يُصاب الملايين من مرضى القلب بالتليف، مما يؤدي إلى تصلب عضلة القلب ويؤثر سلبًا على صحة خلاياها ووظيفتها؛ إذ يُلاحظ حدوث التليف في كل أشكال أمراض عضلة القلب تقريبًا، وعند حدوث الإصابة بـ"التليف القلبي"، تبدأ الأرومات الليفية في القلب في تغيير شكل عضلة القلب عن طريق ترسيب نسيج زائد خارج خلايا القلب، وهو ما يؤدي إلى زيادة صلابة الأنسجة، وانخفاض استجابتها.

من هنا تأتي أهمية الدراسة التي أجراها فريق من الباحثين بكلية طب "بيرلمان" في جامعة بنسلفانيا؛ إذ توصل الباحثون إلى إستراتيجية علاجية لإعادة برمجة الخلايا المناعية المخصصة لمهاجمة هدف محدد، وذلك من خلال حقن الحمض النووي الريبي المرسال داخل الجسيمات النانوية الدهنية بطريقة مماثلة للقاحات "كوفيد-19" التي تعمل على إيصال الحمض النووي الريبي المرسال إلى خلايا الجسم.

ووفق الدراسة التي نشرتها دورية "ساينس" (Science)، فقد أظهرت التجارب -التي أُجريت على الفئران التي تعاني قصورًا في القلب- أن إعادة برمجة الخلايا التائية ذات المستقبلات الخيمرية أدت إلى تراجُع التليف القلبي بشكل كبير، والتليف القلبي هو مرض يؤدي إلى انخفاض وظائف القلب وفشله، ما يُسبب الوفاة المبكرة في معظم الأحيان.

يوضح الباحثون أن هذا النهج الجديد قد يكون مفيدًا في علاج أمراض التليف الأخرى أو الاضطرابات الصحية المصاحبة لها.

يقول جول روريك -طالب الدكتوراة في كلية الطب بجامعة بنسلفانيا- في تصريحات لـ"للعلم": أظهر حقن الحمض النووي الريبي المرسال داخل الجسيمات النانوية الدهنية لمجموعة من فئران التجارب أن وظيفة القلب -التي تم قياسها بواسطة مخطط صدى القلب (صور الموجات فوق الصوتية للقلب النابض)- أصبحت شبه مثالية، وأحد الجوانب المثيرة لهذه التقنية هو أنه يمكن إعطاء جرعات إضافية منها وفق الحاجة.

وتقول حميدة بارهيز -مدرس مساعد بقسم الأمراض المعدية بكلية طب "بيرلمان"- في تصريحات لـ"للعلم": إن اللقاحات التي تعتمد على الجزيئات النانوية الدهنية المحتوية على الرنا المرسال استُخدمت بنجاح في اثنين من اللقاحات الرائدة ضد فيروس "سارس-كوف-2" في العامين الماضيين، وساعد ذلك الفريق البحثي بدرجة كبيرة؛ لأنها أثبتت أمانًا وفاعليةً كمنصة لقاح، ويتيح ذلك استخدامها في عدة تطبيقات بخلاف الطب الوقائي، ومنها تطوير علاجات السرطان والأمراض المعدية ومتلازمة الضيق التنفسي الحاد وغيرها من الأمراض.

ويوضح "روريك" في تصريحاته لـ"للعلم" أن "الدراسة أثبتت نجاح التجربة على الفئران، ولا بد من إجراء دراسات على الحيوانات الأكبر حجمًا تشمل تقييم الأمان والسلامة قبل بدء التجارب السريرية على البشر"، مضيفًا أن "نتائج الدراسة تُعد بمنزلة بارقة أمل لمعالجة العبء الطبي الهائل الناجم عن قصور القلب والاضطرابات الليفية الأخرى".

من جهتها، تقول "بارهيز": نعمل حاليًّا على اختبار الخلايا المناعية الموجهة التي توصلنا إليها في الحيوانات الأكبر حجمًا لعلاج التليف والسرطان، ونأمل أن تصبح هذه التقنية الواعدة أساسًا لعلاج أمراض أخرى وإزالة العديد من العقبات الكبرى التي تمنع الاستخدام واسع النطاق للعلاج باستخدام إعادة برمجة الخلايا التائية ذات المستقبلات الخيمرية في جميع أنحاء العالم.