لم يدرك العالم أن صبيحة يوم السادس من أغسطس من عام 1945 ستكون حدا فاصلا ينتهي عنده تاريخ ليبدأ من بعده تاريخ آخر.

ففي صبيحة ذلك اليوم، أعطى الرئيس الأمريكي هاري ترومان الإذن بقصف مدينة "هيروشيما" اليابانية باستخدام القنبلة الذرية "ليتل بوي" أو "الولد الصغير"؛ ما أدى إلى مقتل نحو 70 ألفا من إجمالي سكان المدينة البالغ عددهم حوالي 320 ألف نسمة بصورة فورية، وفق تقديرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهي أرقام ارتفعت كثيرا مع تساقط مزيد من ضحايا القصف بمرور الوقت.

يقولون إن "ترومان" هرع إلى مكتبه البيضاوي بالبيت الأبيض باكيًّا بعد تنفيذ تلك العملية العسكرية. لكن بكاءه لم يمنعه من تكرار التجربة ذاتها بعد ذلك بثلاثة أيام فقط! حيث دمرت القوات الأمريكية مدينة "ناجازاكي" اليابانية في التاسع من أغسطس 1945، ما أسفر عن مقتل 39 ألف شخص على الفور. وهي أرقام ارتفعت هي الأخرى كثيرا مع تساقط مزيد من ضحايا القصف بمرور الوقت. في هذه المرة حملت القنبلة اسم "فات مان" أو "الرجل السمين".

 تركت الحربان العالميتان الأولى والثانية بصمتهما على الأرض Credit: British Library

ولم يكن غريبا أن تترك الحروب –وخاصة الحربين العالميتين الأولى والثانية- بصمتها على الأرض بصورة دفعت البعض إلى "تحديد منتصف القرن العشرين كبداية عصر الأنثروبوسين، لأسباب من بينها تبعات إلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناجازاكي في اليابان والتجارب النووية التي تركت آثارها حول الكوكب الأزرق"، وذلك وفق دراسة أعدها باحثان من جامعة "برينستون" الأمريكية ونشرتها دورية "نيتشر".

وأوضحت الدراسة أن 70% من المحميات الطبيعة في أفريقيا تضررت بسبب الحروب التى وقعت في القارة بين عامي 1946 و2010، ما تسبب في انقراض عدد من الثدييات والطيور البرية، ووصول بعض الأنواع إلى حالة حرجة تهددها بالانقراض. والأنثروبوسين هو حقبة زمنية مقترحة لابراز بداية التأثير البشري الكبير على جيولوجيا كوكب الأرض ونظمه البيئية.

فاتورة كارثية

لم يكن البشر وحدهم –إذن- ضحايا القصف، بل كان على الطبيعة أيضا أن تدفع الثمن، بعدما خلفت عمليتي القصف "أمطارا سوداء محملة بالسخام المشع ومناطق ملوثة بالغبار بعيدة عن نقطة الصفر". فقد تم تلويث آبار المياه، وأحرقت المحاصيل، وقُطّعت الغابات، وسُممت التربة، وتم قتل الحيوانات من أجل تحقيق المكاسب العسكرية.

ومن هنا تأتي أهمية اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية، والذي يتقاطع توقيته (6 نوفمبر) مع انعقاد فعاليات الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لمكافحة تغيُّر المناخ، في جلاسكو بإسكتلندا (COP26)، التي انطلقت فعالياتها ابتداءً من يوم 31 أكتوبر الماضي وتستمر لنحو أسبوعين.

استغلال البيئة

يقول الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في مقال نشره الموقع الرسمي للمنظمة: ترتبط النزاعات ارتباطا وثيقا بالبيئة، و40% على الأقل من جميع النزاعات الدائرة بين دول العالم ذات أبعاد هامة من حيث الموارد الطبيعية. وفي الوقت الراهن، يهدد ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن تغير المناخ بتزايد شدة الضغوط والتوترات البيئية. وفي كثير من الأحيان، تسقط البيئة ضحية من بين ضحايا الحرب، إما بسبب أعمال التدمير المتعمدة أو نتيجة لأضرار تبعية، أو لأن الحكومات تعجز عن مراقبة الموارد الطبيعية وإدارتها خلال النزاعات.

ويتابع: من شأن إدارة الموارد الطبيعية والنظم الإيكولوجية -بصورة أفضل- أن تمهد طريق السلام أمام المجتمعات التي تمزقها الحروب، بما يساعد البلدان المتضررة من الأزمات على الاقتراب خطوة أخرى نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

يضيف "جوتيريش": لا تشكل الموارد الطبيعية فحسب أساسا لتوفير العديد من الخدمات الأساسية، مثل المياه أو الكهرباء، بل يمكن أن تستخدم أيضا كقاعدة لأجل بناء الثقة وتقاسم المنافع بين الجماعات التي تفرق أسباب الشقاق بينها.

صراعات رئيسية

وترتبط الصراعات والنزاعات بين الدول باستغلال الموارد الطبيعية، سواء كانت موارد ذات قيمة عالية، مثل الأخشاب والماس والذهب والنفط، أو موارد نادرة مثل الأراضي الخصبة والمياه.

وتكتسب العلاقة التبادلية بين البيئة وما يشهده العالم في الوقت الراهن من صراعات مسلحة أهمية كبيرة في ظل ارتفاع عدد الصراعات الرئيسية حول العالم، كما هو الحال في أفغانستان والعراق ونيجيريا والصومال وجنوب السودان وسوريا واليمن؛ إذ بلغ عدد الصراعات المسلحة في 2016 أعلى مستوى له على الإطلاق، بمعدل 53 صراعًا مستمرًّا في 37 دولة، فيما يعيش 12% من سكان العالم في مناطق صراع "نشطة"، ما اضطر نحو 69 مليون نسمة إلى النزوح عن ديارهم قسرًا بسبب العنف منذ الحرب العالمية الثانية.

ولا تخلو الصراعات المسلحة التي يشهدها العالم اليوم من "همسات الجنون" التي تهدد باحتمالات العودة إلى استخدام الأسلحة النووية من لحظة إلى أخرى.

هناك أكثر من 14 ألف قنبلة نووية في العالم اليوم Credit: Maria Oswalt on unsplash

يقول فرانشيسكو روكا -رئيس الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر-: لن يكون المجتمع الدولي قادرًا على مساعدة جميع المحتاجين بعد حدوث انفجار نووي. إذ أن انتشار الأمراض الناتجة عن التعرض للإشعاع، وانخفاض إنتاج الأغذية، والنطاق الهائل للتدمير والتلوث، سيجعل أي استجابة إنسانية مؤثرة غير كافية. فلا توجد دولة مستعدة للتعامل مع المواجهة النووية.

وتشير تقديرات "الصليب الأحمر" إلى أن "هناك أكثر من 14 ألف قنبلة نووية في العالم اليوم، الآلاف منها جاهزة للإطلاق في غمضة عين. وتبلغ قوة العديد من تلك الرؤوس الحربية أكبر من القنبلتين الذريتين اللتين قصفتا هيروشيما وناغازاكي بعشرات المرات".

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلنت في الخامس من نوفمبر 2001، يوم السادس من نوفمبر من كل عام بوصفه اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية.