ"للعلم" قائلًا: يمكننا التحكم فيما نرى فحسب، لذلك فإن رؤية الإلكترون لها صدى واسع على المجتمع؛ إذ يمكن للعلماء تطوير الإلكترونيات مثل (الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية)، ومن ناحية أخرى، فإن تصوير حركة الإلكترونات سيسمح لنا بتطوير المواد الكيميائية وتفاعلاتها.

يُذكر أن "حسن" سبق له تطوير سرعة الميكروسكوب رباعي الأبعاد ١٦ مرة، وذلك وفق دراسة نشرتها دورية نيتشر فوتونيكس –وتناولتها مجلة "للعلم"- في مايو من عام 2017، ما فتح آفاقًا جديدة في علم الميكروسكوب فائق السرعة رباعي الأبعاد، الذي يمكن من خلاله قياس سرعات الجسيمات والذرات والإلكترونات.

*الأتو-ثانية (Attosecond) هي مليار من المليار من الثانية (18-^10 من الثانية). والفرق الزمني بين الأتوثانية والثانية الواحدة هو الفرق الزمني نفسه بين الثانية الواحدة وملايين السنين لعمر الكرة الأرضية.