كشف فريق من الباحثين في جامعتي "أكسفورد" البريطانية و"مينسوتا" الأمريكية أن الغذاء الذي نتناوله لا ينعكس فقط على الصحة العامة، بل ينعكس أيضًا على سلامة البيئة، ما يجعل بعض الأغذية مُربحة للإنسان ولكوكب الأرض في وقت واحد.

وذكرت الدراسة التي نشرتها مجلة "بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسس" (PNAS)، الصادرة عن الأكاديمية الوطنية للعلوم، أن "الأغذية المرتبطة بتحسين الصحة مثل الحبوب الكاملة، والفاكهة، والخضراوات، والبقوليات، والمكسرات وبعض الزيوت النباتية الغنية بالدهون غير المُشبعة مثل زيت الزيتون، تأثيرها على البيئة هو الأدنى. أما الأغذية ذات الآثار البيئية السلبية مثل اللحوم الحمراء المُصنعة وغير المُصنعة فطالما ارتبطت بزيادة كبرى في احتمال الإصابة بالأمراض".

وأوضح الباحثون أن هناك بعض الاستثناءات؛ إذ إن الأسماك، وهي غذاء صحي، لها تأثير متوسط على البيئة، في حين أن الأطعمة المُصنعة الغنية بالسكريات رغم أضرارها على صحة الإنسان، إلا أن أثرها البيئي ضعيف، وتشمل هذه الأطعمة البسكويت والكعك، وتحتوي على مكونات رخيصة ذات آثار بيئية منخفضة، وأيضًا قيمة غذائية ضعيفة.

وتُعد اللحوم الحمراء (لحم الخنزير، والضأن، والماعز، واللحم البقري) وأيضًا اللحوم المُصنعة هي الأكثر من حيث التأثير السلبي على البيئة من بين جميع الأغذية، كما أنها تقترن بأعلى زيادة في احتمالات الإصابة بالأمراض. أما الأطعمة الحيوانية الأخرى -مثل الألبان والدواجن- فتعتبر ذات أثر متوسط على البيئة مقارنةً بغيرها.

يشير مايكل كلارك –الباحث بقسم "نوفيلد" للصحة السكانية بجامعة أوكسفورد، والباحث الرئيسي للدراسة- في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة إلى أن النتائج التي توصل إليها الباحثون قد تساعد المستهلكين على اتخاذ خيارات أفضل، من خلال تزويدهم بمعلومات عن التأثير الصحي والبيئي للأغذية المختلفة، كما تتيح لصُناع السياسات إصدار إرشادات غذائية أكثر فاعلية.

ويقدم دليل الإرشادات الغذائية للأمريكيين نصائح غذائية للمواطنين بدايةً من عمر عامين. ويتم نشر هذه الإرشادات ومراجعتها كل خمس سنوات من قِبَل وزارتي الزراعة والصحة الأمريكيتين.

يقول "كلارك": الأنظمة الغذائية تُعَد مصدرًا أساسيًّا لتَراجُع الصحة وإلحاق الأضرار بالبيئة. واستمرار تناوُل الغذاء بالوضع الحالي يهدد مجتمعاتنا من خلال الإصابة بالأمراض المزمنة وتدهور المناخ والأنظمة البيئية وموارد المياه. ولهذا، فإن اختيار الغذاء الأفضل والأكثر استدامةً يُعَد إحدى الوسائل التي يسهم بها البشر في الحفاظ على صحتهم وحماية البيئة. وتؤثر أيضًا كيفية تصنيع الغذاء ومكانه على البيئة، ولكن بمقدار أقل بكثير من نوعية الغذاء.

ومن خلال عمل مقارنة بإضافة وجبة يوميًّا من بين 15 طعامًا مختلفًا، قام الباحثون بتحليل مجموعة من الدراسات الوبائية الكبرى التي تتتبَّع السكان بمرور الوقت، وتقييم الأثر البيئي لكل وحدة من المواد الغذائية المنتجة. وتشمل التحاليل الصحية والبيئية خمس نتائج، هي الوفيات، وأمراض القلب، والسكتة الدماغية، والسكري من النوع الثاني، وسرطان القولون والمستقيم.

وبالنسبة للبيئة، ركزت النتائج على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، واستخدام الأراضي، واستهلاك المياه، وتلوُّث المياه، واحتمالات حدوث حموضة البيئة. وكانت النتائج متسقةً عند تطبيقها عبر جميع مجموعات النتائج الصحية والبيئية تقريبًا.

يقول "كلارك"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن حموضة البيئة عبارة عن مقياس لاحتمال زيادة الحموضة فى النظام البيئي، مما يجعل الحصول على المغذيات أكثر صعوبةً بالنسبة للنباتات ويؤدي إلى نقص نموها. وتُسهم أنشطة مثل التسميد وطريقة استخدامه واحتراق الوقود في الوصول إلى هذه النتيجة السلبية. ويؤدي تزايُد المغذيات في أي نظام بيئي الى آثار بيئية واضحة، تشمل ازدهار الطحالب وظهور مناطق مائية ميتة.

ويلخص "ماركو سبرينجمان" -الباحث في قسم "نوفيلد" للصحة السكانية بجامعة أكسفورد، والمشارك في الدراسة- النتائج قائلًا: هذه الدراسة تضيف إلى الأدلة الموجودة التي تؤكد أن إحلال مجموعة متنوعة من الأغذية النباتية محل اللحوم والألبان يمكن أن يؤدي إلى تحسين صحة البشر وسلامة كوكب الأرض معًا.

ولنشر هذه المعلومات المهمة، يقول "سبرينجمان" في تصريحات لـ"للعلم": هناك كثير من الدراسات التي تسلط الضوء على أن الكثير من المنتجات الحيوانية مثل اللحوم المُصنعة وغير المُصنعة ذات بصمات بيئية كبيرة، مهما كانت طريقة إنتاجها، ولا تُسهم في بناء صحة جيدة. والعكس صحيح بالنسبة للأغذية ذات الأساس النباتي مثل الفاكهة، والخضراوات، والبقوليات، والمكسرات والحبوب الكاملة، التي تُعَد ذات بصمات بيئية منخفضة، وترتبط بانحسار في مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة.

ويؤكد "سبرينجمان" أنه يجري حاليًّا العمل لوضع ملصقات للأغذية تحوي هذه المعلومات. كما أن هناك مطالبة للحكومات بتنظيم علاقة الغذاء بالبيئة؛ لتشجيع المستهلكين على اختيار أغذية صحية تحقق استدامة البيئة. ولتحقيق ذلك، لا بد من مراجعة الدليل القومي للإرشادات الغذائية، ونشر الملصقات التوضيحية على الأغذية، وتعديل سياسات الشراء وقوائم الأصناف في المدارس، وفق قوله.