ذكرت ورقة علمية نشرتها دورية "نيتشر هيومن بيهيفير" (Nature Human behavior) اليوم "الإثنين"، 5 نوفمبر، أن البيئة أدت دورًا مهمًّا وحاسمًا في تطور اللغات وتنوعها، علاوة على تعدد اللهجات وتباينها داخل المجموعات السكانية المختلفة.

يُعرف تطور اللغة بـ"التغيير التدريجي في لغة البشر مع مرور الوقت، وينطوي ذلك التطور على أصل اللغة واختلاف العائلات اللغوية، ويُمكن اعتباره مشابهًا للتطور البيولوجي، على الرغم من أنه لا يحدث بالضرورة من خلال الآليات نفسها".

ويُعد تطور اللغات إحدى أكثر القضايا المثيرة للجدل؛ ففي الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن تنوع اللغات ظاهرة هامشية تُخفي الوحدة الحقيقية لكل اللغات، وأن ذلك التنوع لا يستحق التدقيق العلمي، يرى آخرون أن عملية تطور اللغة إحدى العمليات العشوائية التي تضخمها العزلة الاجتماعية والجغرافية التي ينجم عنها اختلافات متزايدة بين اللغات، فيما يقترح آخرون أن اللغات تتكيف بطريقة ما مع الخصائص البيئية والفيزيائية المختلفة التي تؤدي إلى اختلاف بعض اللغات عن بعض.

يؤكد الفريق البحثي المشترك، المكون من علماء بجامعة "توبنجن" الألمانية و"معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري"، أن "التبايُن في البيئات واختلاف المناخ أسهَمَ في التنوع اللغوي، وأن التوزيع السكاني للبشر في أماكن مختلفة مسؤول عن تفاعُل مُتشابك بين البيئة واللغة يمكن أن يُعزى إليه اختلاف الألسنة".

ويرى الباحثون أن حجم الكتل السكانية والعوامل المناخية ومواقع تمركز السكان بالنسبة لخطوط الطول والعرض علاوة على البيئة التي يعيش فيها الإنسان من حيث مدى ارتفاعها عن سطح البحر قد تكون عوامل مؤثرة بقوة في تنوع اللغات واختلافها، ما أدى لوصول عدد اللغات المنطوقة في العالم الآن إلى نحو 7000 لغة.

وتشير الدراسة إلى أن "الطفرات المحايدة أسهَمَت هي الأخرى في تنوع اللغات واختلافها، لكن بمعزل عن البيئة والمناخ"، موضحةً أن "الطفرات المحايدة هي طفرات جينية لا تؤثر في قدرة الكائن الحي على البقاء أو التكاثر، ولا تُسهم بشكل كبير في التباين داخل الأنواع على المستوى الجزيئي".

من جهته، يقول "كريستيان بينز" -الباحث في جامعتي توبنجين وزيورخ، والمؤلف الأول لتلك الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن التنوع اللغوي يصعب وصفه بناءً على قوانين محددة أو نموذج معياري واحد يناسب جميع اللغات، ونرى أن العوامل البيئية أعطت دفعةً قويةً للتنوع؛ فعلى سبيل المثال، تُظهر القارة الأفريقية تنوعًا قويًّا على المحور الشرقي الغربي، وهو اتجاه انتشار البشر الأوائل نزولًا من هضبة الحبشة ووصولًا إلى المراعي الخصبة الغنية، أما في أمريكا الجنوبية والشمالية فتتباين الأسر اللغوية على طول المحور الشمالي الجنوبي الذي يشهد تغيُّرات مناخية وبيئية حادة".

ويضيف "بينز" أن "هناك بالطبع عوامل أخرى أسهَمَت في التنوع اللغوي، مثل الارتفاع عن سطح الأرض وحجم المجموعات السكانية، وقد قمنا بجمع بيانات عن 46 عائلة لغوية من جميع أنحاء العالم، وقارنَّاها بالبيانات البيئية، ثم اختبرنا توزيع تلك العوامل على عائلات اللغات، ووجدنا أن البيئة تؤثر بكل تأكيد على اختلاف اللغة، وعلى تنوع اللهجات أيضًا".

يُذكر أن الدراسة استغرقت أكثر من ثلاث سنوات، ويسعى الباحثون في المستقبل لدراسة الخصائص الاجتماعية والثقافية التى قد تؤثر على انتشار اللغة وتنوعها.