ذهبت ورقة بحثية أعدها باحثون في علم الأدوية العصبية إلى ضرورة إعادة النظر في استخدام بعض العقاقير المخدرة التي تم حظرها قبل أكثر من 50 عامًا، معتبرين أن "حظرها كان بسبب مكائد سياسية استهدفت الحرب على الأدوية".

يقول "ديفيد نات"، الخبير في علم الأدوية العصبية في "إمبريال كولدج" في لندن، والمشارك في الورقة البحثية: إن "هناك بيانات أولية واعدة جدًّا نتيجة استخدام الأدوية المستخلصة من أنواع الفطر مثل "البسيلوسيبين" لعلاج القلق والاكتئاب والتدخين وإدمان الكحول، والأمر نفسه بالنسبة لعقار "الإكستاسي" (MDMA)، الذي يُستخدم لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة وإدمان الكحول".

يضيف "نات": أدت هذه النتائج إلى اعتماد "وكالة الأدوية الأوروبية" للعقار الأول في المرحلة الثالثة من علاج حالات الاكتئاب المقاومة للعلاج، واعتماد "إدارة الغذاء والدواء" الأمريكية للعقار الثاني في علاج اضطراب ما بعد الصدمة. وإذا أسفرت هاتان التجربتان السريريتان -التي سيُعلَن عنهما العام الحالي- عن نتائج إيجابية، فسوف يتم اعتماد هذين العقارين للعلاج قريبًا.

ويرى الباحث المشارك "روبين كاهارت-هاريس" أن استكشاف ما يحدث للمستقبلات التي تتأثر بهذه الأدوية في المخ وانعكاسها على الصحة العقلية يعتبر ثورة، مضيفًا أن "مصطلح ثورة يعكس أهمية اكتشاف أساليب علاجية جديدة للاضطرابات النفسية؛ إذ إن البحث العلمي في هذا المجال بطيء للغاية. وباستثناء "مضادات أوريكسين" المستخدمة لعلاج الأرق، فإن الأدوية الحالية مشتقة من عقاقير تم اكتشافها في خمسينيات القرن الماضي بالصدفة وتطويرها من خلال التعديلات الصيدلانية، وهناك حاجة مُلحة إلى وجود برنامج مشترك متعدد المستويات والتخصصات؛ لبحث الآليات التي تقوم عليها نتائج الدراسات التي ستُعلن نتائجها العام الحالي.

يقول "نات" في تصريحات لـ"للعلم": العلاج بالأدوية المخدرة يستمر مدى الحياة لعدد محدود من المرضى، في حين أن تأثير هذا العلاج يتلاشى بعد شهور في غالبية المرضى، ما يتطلب تكراره ربما مرتين سنويًّا. وأظهرت تقنيات تصوير المخ أن نشاط العقاقير المخدرة يتم بواسطة مستقبِلات في خلايا المخ تُسمى (5-HT2A)، وأن هناك كثافة عالية لهذه المستقبلات في الجزء المسؤول عن التفكير في المخ.

وتشير الورقة البحثية التي نشرتها دورية "سيل" اليوم "الخميس 2 إبريل" إلى أن الجزء الرئيسي من المخ الذي يتم تعطيله باستخدام الدواء المخدر هو "شبكة الوضع الافتراضي"، وهى منطقة تنشط في أثناء أحلام اليقظة واستدعاء الذكريات والتفكير في المستقبل، أي عندما يكون الذهن شاردًا. وتكون هذه المنطقة نشطة جدًّا لدى الأشخاص الذين يعانون اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق. ويبدو أن للأدوية المخدرة آثارًا طويلة المدى على المخ بتنشيط مستقبلات "5-HT2A" في هذه المنطقة من المخ.

ويسلط "نات" الضوء على الإمكانيات المبكرة لعلاج إدمان الكحول بالأدوية المخدرة، مضيفًا: "يتسبب هذا النوع من الإدمان في وفاة واحد من كل 20 شخصًا سنويًّا على مستوى العالم، وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية، وتوقُّف البحث العلمي في هذا المجال يُعَد إهانة كبيرة للبشرية؛ بسبب مخاوف سوء استخدام هذه الأدوية، ما يستوجب سرعة التقييم السريري المناسب لهذه الأدوية؛ من أجل إتاحة استعمالها لإنقاذ حياة المرضى".