مع استمرار تزايُد حالات الإصابة بـ"كوفيد-19" على مستوى العالم، يسعى العلماء لفهم كيفية تأثير الطقس على انتشار فيروس كورونا، خاصةً مع اقتراب موسم الشتاء وانتشار فيروسات بعينها مثل الإنفلونزا، وتحديدًا في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، الذي سيشهد قريبًا انخفاضًا في درجات الحرارة.

وفي السياق، نشرت دورية "فيزيكال أوف فلودز" (Physical of Fluids) اليوم "الثلاثاء"، 22 سبتمبر، دراسةً ركزت على بحث تأثيرات الرطوبة النسبية ودرجة الحرارة وسرعة الرياح على حيوية الفيروس.

يقول "ديمتريس دريكاكس" -أستاذ ميكانيكا الموائع والعلوم الحسابية بجامعة "نيقوسيا" القبرصية، والباحث الرئيسي في الدراسة- في البيان الصحفي الذي حصلت "للعلم" على نسخة منه: وجدنا أن التبخر يُعَدُّ عاملًا حاسمًا في انتقال الجسيمات المُعدية المغمورة في السحب التي تكوِّنها قطرات اللعاب، ومن خلال فهم أفضل لعلاقة التبخُّر بتأثيرات المناخ، يمكن التنبؤ بدقة أكبر بتركيز الفيروس وتحديد حيويته أو قدرته على البقاء حيًّا بشكل أفضل.

يتحول الماء من حالته السائلة بالمسطحات المائية المالحة أو العذبة إلى الحالة الغازية (بخار الماء) داخل الغلاف الجوي بواسطة عملية التبخُّر التي تحدث في أي درجة حرارة ولكنها تنشط كلما ارتفعت درجة الحرارة وزادت سرعة الرياح، كما يتحول الماء الموجود في أجسام النبات إلى بخار ماء يدخل الغلاف الجوي بواسطة عملية النتح، وتتحد كلتا العمليتين التبخر/النتح معًا وتتحكم في نسبة بخار الماء الموجود في الجو، فيما يُعرف بالرطوبة النسبية.

وعلى الرغم من أهمية انتقال القطرات المحمولة جوًّا، فإن الأبحاث المتعلقة بالحرارة وانتقال الكتلة حول قطرات الجهاز التنفسي المحتوية على الفيروس وداخلها كانت نادرة. ولمواجهة هذا التحدي، طور الباحثون ارتباطات نظرية للتبخر غير المستقر لقطرات اللعاب الملوثة بفيروس كورونا، وقاموا بتطبيق النظرية في منصة ديناميكيات الموائع الحسابية المتقدمة ودراسة تأثير الظروف الجوية على انتقال الفيروس عبر الهواء.

يقول "دريكاكس" في تصريحات لـ"للعلم": تمثل هذه المنصة أحدث أساليب المحاكاة الحاسوبية، وتُستخدم مع البرامج المرتبطة بها للتنبؤ بتدفق السوائل وتفاعلها مع القطرات؛ إذ تلتقط أساليب ديناميكيات الموائع الحسابية (CFD) الفيزياء المعقدة لحركة السوائل والقطرات، مع مراعاة الظواهر الفيزيائية، مثل التبخر والقطرات وتفاعل القطرات والسوائل.

من جهته، يقول "طالب ديبوك"، باحث أول بمعهد الدفاع والأمن بجامعة نيقوسيا، والمشارك في الدراسة: وجدنا أن ارتفاع درجة الحرارة وانخفاض الرطوبة النسبية يؤديان الى التبخر بمعدلات عالية لقطرات اللعاب الملوثة بالفيروس، مما يؤثر بشدة على قدرة الفيروس على البقاء حيًّا.

إلى ذلك، لاحظ الباحثان أن مسافة الانتقال وتركيز السحابة التي تكوِّنها قطرات الفيروس تُعَدَّان ذات أهمية، حتى في درجات الحرارة المرتفعة إذا كانت الرطوبة النسبية مرتفعة. كما تُعَد سرعة الرياح عاملًا آخر حاسمًا يمكنه تعديل جميع القواعد التي نصت عليها إرشادات التباعد الاجتماعي.

وتساعد نتائج الدراسة في فهم أسباب زيادة جائحة كورونا خلال شهر يوليو في المدن المزدحمة المختلفة حول العالم مثل دلهي، التي شهدت ارتفاعًا في كلٍّ من درجة الحرارة والرطوبة النسبية.

وتمثل النتائج أيضًا إنذارًا خطيرًا لاحتمال حدوث موجة ثانية من الجائحة في موسمي الخريف والشتاء القادمين، إذ تساعد درجات الحرارة المنخفضة وسرعة الرياح العالية على زيادة فرص انتقال الفيروس وبقائه حيًّا في الهواء.

وتوصي الدراسة بأهمية التباعد الاجتماعي واستخدام أقنعة الوجه لمنع الانتشار الكبير للفيروس. وتعكس النتائج أهمية الظروف الجوية بالنسبة لبقاء الفيروس حيًّا، مما يُسهم في وضع معايير للتعامل في كلٍّ من البيئات الداخلية والخارجية؛ لتقليل انتقال الفيروس المحمول جوًّا في الأماكن العامة والخاصة.

يقول "دريكاكس": يجب اتباع مجموعة من الإرشادات لخفض معدل انتقال الفيروس المحمول جوًّا خلال موسمي الخريف والشتاء، ومنها الاعتماد على التهوية الطبيعية، والالتزام بالتباعد الاجتماعي بمقدار مترين في حالة عدم وجود تيار هواء، أما في حالة وجود سرعة رياح أو هواء شديد فيجب أن تزيد مسافة التباعد إلى 6 أمتار وفق سرعة الريح.

ويتابع: يجب أيضًا تجنُّب الرطوبة النسبية العالية والأماكن المزدحمة، وارتداء كمامات الوجه الواقية، وخاصةً في الحالات التي لا يمكن فيها تجنُّب الاختلاط بآخرين، وهذا أيضًا ما توصلت إليه دراسة عن كمامات الوجه.