خوف، وقلق، وفقدان للوعي، وصرخات أصوات مخيفة تدق الآذان، تتبعها تشنجات لا يمكن السيطرة عليها في الذراعين والقدمين، تنميل، ودوار، وعجز عن السيطرة على المثانة، وتداخل عجيب لأضواء ساطعة يمتزج فيها الوهم بالحقيقة، بصورة تُرجعها ثقافات بعض المجتمعات إلى ما تطلق عليه "مس الجن"، بينما يرجعه العلم إلى الإصابة بـ"الصرع"، الذي يعاني منه نحو 50 مليون شخص حول العالم، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.

يحكي "سامح" –ذو الأربعين عامًا والذي يعمل موظفًا للأمن- معاناته مع "الصرع"، التي امتدت لأكثر من 15 عامًا، قائلًا: أشعر بأن عاصفة رعدية كهربائية أصابت رأسي، تعرضتُ للسقوط عدة مرات، كان آخرها سقوطي بجوار حمام السباحة في أحد النوادي الشهيرة بالقاهرة، ما أدى إلى إصابتي بجرح غائر في الرأس.

تداهم نوبات الصرع "سامح" -الذي رفض ذكر اسمه صراحة- بعنف دون سابق إنذار، ليستيقظ في حالة إعياء شديد دون أن يتذكر شيئًا مما حدث، ورغم انتظامه في تناول العقاقير المعالجة للصرع، إلا أن هذا الداء أصبح يؤثر تأثيرًا واضحًا على ذاكرته وتركيزه، وفق تصريحاته لـ"للعلم".

"سامح" –رغم بساطته- في عواصفه الرعدية التي لخص بها معاناته من "الصرع"، ربما لا يقل فصاحةً عن الروائي الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي، الذي وصف "الصرع" بأنه "حالة بين الحياة والموت"، وهو وصف لم يكن بعيدًا عن تجربة عاشها "دوستويفسكي" نفسه؛ إذ ذهب كثيرون إلى أنه أصيب بالصرع في اللحظة نفسها التي علم فيها بوفاة والده.

محاولات علمية متواصلة

وما بين ثقافات شعبية "موروثة" وتصورات فلسفية حول "الصرع" الذي منحه الطبيب الإغريقي جالينوس بُعدًا دينيًّا، مشددًا على أنه "يضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ"، لا تتوقف محاولات العلماء لفك طلاسم ذلك الاضطراب المزمن الذي يصيب الدماغ ويتأثر به الأشخاص من جميع الأعمار.

وفي السياق، أكدت دراسة أجراها باحثون من جامعة "ماكجيل" الكندية أن "نقص المادة الرمادية الناتج عن الصرع يزداد في المناطق التي فيها نشاط مكثف من تبادل الإشارات بين عصبونات الشبكة العصبية أو الاتصال فيما بينها".

يقول بوريس برنهارد -أستاذ أمراض المخ والأعصاب المساعد بجامعة ماكجيل، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": تمثل الدراسة تقدمًا كبيرًا في فهم آليات حدوث "الصرع" وإمكانية التعامل معه، وتُظهر أن ضمور الدماغ (المَقيس بالتصوير بالرنين المغناطيسي) في متلازمات الصرع الشائعة مرتبط بكيفية اتصال الشبكات العصبية في الدماغ؛ فعلى سبيل المثال، وجدنا أن مناطق الدماغ التي فيها العديد من المحاور تُظهر ضمورًا ملحوظًا لدى مصابي الصرع أكثر من المناطق ذات المحاور القليلة، وأن هذه المناطق كانت مختلفة في الصرع البؤري عنها في الصرع العام.

الصرع.. وأرقام صادمة

يُعرف الصرع بأنه "حالة مرضية مزمنة تصيب الأعصاب وتنتج عن اختلال النشاط الكهربائي في الدماغ، مما يؤدي إلى اختلال وعي المريض الذي يظهر على شكل نوبة، وعادةً ما يكون مجهول الأسباب، وهو اضطراب في الجهاز العصبي المركزي، فيه يُصبِح نشاط الدماغ غير طبيعيٍّ، مُسبِّبًا حدوث نوبات أو فترات من السلوكيات والأحاسيس غير العاديَّة، وأحيانًا فقدان الوعي، ويمكن أن يُصاب أيُّ شخص بالصرع، ويُؤثِّر الصرع على كلٍّ من الذكور والإناث من جميع الأعراق والخلفيات والأعمار".

ويصنِّف الأطباء نوبات الصرع بشكل عام إلى "بؤرية ومعمَّمة، بناءً على الطريقة التي يبدأ بها الدماغ نشاطه غير الطبيعي، فعندما تنجم النوبات البؤرية عن نشاط غير طبيعي في جزء واحد فقط من الدماغ يُطلَق عليها عندئذٍ النوبات البؤرية (الجزئية)، تُقسم هذه الاختلاجات إِلى صنفين اثنين، هما: الاختلاجات البؤرية التي لا تُسبب فقدان الوعي، والاختلاجات البؤرية التي تؤدي إلى فقدان الوعي، أما الاختلاجات المعممة فتُصيب جميع أجزاء الدماغ بنوبات الاختلاج المعممة".

ووفق تقرير منظمة الصحة العالمية الصادر في عام 2019، فإن "نسبة عموم السكان المصابين بالصرع النشيط (أي استمرار النوبات أو الحاجة إلى العلاج) تتراوح ما بين 4 و10 أشخاص لكل 1000 نسمة، ومع ذلك فإن بعض الدراسات التي أُجريت في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تشير إلى أن النسبة أعلى من ذلك، بحيث تتراوح بين 7 أشخاص و14 شخصًا لكل 1000 نسمة".

وعلى الصعيد العالمي، تشخَّص إصابة ما يقدر بنحو 2.4 مليون شخص بالصرع سنويًّا، وفي البلدان المرتفعة الدخل، تبلغ حالات الإصابة السنوية الجديدة بين 30 و50 حالة لكل 100 ألف نسمة بين عموم السكان، أما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، فيصل العدد إلى الضِّعف.

تأثير سلبي على بنية الدماغ

استخدم فريق الدراسة، التي نشرتها دورية "ساينس أدفانسيس" (Science Advances)، بيانات 1021 شخصًا مصابًا بالصرع و1564 عنصر تحكم (مجموعة ضابطة لا يعاني أفرادها من الصرع)، وذلك من 19 موقعًا حول العالم مأخوذة من قاعدة البيانات (ENIGMA)، وهي قاعدة بيانات للتصوير العصبي متاحة للباحثين في إطار مبادئ العلم المفتوح، وقد مكنت هذه البيانات الباحثين من رسم خريطة لمناطق ضمور المادة الرمادية في الدماغ لدى المصابين بالصرع.

كما استعان الباحثون بالبيانات التي يتيحها "مشروع الاتصال الإنساني" (Human Connectome Project)، وهو مشروع أُطلق في يوليو من عام 2009، ويحتوي على بيانات خاصة بشبكة الخلايا العصبية لدى عدد كبير من الأشخاص الأصحاء؛ بهدف تتبُّع مسارات الدماغ الرئيسية وتوفير مجموعة لا مثيل لها من البيانات العصبية، بما يتيح للباحثين التنقل بين هذه البيانات وتحليلها والتعرُّف على خفايا الدماغ البشري الحي.

وقد افترض فريق الدراسة أن ضمور المادة الرمادية قد يحدث في كثير من الأحيان في مناطق الدماغ التي تشهد نشاطًا عصبيًّا كثيفًا، أي في "المحاور العصبية"، وهي امتدادات للخلايا العصبية تنقل النبضات الكهربائية بعيدًا عن جسم الخلية، ومن خلال تحليل نتائج البحث، أظهر النموذج الذي صممه الباحثون أنه من الممكن التنبؤ بالضرر الذي يلحق بالمادة الرمادية بسبب الصرع بمرور الوقت.

يقول "برنهارد": إن المحاور تُسهم في نقل الإشارات العصبية ولديها مرونة عالية ونشاط أيضي، ما يجعلها عُرضةً للضمور بسبب الصرع؛ إذ يستهلك الصرع الوصلات العصبية الموجودة في الدماغ، وتشير نتائجنا -التي استعنَّا فيها ببيانات من مواقع متعددة- إلى أن عمليات الاتصال بالدماغ قد تُسهم في حدوث تأثير للصرع على بنية الدماغ بالكامل.

صرع العظماء

والعجيب أن الصلة المحتملة بين الصرع والعظمة أذهلت العديد من كتاب السير الذاتية والأطباء لعدة قرون؛ ففي رسالته عن الصرع، يشير الطبيب الفرنسي جان تاكسيل إلى أن قائمة العظماء المصابين بالصرع ضمت أرسطو، وهيراكليس، وبيليروفون، وسقراط، وأفلاطون، وإمبيدوكليس، وماراكوس، وغيرهم من الفلسفة، كما ضمت قادةً عسكريين مثل يوليوس قيصر ونابليون، وشملت فنانين عظماء مثل الرسام الإيطالي الشهير مايكل أنجلو والموسيقار الألماني جورج فريدرك هاندل، إضافة إلى العالِم ألفريد نوبل، كانوا جميعًا يعانون من نوبات الصرع التي كانت تعتريهم على نحوٍ مفاجئ، وفق "تاكسيل".

يقول هشام عبد الحميد تهامي -أستاذ علم النفس الفسيولوجي والإكلينيكي بجامعة بني سويف- في تصريحات لـ"للعلم": الفترة الأخيرة شهدت ظهور دراسات عديدة تمثل تقدمًا معرفيًّا وعلميًّا في مجال التعرُّف على الصرع، ويمكن لنتائجها أن تمهد الطريق لعلاجات جديدة.

وأضاف "تهامي": في عام 2020، ذكرت دراسة اعتمدت على تصوير الأدمغة باستخدام "التصوير بالرنين المغناطيسي" ونشرتها دورية "برين"، أن "الصرع تصاحبه تشوهات منتشرة في المادة البيضاء في المخ، مما يقدم رؤى أكثر تفصيلًا حول الأسس الباثولوجية التي يمكن من خلالها تفسير الاختلالات المعرفية والنفسية المصاحبة للصرع، كما يمكنها توجيه الأبحاث الوراثية ودراسات العلامات البيولوجية لنتائج العلاج".

ويتابع: تُعد الدراسة الجديدة بالغة الأهمية؛ لأنها لم تبحث فقط في الجزء التشريحي الخاص بالدماغ، لكنها استعانت بتقنيات تصوير الرنين المغناطيسي، ما ساعد الباحثين على رصد أنماط الاتصال داخل الدماغ أيضًا.

خطوة مهمة

يعلق "برنهارد" قائلًا: على الرغم من تقدم البحث العلمي في السنوات الأخيرة في الكشف عن الدور المحتمل لعمليات الاتصال داخل الدماغ وعلاقتها ببعض الاضطرابات مثل الصرع، لا يزال هناك العديد من الأشياء المجهولة، مثل كيفية تأثير اضطرابات -مثل الصرع- على بنية الدماغ، التي تبدو معقدةً للغاية، حتى في "متلازمات الصرع" مثل صرع الفص الصدغي (أحد أكثر أنواع الصرع المقاوِمة للأدوية شيوعًا عند البالغين)، غالبًا ما تتعرض هياكل الدماغ خارج الفص الصدغي للخطر، وفي العمل الحالي، أظهرنا أن رسم خرائط لاتصالات الدماغ البشري يمكن أن يساعد في فهم تأثير متلازمات الصرع المختلفة على بنية الدماغ.

في السياق ذاته، تشدد دراسة، نشرها موقع "بي إم سي" (PMC) التابع لـ"المعاهد الوطنية للصحة بالولايات المتحدة الأمريكية"،على أن هناك حاجة ماسة إلى اكتساب رؤى جديدة حول خصائص الشبكات العصبية بالدماغ المرتبطة بنوبات الصرع التي تشمل أكثر من منطقة واحدة من مناطق الدماغ، وتحديد المنطقة المولِّدة للصرع بدقة باعتبارها هدفًا للجراحة التي قد يحتاج إليها 30% من المصابين بالصرع.

وتؤكد الدراسة أن "هناك حاجة ملحة إلى تطوير تقنيات أكثر كفاءة، قادرة على معالجة الحجم المتزايد لبيانات الإشارات الكهربية؛ للتعرُّف –بصورة أكبر- على منطقة بداية نوبات الصرع".

ورغم الإضافات الجديدة التي توصَّل إليها الباحثون لكشف مزيد من الغموض حول الصرع، يتطلع "برنهارد" إلى مزيد من التعاون العالمي في مبادرات مثل ENIGMA من أجل رسم خريطة قوية لتأثير أمراض مثل الصرع على بنية الدماغ.

يقول "برنهارد": هذه الخرائط الخاصة ببنية الشبكات العصبية في الدماغ يمكن أن تساعدنا في فهم كيفية تأثير متلازمات الصرع المختلفة على الدماغ، والرؤى المستمدة من الأبحاث التي تعتمد على البيانات الضخمة يمكن أن تصبح مفيدةً أيضًا في دراسة حالة كل مريض على حدة في نهاية المطاف، وقد نحتاج في الأبحاث المستقبلية إلى إجراء دراسات طولية؛ بهدف تقييم كيفية تغيُّر بنية الدماغ لدى المصابين بالصرع بمرور الوقت، وكيف ترتبط هذه التأثيرات بالتحكُّم في النوبات والوظائف الإدراكية للدماغ، من جهته، يعلق مجدي الهواري –الحاصل على الدكتوراة في جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري من جامعة باول ساباتييه الفرنسية- على نتائج الدراسة قائلًا: وفقًا لهذه الدراسة، كلما تقدم عمر المريض، وكلما كان تاريخ المرض أطول، أدى ذلك إلى ضمور أكثر في مناطق متعددة في المخ، كالفص الصدغي والفص الجداري للمخ، ومناطق الحركة والإحساس والمهاد.

يضيف "الهواري" في تصريحات لـ"للعلم": هذه المناطق كلها تُعد شبكات تواصل عالية، يمكن مقارنتها مثلًا بمحطة قطار رئيسية، تحدث فيها حركة كثيفة بالمقارنة بمحطات القطار الأخرى في المحافظات، ورغم أن هناك شبكات كثيرة في المخ، لكن هذه المناطق تعتبر مثل المحطات الرئيسية للقطار، وبالتالي نطلق على تلك المناطق مصطلح "المحاور"؛ لما تتمتع به من شبكات تواصل عالية.