تستطيع الحيوانات العثور على طريقها وتحديد الأماكن دون خرائط أو أدوات، مستعينةً بفطرتها الطبيعية وقدرتها على الملاحة، ومن المعروف أن العديد من الحيوانات مثل الطيور والنحل والحيتان تستخدم المجال المغناطيسي للأرض من أجل الملاحة وتحديد الاتجاهات، ولكن الآلية الكاملة لهذه العملية المعروفة باسم "الإدراك المغناطيسي" لا تزال غير واضحة.

باستخدام تقنيات حديثة، تمكَّن باحثون يابانيون من فحص حركة حيوانات بحرية مختلفة ومراقبتها، مما قادهم لاكتشاف أنها تسبح في نمط دائري متشابه، ووجد الباحثون هذا السلوك في عدة أصناف من الحيوانات البحرية الضخمة، مثل السلاحف البحرية الخضراء وأسماك القرش وطيور البطريق والثدييات البحرية، ويعتقدون أنه ربما يكون لهذا السلوك الغريب أغراضٌ مختلفة، قد تتضمن الملاحة والبحث عن الطعام.

تشير الدراسة التي نشرتها دورية "آيساينس" (iScience) إلى أن تلك الحيوانات تدور بسرعة ثابتة نسبيًّا لأكثر من مرتين على التوالي بطريقة تبدو آلية، وهو ما يُعَد أمرًا مفاجئًا للباحثين إلى حدٍّ ما؛ إذ إن السباحة في خط مستقيم هي الطريقة الأكثر فاعليةً للتحرك.

كان الفريق البحثي يعمل على مراقبة حركة السلاحف البحرية الخضراء وقدرتها على الملاحة والوصول إلى أعشاشها بعد أن جرى نقلها من مكانٍ إلى آخر، وذلك حين لاحظ توموكو نارازاكي -الباحث في قسم العلوم البيولوجية البحرية بمعهد أبحاث الغلاف الجوي والمحيطات في جامعة طوكيو، والباحث الأول في الدراسة- أمرًا غير عادي؛ إذ كانت السلاحف تسبح في دوائر بشكل مستمر تمامًا مثل الآلة.

عاد "نارازاكي" إلى زملائه في المختبر وأبلغهم بما لاحظه، كان زملاؤه يعملون على تسجيل بيانات ثلاثية الأبعاد لدراسة مجموعة واسعة من الحيوانات البحرية الضخمة، وحلل الباحثون هذه البيانات ووجدوا أن هذا السلوك الغامض من السباحة الدائرية المتكررة كان موجودًا لدى أصناف عديدة من الحيوانات.

يوضح الباحثون أنه جرى رصد سلوك السباحة الدورانية في مناطق توافر الطعام، مما يشير إلى أنه قد يكون لها بعض الفوائد في العثور على الطعام؛ فعلى سبيل المثال، رصد الباحثون سلوك السباحة الدورانية 272 مرةً في أربعٍ من "أسماك قرش النمر" بالقرب من شاطئ هاواي، ولكن على النقيض وجد الباحثون أن فقمات الفراء -أحد أنواع عجل البحر- تدور بشكل رئيسي خلال النهار، على الرغم من أنها تتغذى بشكل أساسي في أثناء الليل، ويبدو أن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك، إذ وجد الباحثون أن ذكر قرش النمر يدور حول أنثاه للتودد إليها.

ويعتقد الباحثون أنه من الممكن أن يكون للدوران أكثر من غرض، إذ تشير الأدلة إلى أن الدوران يؤدي دورًا مهمًّا في ملاحة السلاحف البحرية، وأن السلاحف تؤدي هذا السلوك في مواقع تبدو مهمة مثل الفترة التي تسبق اقترابها من هدفها بشكل مباشر، وأن الدوران قد يساعد الحيوانات على اكتشاف المجال المغناطيسي من أجل التنقل، ومن المثير للاهتمام أن الغواصات تدور بالشكل نفسه أيضًا في أثناء جمع الملحوظات والبيانات الجيومغناطيسية.

 يقول "نارازاكي" في تصريحات لـ"للعلم": افترضنا أن الدوران قد يكون مرتبطًا بالملاحة القائمة على المجال المغناطيسي؛ لأن حركات الدوران تبدو متناسبة تمامًا مع فحص المجال المغناطيسي الأرضي، وقد يكون الغرض من الدوران تحسين دقة قياس المجال المغناطيسي لدى الحيوان.

يضيف "نارازاكي": دراسة مثل هذه الأنماط الحركية في المزيد من الحيوانات البحرية قد تكشف عن سلوكيات مهمة لتلك الحيوانات، وهو ما ننوي فعله في خطواتنا التالية؛ إذ نتطلع لفحص الحركة ثلاثية الأبعاد لمزيد من الأنواع؛ للبحث في سلوكيات حركة دورانية مشابهة، كما نخطط لفحص حركات الحيوانات وعلاقتها بحالتها الداخلية والظروف البيئية المحيطة بها، وذلك من أجل فهم الوظيفة والآلية الكامنة وراء هذه الحركات بشكل أفضل.