في اختبار جديد لنظرية أينشتين للنسبية العامة، أثبتت مجموعة دولية من علماء الفلك أن النظرية ما زالت صامدة، حتى بالنسبة لنظام ثلاثي النجوم ضخم stellar triple system.

وتنص النظرية على أن جميع الأجسام تسقط بالطريقة نفسها على الرغم من كتلتها أو تركيبها، فوفق أينشتين، هذا هو الحال لو جرت المقارنة بين تسديدة صاروخية وتفاحة تسقط من برج بيزا المائل وتصل إلى الأرض في الوقت ذاته. وفي حين تعمل هذه النظرية في العديد من الحالات، يفترض البعض أن هناك ظروفًا تعمل فيها فقط نظريات أخرى بديلة للجاذبية، كحالات الجاذبية الشديدة، أو المتطرفة كما يحب البعض أن يطلق عليها.

ولكن بحثًا جديدًا نُشر في شهر يوليو الجاري، في دورية نيتشر Nature، يؤكد أنه حتى في نظم الجاذبية المفرطة، لا تزال نظرية النسبية صالحة للتطبيق. وكان فريق بحثي دولي، قد أثبت في دراسته الأخيرة أن هذا المبدأ يتحقق في نظام نجمي ثلاثي يدعى PSR J0337+1715 يبتعد عن الأرض مسافة 4200 سنة ضوئية، فيما يُعَد "تجمعًا فريدًا من النجوم"، على حد تعبير "راين لينش"، الفلكي من مرصد جرين بانك، والمؤلف المشارك في الدراسة، في تصريحه الخاص لـ"للعلم": "هو النظام الثلاثي المعروف الوحيد الذي يحتوي على نجم نابض ونجمين آخرين (قزمين أبيضين)".

ويضيف: "نعرف حالةً مشابهة، أما في هذا الثلاثي الفريد، فإن فارق الكتلة أكثر وضوحًا بين النجوم، وللنظام مدار خارجي أكثر اتساعًا، ويسمح ذلك لنا باختبار مبدأ التكافؤ القوي بصورة أدق"، ما يعني توافر مجموعة من العوامل تسهل من تدعيم الاستنتاج الأخير.

والنجوم المتعددة هي ببساطة مجموعة من نجمين أو أكثر، يدور بعضها حول بعض، في هذه الحالة يدور النجم النيتروني النابض (بقايا كثيفة للغاية من أثر انفجار نجم عملاق، تُصدر إشارات كهرومغناطيسية نابضة 366 مرة كل ثانية) حول أحد القزمين الأبيضين (بقايا لنجم متوسط كالشمس) مرة كل يوم ونصف تقريبًا، ويدور هذا الثنائي بدوره مع القزم الأبيض الآخر في دورة تستغرق 327 يومًا.

تعليقًا على هذه النقطة، تقول "إنجريد ستيرز"، أستاذة علم الفلك من جامعة بريتيش كولومبيا، فانكوفر كندا، والمؤلفة المشاركة في الدراسة، في تصريحات لـ"للعلم": "هذا هو النظام الثلاثي الوحيد، مع نجم نابض، الذي يُتم مداره الخارجي دورةً في أقل من سنة واحدة، مما يجعل من الممكن مراقبة دورات عديدة في غضون سنوات قليلة".

النسبية تحت المجهر

قبل حوالي أربعمئة سنة، قرر أستاذ الرياضيات بجامعة بيزا، "جاليليو جاليلي"، أن يقنع الأساتذة والطلاب في الجامعة بخطأ مبدأ أرسطو الذي يقول إنه إذا سقط جسمان معًا فإن الأكبر في الكتلة سوف يصل إلى الأرض أولًا.

أحضر جاليلي كُرتين من المعدن، إحداهما أثقل من الأخرى بفارق واضح، لتكن مثلًا بحجم كرة قدم والأخرى بحجم كرة تنس طاولة، وصعد فوق برج بيزا المائل، وأفلتهما معًا في الوقت ذاته، ليصلا إلى الأرض في اللحظة ذاتها.

لا نعرف بالتحديد موقف الأساتذة والطلاب من أفكار جاليلي التي بدت غريبةً ومناقضة للبديهة وقتها، لكننا نعرف الآن، في سنة 2018، أن هذا المبدأ القائل بأن الأجسام ذات الكتل المختلفة سوف تتسارع بالنمط نفسه في المجالات الجذبوية، والذي هو أيضًا أحد أهم مبادئ النظرية النسبية العامة المسمى بمبدأ التكافؤ، ينطبق حتى على أعنف الحالات الكونية.

والآن دعنا نفترض أنك تحاول الدفع بسيارة إلى الأمام، ثم بعدها بقليل سوف تدفع بعربة أطفال صغيرة للأمام أيضًا، بالطبع سوف يكون الأمر أسهل كثيرًا في الحالة الثانية، ما يقاومك في الحالتين نسميه بـ"الكتلة القصورية" للجسم، الكتلة التي كلما ازدادت تحاول منعك من التقدم في الحركة بشكل أكبر إلا إذا بذلت قدرًا مناسبًا من الطاقة، لكن حينما يقف جسمان على مقربة بعضهما من بعض، فإن كلًّا منهما، وفق قوانين نيوتن، يجذب الآخر، هنا تسمى كتلة كلٍّ منهما بـ"الكتلة الجذبوية"، أي المؤثرة في جذب كلٍّ منهما للآخر.

إذًا، حينما تفلت كرة من يديك إلى الأرض، فإنها تتأثر بوجود الكتلتين معًا؛ إذ إنها تتسارع إلى الأرض كي ترتطم بها، وكذلك هناك عملية جذب متبادل بينها وبين الأرض. وإذا كان هناك فارق بين الكتلتين الجذبوية والقصورية فإن الأجسام ذات الكتل المختلفة لن تسقط للأرض بالتسارع نفسه وتصل معًا للنهاية، هنا ينص مبدأ التكافؤ Equivalence Principal في النظرية النسبية على أنه لا يمكن لنا التمييز بين قوى الجاذبية وقوى القصور، وبالتالي ستسقط كل الأجسام مهما اختلفت كتلتها بالطريقة نفسها، كما أوضح "عمرو الزنط" -مدير مركز الفيزياء النظرية بالجامعة البريطانية في مصر، غير مشارك بالدراسة- لـ"للعلم": "لنتخيل أنك الآن في الفضاء، في مصعد مغلق من كل الجوانب، لكن هذا المصعد يتسارع للأعلى، في تلك الحالة ستشعر كأن هناك جاذبية في المصعد، لن تعرف أبدًا أنك في الفضاء. أما إذا كنت على الأرض، في المصعد نفسه، لكنه تُرك ليسقط من أعلى مبنى كبير، فلن تشعر بالجاذبية داخل المصعد، وسيشبه الأمر أن تكون في الفضاء دون جاذبية، رغم أنك على الأرض". في الحالتين، لا يمكن لك التفريق بين تأثير الجاذبية وتأثير القصور.

 لنفترض مثلًا أنك الآن تجلس في عربة قطار مغلقة تمامًا، ثم أحسست –فجأةً- بالانجذاب لخلفية المقعد الذي تجلس عليه، هنا يمكن افتراض أن هذا القطار قد بدأ في التحرك فتراجعت أنت للخلف بقوى القصور، لكن أيضًا يمكن افتراض أن أحدهم قد أحضر كوكبًا ووضعه خلف عربة القطار التي تجلس فيها، فتراجعت للخلف بقوى الجاذبية، في الحالتين لا يمكن الجَزم بالسبب في رجوعك إلى الخلف في المقعد.

"عامة" أكثر مما ظن البعض!

تفترض النظرية النسبية العامة أن مبدأ التكافؤ ينطبق على كل شيء في الكون، كان الأمر عن سقوط ريشة أو مطرقة إلى الأرض، أو عن سقوط كرتين من أعلى برج بيزا المائل، أو عن نجم ثلاثي يدور في أطراف المجرة. في تلك الحالات المتطرفة، نسميه بمبدأ التكافؤ القوي (SEP)، وفي حالة النظام النجمي الثلاثي فإننا -بتعبير ستيرز لـ"للعلم"- "سنود التحقق مما إذا كان النجم النابض والقزم الأبيض الداخلي "يسقطان" بالطريقة نفسها في مجال الجاذبية للقزم الأبيض الخارجي، من دون أي تأثُّر بفارق كتلتيهما الواسع"، وهو ما حدث بالفعل عبر نتائج تلك التجربة، هنا نتأكد أن النجم النيوتروني، ذلك الجرم السماوي الكثيف جدًّا لدرجة أنه يمكن أن نقدر وزن ملعقة شاي منه بوزن جبل إيفرست كاملًا، كان ليقع على الأرض مثل الريشة تمامًا!

"وكانت العديد من النظريات الأخرى قد شككت من قبل في عمومية مبدأ التكافؤ"، يقول الزنط لـ"للعلم"، مضيفًا: "إذ لا نجد -بعدُ- تفسيراتٍ واضحة لكيانات كالمادة والطاقة المظلمتين، ما دعا البعض لتصوُّر أن وجودهما له علاقة بأن مبادئ النظرية النسبية العامة لا تنطبق بالكلّية في الحالات الكونية المتطرفة، وبذلك أضافت تلك النظريات تعديلات لقوانين النسبية العامة لألبرت أينشتين، ومحاولة تغيير قوانين أينشتين تؤدي في كثير من الأحيان إلى خرق مبدأ التكافؤ، خاصةً في ظل المجالات الجذبوية القوية"، لكننا الآن أصبحنا أكثر تأكدًا من عمومية مبدأ التكافؤ، أينشتين ينتصر مجددًا!

وما يلفت الانتباه بحق إلى تلك التجربة هو دقة الأدوات المستخدمة فيها، فتلك الأنواع من النجوم النابضة صغيرة الحجم جدًّا، قد تصل إلى حجم مدينة كالإسكندرية مثلًا، ويتطلب التقاط نبضاتها الراديوية دقة شديدة إلى مستوى النانوثانية، هنا يأتي دور مرصد "جرين بانك" Green Bank Observatory في غرب فيرجينيا ليدرس -على مدى أكثر من 400 ساعة، في حوالي ست سنوات- هذا النظام النجمي؛ إذ يستطيع التقاط كل نبضة راديوية، ويمكن له تحديد موضع النجم في مسافة لا يتعدى قطرها عدة مئات من المترات، "إذا كان هناك فارق واحد في النتائج، فإنه يقع ضمن ثلاثة أجزاء في المليون"، وفق تعبير ستيرز، التي تضيف لـ"للعلم": "هذا أقوى وأدق من جميع اختبارات (مبدأ تكافؤ القوى) السابقة، سواء التي حدثت من قبل في النظام الشمسي أو التي انطوت على ثنائيات من الأقزام البيضاء والنجوم النابضة"

أينشتين بين النجوم

"هل تغير الجاذبية الشديدة من كيفية سقوط الأشياء؟ على ما يبدو، فإن ذلك غير صحيح، لكن ذلك لن يمنعنا من الاستمرار في التساؤل حول النظرية النسبية"، يقول الزنط لـ"للعلم"، فنحن الآن أكثر تأكدًا من صحة فكرة أينشتين الأكثر سعادة، كما قال أينشتين نفسه، وانطباقها على أكثر الحالات الكونية تطرفًا، لكن ذلك -بتعبير لينش لـ"للعلم"- "يُعَد مشكلة؛ فنحن على يقين من أن النسبية يجب أن تنهار في مرحلة ما؛ لأنها لا تتوافق مع الدعامة الأخرى للفيزياء الحديثة، ميكانيكا الكم. لذلك سنستمر بالتأكيد في البحث عن البيئات المتطرفة الفريدة، إذ قد نجد في النهاية عجزًا في النسبية".

ويستطرد: هذا قد يعطينا في النهاية فكرة عن كيفية دمج نظريتي النسبية وميكانيكا الكم، قطبي الفيزياء الحديثة، أو الأخوة الأعداء بها، ويقول في النهاية: "ستستمر النجوم النابضة بالتأكيد في أداء دور كبير في هذه الجهود؛ لأنها مختبرات طبيعية في بعض البيئات الأكثر تطرفًا الموجودة في أي مكان في الكون"

لكن ربما سيدعونا للتأمل قليلًا أن نفكر في أينشتين نفسه، تخيل معي التالي: شاب في العشرينيات من عمره، يجلس في أوائل القرن الفائت، على مكتبه المتهالك، محاطًا بالأوراق والكتب وسبّورة صغيرة، ربما في ليلة شتوية قارسة البرودة، ليصوغ لنا معادلات نظرية سوف نظل بعد ذلك لأكثر من مئة سنة نتأكد من صحتها في أكثر الحالات تطرفًا وغرابة في الكون كله، تخيل معي أن عقلًا بشريًّا واحدًا استطاع -في حين يستذكر دروسه ويؤلف بين معادلاته- أن يسبر أعماق الكون بالكامل، بدقة لم يكن ليتخيلها عقل!