منذ بدء الخليقة، وعلاقة الإنسان بالكهرباء علاقة أزلية، تبحث عمن يفك طلاسمها. فالبرق ما هو إلا ظاهرة طبيعية تظهر في صورة "شرارة كهربائية"، واحتكاك المشط بالشعر "كهرباء"، وانجذاب "الريش" إلى قطع "الكهرمان" كهرباء.

اكتشاف العالم الأمريكي "توماس أديسون" للمصباح الكهربائي في القرن الثامن عشر حقق ما وُصف آنذاك بـ"حلم إضاءة العالم". معه، زادت وتيرة مطاردة الحلم للحصول على أكبر قدر ممكن من الكهرباء دون النظر إلى مخاطر "محطات توليد الكهرباء" وتداعياتها على صحة البشر. تلك المخاطر التي تحولت إلى سلاح طبقي يضرب بقوة "الأقليات" والطبقات الأكثر فقرًا، وخاصة حين يتم توليد الكهرباء بواسطة الوقود الأحفوري.

الفرضية السابقة طرحتها دراسة نشرتها مجلة "أمريكان كيميكال سوسايتي" (American Chemical Society)، محذرةً من أن "تأثيرات التعرُّض للملوِّثات الناتجة عن المحطات الكهربائية تختلف باختلاف العوامل الديموجرافية؛ إذ تؤدي التباينات العرقية والطبقية دورًا كبيرًا في نسبة التعرُّض للتلوُّث الناجم عن تلك المحطات".

ففي حين يعاني سكان المناطق التي تقطنها الأقليات وذوو مستويات المعيشة المتدنية من العواقب الصحية السلبية الناتجة عن الجسيمات الدقيقة الناتجة عن محطات توليد الكهرباء، يكتفي سكان المناطق الأعلى دخلًا بكونهم "مستوردين صافين" للطاقة الكهربائية.

قام الباحثون بتقدير الآثار الصحية الناتجة عن التعرُّض لجسيمات PM2.5 التي تبثها مولدات الكهرباء، مثل "جسيمات الكبريتات والنترات والأمونيا وكلوريد الصوديوم والكربون والغبار المعدني والماء".

وتتألف تلك الجسيمات من مزيج معقد من المواد العضوية المعلقة في الهواء في شكل صلب وسائل. وتصنف الجسيمات الدقيقة إلى نوعين وفق قطرها، الأولى PM10 (جسيمات ذات قطر أقل من 10 ميكروجرامات)، أو جسيمات PM2.5 (جسيمات قطرها أقل من 2.5 ميكروجرام). والنوع الثاني أكثر خطورةً من الأول؛ إذ يمكن للجسيمات التي تنتمي إليه، إذا ما تم استنشاقها، اختراق الغشاء المخاطي للجهاز التنفسي والوصول إلى داخل الجسم. ويُسهم التعرُّض المزمن لتلك الجسيمات في زيادة مخاطر الإصابة بسرطان الرئة والأمراض القلبية الوعائية والأمراض التنفسية.

يقول جوليان مارشال -الأستاذ المساعد في الصحة العالمية بجامعة واشنطن- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة استخدمت نموذجًا لتقييم جودة الهواء لمعرفة تركيزات جسيمات PM2.5 في مناطق جغرافية مختلفة بجميع أنحاء الولايات المتحدة في عام 2014. وهي السنة المرجعية التي استخدمها البحث؛ لأن هذا العام شهد وفاة حوالي 16.700 أمريكي بسبب انبعاثات محطات توليد الطاقة"، على حد وصفه.

رصد الباحثون حالة 48 ولاية، ووجدوا أن بعض هذه الولايات تكون مصدرًا رئيسيًّا للأمراض بسبب وجودها بالقرب من محطات توليد الكهرباء (36 ولاية)، في حين تتعرض ولايات أخرى لانبعاثات تأتي من خارجها، وأن أغلب التأثيرات تكون بسبب استخدام الفحم وحرق الوقود، الذي تنبعث منه الجسيمات الدقيقة من نوع (PM2.5) وثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين بصورة مباشرة.

مصدر للخطر

وأوضحت الدراسة أن الجسيمات الدقيقة من نوع (PM2.5) أكبر مادة بيئية تسبب مخاطر صحية في الولايات المتحدة وكذلك على الصعيد العالمي؛ إذ ترتبط بزيادة معدلات الوفيات بأمراض القلب، والأوعية الدموية، والسكتة الدماغية، والانسداد الرئوي، وسرطان الرئة.

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن 9 من أصل 10 أشخاص يستنشقون هواءً ملوثًا في جميع أنحاء العالم، وأن تلوُّث الهواء هو عامل خطورة بالغ الأهمية للإصابة بـ"الأمراض غير السارية" في إقليم شرق المتوسط، متسببًا في أكثر من ربع الوفيات من البالغين بنسب تبلغ (45% من مرض الانسداد الرئوي المزمن، و30% من سرطان الرئة، و28% من أمراض القلب، و25% من السكتة الدماغية)، كما يتسبب تلوُّث الهواء أيضًا في 52% من الوفيات الناجمة عن الأمراض السارية، مثل التهابات الجهاز التنفسي السفلي الحادة، وفق تقديرات المنظمة.

أصحاب البشرة السمراء أكثر تأثرًا

وأظهرت الدراسة التباينات الصحية للتأثر بجسيمات PM2.5 وفقًا للعرق، مشيرةً إلى أن "متوسط التعرُّض للتلوث هو الأعلى بالنسبة لأصحاب البشرة السمراء، يليه أصحاب البشرة البيضاء من غير اللاتينيين. ثم التعرُّض للمجموعات المتبقية (مثل الآسيويين، والأمريكيين الأصليين واللاتينيين) الذين يتعرضون لتأثيرات أقل بعض الشيء مقارنةً بذوي البشرة السمراء.

عمل الباحثون على دراسة كل الفئات وفق البيانات المتاحة لعام 2014 مقارنةً بالسنوات الأحدث (والمستقبلية)، وهو العام الذي أسهمت فيه محطات توليد الكهرباء بنسبة 67٪ من انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت، و13٪ من أكاسيد النيتروجين، و3٪ من الانبعاثات الناتجة عن جسيمات PM2.5 الأولية على الصعيد الوطني الأمريكي في عام 2014، في حين انخفضت انبعاثات اليورانيوم الخام في العقود الأخيرة بسبب الإجراءات المتخذة لحماية البيئة، والانتقال من الفحم إلى الغاز الطبيعي، مدفوعةً إلى حد كبير بأسعار السوق.

يقول "مارشال": تابعت الدراسة كل الفئات العمرية وجميع الانبعاثات من محطات الطاقة كافة، واستندت إلى نماذج تحدد من أين ينتقل التلوث ومدى التأثيرات الصحية التي يسببها، وبدأنا بتقدير الانبعاثات (كمية التلوث لكل محطة طاقة)، وعلاقة التلوث بحركة الرياح، ومعدلات التفاعلات الكيميائية والعمليات الفيزيائية في الغلاف الجوي. والناتج من هذا النموذج هو تركيز التلوث من محطات الطاقة. ثم استخدمنا بعد ذلك المعلومات الموجودة مسبقًا حول الآثار الصحية لتلوث الهواء؛ بغية تقدير الأضرار الصحية وعدد الوفيات الناتجة عن هذا التلوث، وقمنا بتشغيل النموذج عدة مرات لتحديد كيفية تأثير تلوُّث كل ولاية أمريكية على كل ولاية أمريكية أخرى، وكيف تختلف التأثيرات وفق المجموعة السكانية.

ويضيف: نبحث في توليد الكهرباء باستخدام أكثر أنواع الوقود شيوعًا وهي الفحم والغاز الطبيعي والنفط والأنواع الأخرى الأقل شيوعًا، ووجدنا أن الفحم كان أكبر مساهم في حالات الوفيات التي أودت بحياة 16.700 أمريكي؛ إذ عملنا على دراسة الوفيات الناجمة عن PM2.5 بسبب الإصابة بنوبات قلبية أو سكتة دماغية أو سرطان الرئة.

ويُرجع "مارشال" السبب وراء زيادة تأثر الأمريكيين من أصل أفريقي بالتلوث، إلى أنهم "يعيشون في مناطق ذات تركيزات عالية من تلوث الهواء، إضافةً إلى أنهم يستهلكون طاقةً أقل، مما يجعلهم أكثر عرضةً للآثار الصحية الناجمة عن تلك الجسيمات أكثر من غيرهم"، وفق قوله.

انتقادات

من جهته، يعترض ياسر حسن -رئيس قسم نوعية الهواء بالمركز القومي للبحوث- على بعض النقاط التي وردت في الدراسة.

يقول "حسن" في تصريحات لـ"للعلم": الدراسة لم تأخذ بعين الاعتبار حجم التعرُّض اليومي للانبعاثات الضارة، ولم تحدد الخطوات التي اتُّخِذت لاستبدال المحطات التي تعمل بالفحم بحيث تعمل بطاقة الرياح أو الشمس، كما أن الدراسة ركزت فقط على الجسيمات ذات الحجم 2.5 ميكروجرام/ متر3. وتأثيرها المختلف على أصحاب ألوان البشرة المختلفة في أماكن جغرافية مختلفة في الولايات المتحدة دون النظر إلى باقي الجسيمات.

يضيف "حسن" أن "ما جاء في الدراسة لا ينطبق على الواقع المصري والعربي؛ نظرًا لتفاوت البيئات المعيشية والعوامل الوراثية، وعوامل أخرى كثيرة، منها البُعد المكاني عن نطاق البحث الذي اقتصر على الولايات المتحدة، ونوعية التكنولوجيا المستخدمة للتحكم في الانبعاثات في الهواء الجوي، كما لم تقدم الدراسة خطةً شاملةً لحماية ذوي الدخول البسيطة أو المنخفضة من أخطار تلك المحطات.

يعقب "مارشال" على تلك الانتقادات قائلًا: الدراسة لم تستهدف تقديم اقتراحات بشأن إجراء تغييرات، بل تهدف فقط إلى توثيق الأنماط التي لاحظناها من جرَّاء التعرُّض لتلك الملوثات.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم " حول كيفية تقليل تأثير التلوُّث بجسيمات PM2.5 في ظل عدم القدرة على الحياة من دون هذه المحطات، يقول "مارشال": يمكننا توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة (طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة المائية) و(الغاز الطبيعي) وتقنيات التحكم في الانبعاثات مثل المرسبات الإلكتروستاتيكية التي تعتمد على ترسيب الجزيئات الصلبة المختلفة في مرسبات خاصة.

دراسات سابقة

وتشير دراسة سابقة إلى أن التعرُّض طويل الأجل لتلوُّث الهواء بالجسيمات الدقيقة (PM2.5) يسهم في زيادة خطر الوفيات، وهي النتيجة عينها التي انتهت إليها دراسة أخرى، محذرةً من تزايد حالات الوفاة من جَرَّاء التعرُّض لمعدلات التلوُّث بجسيمات (PM2.5).

من جهته، يتفق مصطفى مراد -رئيس قطاع نوعية الهواء بوزارة البيئة- مع ما انتهت إليه تلك الدراسات، مضيفًا أن "هذه الجسيمات ذات تأثير صحي سلبي على الإنسان في حالة تراكمها في الهواء الجوي المحيط وتخطيها المعايير الآمنة التي تضعها الدول لجودة الهواء، وتتمثل خطورة تلك الجسيمات في قدرتها على الانتقال في الهواء لمسافات بينية قد تتجاوز المئة كيلومتر".

ويرى "مراد"، في تصريحات لـ"للعلم" أن "تمركز بعض العرقيات والأجناس في مناطق أقل تخطيطًا من حيث مراعاة الظروف البيئية يُعد من أهم الأسباب الرئيسية وراء تعرُّضهم لخطر الملوثات الناتجة عن محطات توليد الكهرباء".

إجراءات وقائية

بدورها، تحذر أمل سعد الدين -رئيس شعبة بحوث البيئة بالمركز القومي للبحوث- من الزحف العمراني على المناطق المأهولة بالسكان الذين تظهر عليهم أعراض التأثر بهذه المحطات، بدءًا من الشعور بالصداع المستمر وعدم التركيز.

وتقول "سعد الدين" في تصريحات لـ"للعلم": قد تصل الخطورة إلى حد ظهور بعض الأورام الدماغية. ومن هنا جرى حظر بناء أية مساكن بجوار هذه المحطات، وهو ما تؤيده إجراءات اتخذتها وزارة البيئة المصرية؛ إذ قامت الحكومة بربط محطات الكهرباء بالشبكة القومية لرصد الانبعاثات الصناعية، حيث تم الانتهاء من ربط انبعاثات عدد (10) محطات كهرباء بعدد (23) مدخنة.

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول الجهود المصرية في مجال مواجهة مخاطر الجسيمات الدقيقة من نوع (PM2.5)، تقول ياسمين فؤاد -وزيرة البيئة المصرية- إنه يجري رصد هذه الجسيمات في إطار سعي مصر لتحقيق مؤشرات ومستهدفات البُعد البيئي لإستراتيجية التنمية المستدامة 2030.

تضيف "فؤاد": تم تفعيل عمليات الرصد لتركيزات جسيمات PM2.5 في مصر منذ 20 عامًا، وذلك من خلال أجهزة تجميع لعينات على فلاتر، ومن ثم تحليل تلك العينات في المعامل الكيميائية المتخصصة؛ وذلك لتحديد نسب تركيزات الملوثات، ومقارنتها بالحد الأقصى للمتوسط السنوي المسموح به وفقًا للملحق رقم 5 في اللائحة التنفيذية للقانون رقم 4 لسنة 1994 والمعدل بالقانون 9 لسنة 2009 بشأن حماية البيئة. وأنه خلال عام 2018 تم تحديث منظومة رصد تركيزات تلك الجسيمات من خلال أجهزة رصد لحظية بمحطات الرصد في محافظات (الأقصر، والمنيا، والبحيرة، وسوهاج). وتشير المؤشرات إلى انخفاض انبعاثات تلك الجسيمات في مصر بنسبة 11% في عام 2018.