قطعت "سميرة" –ذات الـ50 عامًا- الطريق إلى مستشفى "كفر الدوار العام" وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة؛ ففي مايو الماضي، أصيبت بمرض "كوفيد-19"، وعانت من ارتفاع درجة الحرارة وصعوبة في البلع ومشكلات في الهضم.

تقول "سميرة" التي رفضت ذكر اسمها صراحة، في تصريحات لـ"للعلم": أصابتني نوبة فزع بعد دخول المستشفى، ورغم مساعدة الفريق الطبي، شعرت بأني سأموت، ولم يهدأ روعي بعدما لحق بي 15 فردًا من أسرتي ظلوا معي داخل العزل، لكن الأطباء كانوا أكثر حرصًا على حالتي بسبب إصابتي بالسمنة المفرطة.

لم تبالغ "سميرة" في حديثها عن تزايُد اهتمام الأطباء بحالتها بعدما انضم الضيف الثقيل "كوفيد-19" إلى ضيف آخر لا يقل ثقلًا عنه وهو "السمنة".

فمنذ الإعلان عن ظهور جائحة "كوفيد-19" التي أُبلغ عنها لأول ‏مرة بمدينة ووهان الصينية ديسمبر 2019، لم تتوقف دائرة الأبحاث التي تتناول أسئلة شائكة عن علاقة السمنة بتلك الفاشية التي أصابت أكثر من 62 مليونًا و619 ألفًا و466 شخصًا، وأودت بحياة مليون و459 ألف نسمة حول العالم حتى (29 نوفمبر) وفق أحدث الإحصائيات، فضلًا عن تناول تأثير زيادة وزن المرضى على تفاقُم حالتهم الصحية، وكيف تُبطئ السمنة من سرعة تعافيهم من المرض.

وفي حين يعاني 33% من المصريين من السمنة و6% من السمنة المفرطة، وفق تصريحات  لوزيرة الصحة المصرية هالة زايد، تصبح رحلة مرضى السمنة المصريين الذين أصابهم الفيروس جديرة بالملاحظة، لا سيما مع تخطِّي حاجز المصابين بالفيروس في مصر 111 ألف شخص حتى كتابة التقرير.

مؤشر كتلة الجسم

تعايشت "سميرة" مع زيادة الوزن منذ 13 عامًا؛ إذ يبلغ طولها 165 سم في حين يبلغ وزنها 120 كيلوجرامًا، ما يجعل حركتها أبطأ ويجعلها تلهث إذا بذلت أقل مجهود، بالإضافة إلى معاناتها من آلام في الظهر والقدمين، وحين أُصيبت بـ"كوفيد-19"، أعطاها الأطباء أدوية للسيولة تحسُّبًا لحدوث أي تجلطات، وفق تصريحات لـ"للعلم".

ويُستخدم حساب مؤشر كتلة الجسم (BMI)، كوسيلة بسيطة لمعرفة فرط الوزن من خلال قسمة الوزن بالكيلوجرام على مربع الطول بالمتر، وتعني النتائج من 25 إلى 30 أن الشخص يعاني من زيادة الوزن، في حين يكون مصابًا بالسمنة إذا كانت النتيجة من 30 إلى 40، وتصبح السمنة مفرطة إذا تجاوز حساب المؤشر 40. وتحتل مصر المرتبة الـ19 عالميًّا في سمنة النساء، والمرتبة الـ61 عالميًّا في سمنة الرجال، وفق تقديرات الاتحاد العالمي للسمنة ووزارة الصحة المصرية لعام 2016.

ضيفان ثقيلان

في أغسطس الماضي، نشرت مكتبة "وايلي" الإلكترونية دراسة اعتمدت على تحليل نتائج 75 ورقةً وبحثًا باللغتين الإنجليزية والصينية حول فيروس كورونا المستجد ومرض السمنة، وخلصت الدراسة التي شارك فيها 10 باحثين إلى عدة نتائج مختلفة، أهمها أن الأشخاص المصابين بالسمنة عُرضة للإصابة بالفيروس بنسبة 46% أعلى من نظرائهم من الأشخاص العاديين، وأن نسبة دخولهم المستشفى بعد الإصابة أعلى بنسبة 113%، كما أن نسبة دخول مرضى السمنة إلى العناية المركزة أعلى بنسبة 76% ومعدل الوفاة بينهم أعلى بنسبة 48%، حال الإصابة بكوفيد-19، خاصةً المصابين بسمنة مفرطة.

لم يكن ما خلص إليه البحث مفاجئًا للمؤلف الرئيسي للدراسة بيري بوبكين -أستاذ التغذية بجامعة نورث كارولينا بالولايات المتحدة- مشددًا في تصريحات لـ"للعلم" على أن "نسبة السمنة في معظم الدول تتخطى الـ20%، ولكن المقلق أن ثمة احتمالات لكون تأثير اللقاحات في الحماية من الإصابة بالفيروس أقل فاعليةً لدى مرضى السمنة".

رصدت الورقة البحثية دراسات ربطت أيضًا أمراضًا مزمنة -كأمراض القلب والسكري وأنواع من السرطان- بالسمنة، كما يؤدي تأثير الالتهابات التنفسية دورًا أكبر على الرئة لدى مرضى السمنة.

يضيف "بوبكين": رغم قلة الدراسات المتاحة عن أنماط التغذية في مصر، إلا أن دعم الخبز في مصر له دور سلبي في السماح بالإفراط في تناول الكربوهيدرات المكررة الضارة جدًّا لزيادة الوزن، إضافةً إلى أن كثيرًا من الأطعمة المصنعة والرخيصة الثمن متاحة في مصر.


معاناة لا تنقطع

داخل قسم العزل بمستشفى 15 مايو بالقاهرة، قضت سارة الحديدي -طبيبة الأمراض الصدرية- خمسة أشهر، تابعت خلالها مئات الحالات يوميًّا، لكن حالةً واحدةً من تلك الحالات ظلت عالقةً بذاكرتها، وهي حالة طبيب دخل المستشفى مصابًا بالفيروس المستجد وكان يعاني من السمنة المفرطة. ورغم أنه لم يكن مصابًا من أمراض أخرى كالضغط أو السكر، إلا أن "حالته تدهورت سريعًا خلال يومين".

تقول "الحديدي" في تصريحات لـ"للعلم": ثمة إجراءات يتخذها الفريق الطبي عادةً تجاه مرضى العناية المركزة، كأن نجعل المريض ينام على بطنه، ما يساعده على التنفس بصورة أفضل، غير أن الطبيب لم يتمكن من فعل ذلك، وظل ينام جالسًا لحوالي أسبوع، وكانت حالته تتحسَّن بصورة بطيئة" حتى إنه اضطر إلى مغادرة المستشفى واستكمال علاجه في المنزل على مدار شهر.

أما الطبيب حسام فتحي، عضو الفريق الطبي للعزل بمستشفى إسنا بالصعيد، فقد عالج بعض مرضى السمنة المصابين بكورونا، مضيفًا: "تعاملت مع مريض سمنة عمره 65 عامًا دخل المستشفى في حالة سيئة، وكان انهيار جهازه التنفسي سريعًا جدًّا، ولم يكن الأنبوب الحنجري الذي يتم تركيبه للمساعدة على التنفس مناسبًا له، ولم يكن متاحًا لدينا أنابيب أخرى فاضطررنا إلى تركيبه، لكن النتائج لم تكن الأفضل، وتُوفي المريض عقب 7 أيام من دخول المستشفى".

فرص النجاة

ليست جميع النهايات حزينة، حالة أخرى تعامل معها طبيب إسنا، لمصري في الخمسينيات من عمره، اقترب وزنه من المئة كيلوجرام، التحق بالعزل بعد إصابته، وتم إجراء التحاليل اللازمة له بصعوبة، "وخلال ساعات احتاج إلى التنفس عبر جهاز الأكسجين"، عولج المصاب في المستشفى، وحينما خرج بات شخصًا آخر، "توقف عن التدخين فورًا، وحسّن عاداته الغذائية"، يشعر "فتحي" بالفخر تجاه مريضه الذي فقد حوالي 12 كيلوجرامًا من وزنه، ويهتم بالرياضة والأكل المنضبط إلى الآن.

من جهته، يرى سير ستيفن أورايلي -البروفيسور بجامعة كمبريدج البريطانية- في تصريحات لـ"للعلم" أن "فقدان ولو قليل من الوزن قطعًا يرفع فرص النجاة من فيروس كورونا المستجد"، مضيفًا أن "السمنة وحدها قد تشكل عامل خطر، حتى ولو لم تصاحبها أمراض أخرى مثل السكري؛ إذ إن الأمراض الناتجة عن السمنة لا تحدث بسبب الدهون الكثيفة حول البطن أو الصدر فقط، بل أيضًا بسبب الاضطرابات الأيضية الناتجة عن اختلال كمية الأطعمة والعناصر داخل الجسم، وتزداد تلك الأزمات مع كل زيادة في الوزن، وليس السمنة المفرطة فقط.

نمط الحياة

دراسة أخرى أجراها باحثون في بريطانيا، وضَّحت عوامل مرتبطة بنمط الحياة قد تؤدي إلى احتمالية أعلى لدخول المستشفى بسبب كوفيد-19، منها السن والتدخين والسمنة والأمراض المزمنة، واعتمدت الدراسة على دراسة 640 حالة تم إدخالها إلى المستشفى في الفترة من 16 مارس إلى 16 إبريل، إذ وجدوا أن تجنُّب السمنة وزيادة الوزن يؤدي إلى تقليل خطورة دخول المستشفى بسبب الفيروس المستجد، وأن ارتفاع مؤشر كتلة الجسم يرفع احتمالية دخول الشخص للمستشفى، وفق الباحثة المشاركة في الدراسة، كاثرين جيل، الأستاذة في علم الأوبئة المعرفية بجامعة ساوثهامبتون ببريطانيا.

اعتمدت الدراسة على أبحاث وتقارير سابقة، منها تقرير أصدرته "وكالة الصحة العامة في إنجلترا"، تحدَّث عن أن ارتفاع نسبة جزيئات إنزيم ACE-2 لدى مرضى السمنة -إنزيم يُنتج مادةً بالاسم نفسه تؤدي إلى ضيق الأوعية الدموية وتطلق هرمونات ترفع ضغط الدم- تجعلهم أكثر تعرُّضًا للعدوى؛ إذ يُعتقد أن ذلك الإنزيم يمثِّل الطريق الرئيسي الذي يدخل كوفيد-19 عبره إلى الجسد.

لم تطَّلع "نجلاء" –الأم الأربعينية، التي رفضت ذكر اسمها صراحة- على النتائج السابقة، لكنها قررت اتباع نمط حياة صحي خلال رحلة تعافيها من آثار فيروس كورونا المستجد.

تقول "نجلاء": أُصبت بمرض "كوفيد-19" وأنا في الشهر الثامن من الحمل، مررت بحمى، وارتفاع في درجة الحرارة، وإسهال، ورعشة شديدة في الجسد، كان وزني خلال الحمل 90 كيلوجرامًا بينما طولي 155 سم، أعرف أن الزيادة طبيعية خلال الحمل، ولكن أخبرني الأطباء بأن تلك الزيادة أكبر من المعدل الطبيعي، وبمجرد مغادرتي المستشفى بعد الولادة والتعافي، بدلت كثيرًا من عاداتي الغذائية، لقد تصالحت مع الخضراوات الطازجة والوجبات الصحية المتنوعة، وبات وزني الآن حوالي 67 كيلو، وأسعى بعزم لخسارة ما تبقى.

إصرار "نجلاء" على فقدان الوزن لم ينتج عن تجربة سيئة فقط؛ إذ رصدت "وكالة الصحة العامة في إنجلترا" في تقريرها الصادر في سبتمبر الماضي، أن أجساد مرضى السمنة عرضة للالتهاب بصورة أكبر، بسبب وجود نسبة أعلى من بروتين "سيتوكين"، الذي يرفع نشاط الخلايا المناعية، ويؤدي وجود حافز كفيروس كورونا إلى احتمالية حدوث "عاصفة السيتوكين"، وهي رد فعل يجعل الجهاز المناعي يهاجم نفسه ويسبب التهابًا وضررًا شديدين.

ويُعد النقص غير الطبيعي في الخلايا الليمفاوية (من خلايا الدَّم البيضاء)، وبصفة خاصة انخفاض عدد خلايا كتلة التمايز CD4+ وخلايا CD8+T، من العلامات المميزة التي تنجم نتيجةً لتطور المرض، إضافةً إلى وجود مستويات عالية من السيتوكينات المسببة للالتهاب IL-6 وIL-8 في أثناء العلاج لدى المرضى الذين يعانون من مرض شديد، ويرتبط ذلك بانخفاض عدد الخلايا الليمفاوية، وفق دراسة نشرتها مجلة "نيتشر".

متاعب مضاعفة

وبينما يواجه مرضى السمنة تلك المخاطر، أدى انتشار الجائحة إلى إغلاق بعض عيادات التغذية في مصر وتوقُّف المرضى عن المتابعة مع أطبائهم، وتدهور حالتهم النفسية واكتسابهم مزيدًا من الوزن، كما يسرد الطبيب عمرو مطر، رئيس وحدة التغذية العلاجية بمستشفى قصر العيني.

يقول "مطر": بحثت عن حل بديل؛ إذ تواصلت مع مرضاي من خلال الإنترنت، وتحديدًا الذين خضعوا لعمليات جراحية للسمنة، خاصةً أن القلق الشديد جعل البعض يفرطون في تناول الأطعمة، وكانت نصيحتي الدائمة لهم بضرورة الحركة، ولو داخل المنزل.

تتابع "سميرة" أعداد الإصابات بالفيروس المستجد يوميًّا، لا تُخفي قلقها من موجة ثانية ربما تكون في الطريق، "ينتابني الهلع حين أسمع صوت سيارة إسعاف في الشارع.. أستعيد أيام الإصابة"، ما زال خفقان قلبها مرتفعًا وتعاني من أنفاس متلاحقة، يحرص أبناؤها على تقديم أطعمة صحية لها، تنصاع لهم أحيانًا، وفي معظم الأوقات تعود إلى الأكلات المليئة بالدهون ولو بكميات أقل، لا تؤمن "سميرة" بأن شيئًا سيحميها من كوفيد-19؛ "ففي المرة الماضية لم أغادر منزلي، ومع ذلك أُصبت بالفيروس بسبب أحد الزائرين".