نقاط جدلية عديدة أثارتها دراسة حديثة، أعدها 12 باحثًا بجامعات من 5 قارات مختلفة، تحت عنوان "دليل عالمي على التحيز الأخلاقي الحدسي المتشدد ضد الملحدين"، إذ يعتقد كلٌّ من المتدينين والملحدين اعتقادًا بدهيًّا أن مرتكبي الأعمال غير الأخلاقية المتطرفة هم على الأرجح ملحدون، وذلك وفق الدراسة المنشورة على الإنترنت في نيتشر هيومن بيهيفير Nature Human Behaviour لهذا الأسبوع.

خلصت الدراسة إلى أن هذا التحيز ضد الملحدين موجود في معظم البلدان الـ13 التي شملتها الدراسة، سواء الدينية منها والعلمانية، وأنه على الرغم من تراجُع مستويات التدين في العديد من البلدان، فإن شيوعه لآلاف السنين ولَّد الفكرة السائدة بأن الأخلاق تتطلب وجود معتقد ديني لدى أصحابها.

وتقول الدراسة إن التحيُّز ضد الإلحاد ينبع جزئيًّا من شعور متجذر داخل المجتمعات بأن الدين يؤدي دورًا ضروريًّا في ترسيخ الأخلاق، وأن ارتفاع مستويات علمانية الدول الغربية لم يمنع التحامُل ضد الملحدين، وأن الشكوك الأخلاقية الراسخة ضدهم تعبر عن استمرارية تأثير العامل الديني على الأحكام الأخلاقية، وعن وجود شكوك أخلاقية عميقة في الأفراد الذين لا يؤمنون بالأديان.

وأظهرت الدراسة أنه على الرغم من الأدلة المتصاعدة التي تدعم دعاوي طويلة الأمد تقول بأن الديانات تهيئ لمد شبكات التعاون بين الأفراد والمجتمعات، إلا أن مكوِّن الدين قد يفاقم أيضًا الصراع مع أولئك الذين يختلفون مع بعضهم دينيًّا، فضلًا عن تعزيز الصراع بين الجماعات والتحامُل الضمني ضد "غير المؤمنين".

وبينت الدراسة أن تزايُد القلق من التحيز ضد الملحدين في المجتمعات العلمانية بات يؤثر على فرص العمل والانتخابات والحياة الأسرية والإدماج الاجتماعي الأوسع نطاقًا.

اعتمدت الدراسة على عينة من 13 بلدًا غطت قارات أوروبا وآسيا وأمريكا وأستراليا وأفريقيا، وهي: الصين وجمهورية التشيك وفنلندا وهونج كونج والهند وهولندا ونيوزيلندا وسنغافورة والمملكة المتحدة وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية.

وكانت الإمارات العربية المتحدة، الدولة العربية الوحيدة، من بين الدول التي شملتها الدراسة وجرى استطلاع آراء مواطنين منها لقياس مدى الثقة بفئة "الملحدين"، فيما كانت موريشيوس الدولة الأفريقية الوحيدة.

وكانت دراسة صادرة عن "منتدى بيو فوروم للدين والحياة العامة" في عام 2012 قد كشفت أن أكثر من 84% من سكان العالم يتبعون الأديان السماوية، أو من المؤمنين باعتقاد أو بشيء ما، أما الباقي فلا يؤمنون بشيء على الإطلاق، كما صنفوا هم أنفسهم في حملة أجْرَت أكثرَ من 2500 إحصاء في 230 دولة ومنطقة جغرافية بالعالم.

الإلحاد وعدم الالتزام الأخلاقي

اختبر ويل جيرفايس -أستاذ علم النفس بجامعة كنتاكي، والباحث الرئيسي في الدراسة- وفريقه البحثي التصور القائل بوجود صلة بين الإلحاد وعدم الالتزام الأخلاقي في أكثر من 3000 شخص من 13 بلدًا مختلفًا في 5 قارات، تتراوح بين مجتمعات دينية (على سبيل المثال: الإمارات العربية المتحدة والهند) إلى علمانية (على سبيل المثال: الصين وهولندا).

ولتقييم التحيز ضد الملحدين، قدموا للمشاركين وصفًا لشخص غير أخلاقي يعذب الحيوانات في البداية ويقتل الناس في نهاية المطاف. ثم سئل نصف المشاركين عما إذا كان من المحتمل أن يكون الجاني: (1) معلمًا، أو (2) معلمًا مؤمنًا.

وبالنسبة للنصف الآخر، كان الخيار (2) معلمًا لا يؤمن بالله. ثم قام الباحثون بقياس عدد المرات التي اختير فيها الخيار (2) على الخيار (1) في كل مجموعة.

وجد الباحثون أن مَن يعتقدون أن الأفعال غير الأخلاقية المشينة تأتي ممثلة للملحدين أكثر مرتين تقريبًا من المؤمنين (باستثناء فنلندا، وإلى حد أقل، نيوزيلندا)، وأن المشاركين الملحدين يُظهرون أيضًا التحيز نفسه ضد فئة الملحدين.

وتكشف الدراسة عن أن الشكوك الأخلاقية البدهية تجاه الملحدين -وإن لم تكن عالمية- منتشرة ثقافيًّا، وتظهر في كلٍّ من المجتمعات العلمانية والدينية، وبين المؤمنين والملحدين على السواء. كما أنه يكشف عن تبايُن كبير بين التصورات العلمية والانطباعات الذاتية لدى الأفراد عن العلاقة بين الدين والأخلاق، على الرغم من أن الدراسات تشير إلى أن الغرائز الأخلاقية الأساسية تبدو وكأنها مستقلة إلى حد كبير عن الدين، إلا أن التصورات القائلة بوجود صلة ضرورية بين الأخلاق والدين تبدو قوية جدًّا.

التفسير والدوافع

يقول ويل جارفيس لـ"للعلم": "يبدو أن عدم الثقة بالملحدين ينبع إلى حد كبير من رؤية الناس للدين والأخلاق".

ويضيف: "كثير من الناس في جميع أنحاء العالم، وربما معظمهم، يفترض أن الدين مصدر الأخلاق، فإذا كنت تفترض أن التدين عنصر ضروري من عناصر تحلي الشخص بالأخلاق، فإن الملحدين سوف يبدون لهؤلاء -بطبيعة الحال- مثل نماذج شاذة لا يمكن الوثوق بها".

وفيما يتعلق بما إذا كانت هناك اختلافات واضحة بين مَن جرى استطلاع آرائهم في دولة عربية كالإمارات وأخرى غربية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، يقول جارفيس: "للأسف لم يكن لدينا عينة كبيرة من البلدان العربية في ورقتنا البحثية هذه، لذلك من الصعب التكهن بهذه النقطة".

ويضيف: لقد وجدنا أن عدم الثقة بالملحدين كان أكثر وضوحًا بشكل عام في البلدان الأكثر تدينًا، واتضح هذا بجلاء عبر بلدان ذات خلفيات دينية متنوعة، موضحًا أنه في جميع البلدان ذات الأغلبية المسيحية والمسلمة والهندوسية، نجد أنه كلما كان الدين أكثر انتشارًا، كانت عدم الثقة الأخلاقية بالملحدين بارزة أكثر.

ويشدد جارفيس على أن "نتائج الدراسة أظهرت أن الناس في عديد من البلدان لا يثقون أخلاقيًّا بالملحدين، على الرغم من أنه ليس في الواقع دليل علمي على هذا الارتباط، وعلى أن الملحدين فئة يجب ألا تكون موضع ثقة من قِبَل الآخرين".

الملحدون والمجتمعات العلمانية

وأظهرت الدراسة أن عدم الثقة الأخلاقية بالملحدين واضحة على الصعيد العالمي، سواء على نطاق المجتمعات المتدينة أو على نطاق المجتمعات شديدة العلمانية، وأنه على الرغم من أن هذه البلدان يقل فيها التدين العلني في كثير من المواقف، إلا أن الدين لا يزال يترك علامة عميقة ودائمة على الحدس الأخلاقي البشري داخلها.

وتتوقع نظريات التطور الديني أن التحيز ضد الملحدين قد يستمر حتى في الثقافات العلمانية، إما كجزء من التعدیلات التي تربط العقيدة بالتعاون داخل الجماعات البشرية، أو كنتيجة لانتقال الثقافات وترسيخ الديانات. ووفق الدراسة، فإن هناك علاقة بين مستويات العقيدة الدينية على مستوى أي بلد والأحكام الصريحة بأن الأخلاق تتطلب التدين فيه

وتشير الدراسة إلى أنه على الرغم من أن المجتمعات العلمانية من بين أكثر مجتمعات الأرض استقرارًا وتعاونًا، فإن النتائج التي توصلت إليها تكشف عن وجود عدم ثقة -بصورة متسعة- تجاه الملحدين، كما تُظهر ميلًا إلى فكرة أن الأخلاق تتطلب اعتقاد وجود الإله، إذ كانت إجابات مَن استُطلعت آراؤهم في هذا الشأن، تدور حول أنه من دون وجود الله "يصبح كل شيء مباحًا، ويكون بمقدور الشخص فعل أي شيء"، إذ يشير مصطلح "فعل أي شيء" إلى شدة التطرف غير الأخلاقي.

وتتفق نتائج الدراسة الحالية مع أخرى سابقة أعدها جارفيس، وانتهى فيها إلى أن السبب المركزي في التمييز ضد الملحدين يرجع إلى عدم الثقة بأخلاقهم ونزاهتهم، وأن أصحاب العمل يميلون لعدم توظيف الملحدين في الوظائف التي تتطلب قدرًا من الأمانة والنزاهة؛ لأنهم يرون أن الإيمان بوجود الله يجعلهم يشعرون بأنهم مراقبون من قِبَله، ما ينعكس على أفعالهم.(1)

وفي هذا الصدد، يقول أحمد زايد -أستاذ علم الاجتماع والعميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة القاهرة-: "إن التركيز على فكرة انعدام ثقة المجتمعات شديدة العلمانية بالملحدين يمثل نكرانًا لحقيقة ثابتة، وهي أن المجتمعات العلمانية لا تعني البُعد عن الدين، وإنما تعني العيش من أجل الحياة، كما أنها لا تعني اختفاء الدين، فالدين موجود بهذه المجتمعات ويؤدي وظيفته بها"، وفق رأيه.

من جانبه، يرفض زايد هذا التوجه السائد حول فكرة الربط بين التدين والأخلاق، قائلًا لـ"للعلم": "من الصعب الحكم بأن شخصًا ما منعدم الأخلاق من منطلق توجهاته الفكرية أو العَقَدية".

النظرة الاستباقية

يذهب كوري كوك -الطبيب المختص بطب النفس الاجتماعي في جامعة واشنطن- في دراسة له تحت عنوان "ماذا لو كانوا على حق حول الحياة الآخرة؟" إلى ما هو أبعد، مشيرًا إلى أن "النظرة الاستباقية المعادية للملحدين تمثل تهديدًا وجوديًّا لهم".(2)

من جانبها، قالت ناظلي فريد -الاستشاري النفسي والمعالج السلوكي- لـ"للعلم": إن "عدم التسامح مع المختلف، سواء لاختلافات في العقيدة أو الجنس أو اللون، ينبع من الخوف من الآخر". وترى أنه ليس من حق أحد فرض وصايته على الآخر أيًّا كانت أفكاره أو معتقداته، كما أنه ليس من حقنا أن نمنح أنفسنا صلاحيات الحكم على الآخرين.