من بلدة إلى أخرى انتقل الأب، بصحبه زوجته وأبنائه الثلاثة، طلبًا للرزق. فعمله -كمهندس زراعي- جعل استقراره في مكان واحد ضربًا من ضروب المستحيل. كان الابن "إيهاب" يُدرك أن الاستقرار في مكان واحد لا يُناسب طبيعة عمل الأب، لم يستطع كأي طفل تكوين صداقات في مكان واحد، إلا أنه كان يصطحب شغفه بـ"كرة القدم" أينما ذهب.

ظل إيهاب عبد الرحمن رحالًا، حتى استقر به المطاف في "مديرية التحرير" عام 1977، حين قرر الأب الاستقالة من وظيفته الحكومية المرموقة، وشراء أرض في الصحراء لتعميرها. لم تكن فكرة تعمير الصحراء منتشرةً في ذلك التوقيت، غير أن حب الأب لـ"الفلاحة" ورغبته في "الزراعة" علاوة على خبراته الكبيرة التي كوَّنها إبان عمله في الحكومة، والتماسات أولاده المتكررة بضرورة "الاستقرار" جعلته يُخاطر بشراء أرض قاحلة، واستنفاد طاقته في تعميرها.

في ذلك التوقيت، تعلَّم إيهاب عبد الرحمن، الرئيس الأكاديمي الحالي للجامعة الأمريكية، دروسًا عدة. عرف "إيهاب" –الذي كان يرغب في أن يصبح لاعبًا محترفًا لكرة القدم- أن المجهود المُطعم بالمعرفة يستطيع تحويل الصحراء إلى جنة خضراء، وأن الرغبة التى يصحبها العرق وبذل الجهد يُمكن أن يصل بك إلى أصعب الأهداف، وأن الوطن هو المكان الذي تستطيع أن تُحقق فيه الأحلام.. تعلم أيضًا أن المخاطرة المدروسة "تستحق" خوضها. وأن الحياة تستلزم الشجاعة. وأن الخطط يجب أن يكون لها أهداف قصيرة المدى، تُشجع على الاستمرار، وأخرى بعيدة، تُحقق الفائدة.

"كان والدي يزرع محاصيل وأشجارًا مثمرة.. تستلزم المحاصيل جُهدًا كبيرًا لكنها تُجنى في خلال شهور معدودة. أما الأشجار المثمرة فتحتاج إلى سنوات كي نجمع ثمارها".. يقول إيهاب عبد الرحمن، في تصريحات خاصة لـ"للعلم"، مشيرًا إلى أن "خطط الحياة" كالزراعة، يجب أن نجني ثمرة بعضها في المدى القريب، وننتظر ثمراتها الأخرى في المستقبل البعيد.

تَسبَّب لعب "كرة القدم" في كسر ساقيه مرتين، غير أن حبها ظل يجري في دمائه. تعلم "عبد الرحمن" من كسر ساقيه أن الحب له مُقابل، وأن الشغف له ثمن. وأن لا شيء مجانيًّا في الحياة. كان والده –كمعظم الآباء- يحلم أن يحمل ابنه شهادة عُليا. وكان "إيهاب" يحلم أن يصير مهندسًا كوالده. في الثانوية العامة، لم يحصل على المجموع الذي يؤهله للالتحاق بكلية الهندسة، فقرر دراسة "العلوم".

وفي أولى سنوات الجامعة، اختار "عبد الرحمن" دراسة "الفيزياء". يقول إن ذلك القرار "كان الأفضل في حياته". ففهم الهندسة "يحتاج إلى الفيزياء" التي يعتبرها "أم العلوم". كان زملاء دراسته "مجتهدين بشدة" وهو الأمر الذي دفع التنافس إلى مستويات عالية. تخرج "عبد الرحمن" في كلية العلوم بجامعة حلوان بتقدير "امتياز"، وجاء ترتيبه الثاني على دفعته، وهو الأمر الذي مكَّنه من الحصول على وظيفة جامعية.

حصل "عبد الرحمن" على درجة الماجستير من الجامعة نفسها، ثم تمكَّن من الحصول على منحة الحكومة المصرية لدراسة الدكتوراة في جامعة "يوتا" بالولايات المتحدة الأمريكية. عاد بعد حصوله على المنحة مباشرة ليعمل أستاذًا مساعدًا للفيزياء بجامعة حلوان.

credit: Ehab Abdel-Rahman مع الجراح العالمي دكتور مجدي يعقوب

كان الإحباط هو سيد الموقف في بداية مسيرة "عبد الرحمن" البحثية والتدريسية. فكر مرارًا وتكرارًا في العودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، غير أن القدر لم يمهله؛ إذ إن عرضًا بالعمل ضمن "الجامعة الأمريكية في القاهرة" غيَّر قراره. ففي عام 2006، قامت إدارة الجامعة آنذاك بتقديم عرض بضمه لقسم الفيزياء، أقنع "عبد الرحمن" زوجته بالأمر. وقال لها إن المكوث والعمل فى مصر ضمن منظومة صحية "أفضل ألف مرة" من السفر للخارج. وهكذا بدأت أولى خطواته في العمل بالجامعة.

تدرج الرجل في المناصب داخل الجامعة، حتى وصل إلى منصب الرئيس الأكاديمي للجامعة الأمريكية، وخلال مشواره البحثي، نشر نحو 80 ورقة بحثية في دوريات علمية مرموقة، كما حاز على خمس براءات اختراع أمريكية.

على الرغم من كون "عبد الرحمن" في منصب إداري، إلا أنه لا يزال يُدير معملاً في مجال توليد الطاقة باستخدام الموجات الصوتية عالية التردد. إذ قام بالفعل بابتكار محركات تعمل بالموجات الصوتية عالية التردد تقوم بتوليد الطاقة الكهربائية بوسيلة فعالة وكفاءة تصل إلى نحو 24%، وهي الكفاءة التي تكاد تفوق توليد الطاقة من الشمس عن طريق الخلايا الشمسية التقليدية.

خلال عام 2019، أجرى "عبد الرحمن" عدة تجارب لرفع كفاءة المحرك الصوتي، الذى يعمل وفقًا لمبدأ توليد الكهرباء عن طريق نقل الحرارة من مكان إلى آخر، فالصوت يتكون من موجات تضاغطية وتخلخلية، ينجم عن تخلخل الموجة انخفاض فى درجة الحرارة، في حين ينجم عن تضاغطها ارتفاع فى درجات الحرارة. ويستخدم "عبد الرحمن" الفرق في درجات الحرارة لتوليد الكهرباء.

credit: Ehab Abdel-Rahman

رغم استمرار العمل على تطوير ذلك المحرك، إلا أن إنجاز "عبد الرحمن" الأكبر –كرجل إداري- يكمن في إنشاء أول مركز متخصص لنقل التكنولوجيا في مصر. يقوم ذلك المركز بدور، يقول عنه الرئيس الأكاديمي للجامعة الأمريكية إنه "ضمانة لاستدامة البحث العلمي". إذ يضمن تفعيل البحث العلمي وربطه بالصناعة. يقول "عبد الرحمن" إن فكرته بدأت في العام 2010، وإن العام الماضي شهد افتتاح المركز رقم "30" في الجامعات المصرية، "قدمت مقترحًا لإنشاء مراكز على غرار مركز الجامعة الأمريكية للجهات المعنية في مصر.. سعيد بأن أرى تلك الخطة تسير على الطريق المرسوم".

يرى "عبد الرحمن" أن لكل جامعة "دورًا مجتمعيًّا". لذا؛ دعم الرجل برنامجًا مبتكرًا يدعو الأطفال والشباب لقضاء الصيف في الجامعة الأمريكية لتنمية المهارات العلمية لديهم. كما ساعد أيضًا في تدشين "مختبر المرح"، وهو عبارة عن معمل متنقل على هيئة "أتوبيس" يجوب محافظات مصر كلها لتقديم عروض "سحرية" تُعلم الأطفال "سحر العلوم".

credit: Ehab Abdel-Rahman

في العام الماضي، وضع "عبد الرحمن" خطة لتحويل "معمل المرح" إلى "متحف للأطفال" سيكون الأول من نوعه في مصر، "في ذلك المتحف سيتمكن الأطفال من التعلُّم باللمس واللعب". وبالفعل، استطاع الرجل جذب تمويل لتحقيق حلمه إلى واقع ملموس.

في 2020، يحلم "عبد الرحمن" بأن يُتاح له التوصل إلى صيغة لـ"خلق معرفة جديدة". يقول الرجل إن الباحثين في مصر قادرون على "هضم المعرفة القادمة من الخارج"، إلا أن قدرتهم على "إنتاج معارف جديدة" محدودة.

يملك "عبد الرحمن" هو وأشقاؤه مزرعة صغيرة، ورغم عمله الدائم في مجال البحث العلمي، وتنمية المجتمع، إلا أنه لا يزال يُمارس هوايته الأثيرة. "أزرع الموالح، وبضعة محاصيل أخرى، ولا أزال أشرف مع إخوتي على قطعة أرض نمتلكها، فرغم كوني رئيسًا أكاديميًّا للجامعة الأمريكية، إلا أنني لم أنسَ قَط ما تعلمته على يد والدي من أصول الفلاحة، ولا أزال أفخر بأني في الأساس فلاح.. فلاح بدرجة رئيس جامعة".

أبرز انجازات العلماء المصريين في 2019