تعيش السحالي على قمم الجبال التي تشتد فيها الرياح وفي الغابات المطيرة الرطبة، بل وعلى حافة القطب الشمالي. وقد توصل فريق من الباحثين متعددي الجنسيات مؤخرًا إلى أن درجة الحرارة تُعد عاملًا مهمًّا في تطور السحالي التي تنتمي إلى فصيلة السحالي الحقيقية. وتشير النتائج التي توصلوا إليها إلى أن الأنواع التي تمكَّنت من التأقلم مع المناخ الدافئ قد حققت على مدار التاريخ مستوًى من التنوع الجيني أتاح لها الانتشار والتأقلم في نهاية المطاف مع المواطن البيئية المعتدلة والأكثر برودةً حيث تنتشر بكثافة هناك. وعلى النقيض من ذلك، ظلت الأنواع التي تأقلمت مع درجات الحرارة المنخفضة محصورةً في نطاقات جغرافية محددة، واحتاجت إلى ظروف بيئية خاصة. علاوةً على ذلك، تشير النتائج التي توصل إليها الفريق البحثي إلى أن هذا التأقلم ربما يكون قد أدى إلى نشوء جوانب ضعف فيسيولوجية، قد تُعرض أنواعًا معينة من السحالي للخطر على كوكب يزداد احترارًا.

يتحدث ميجيل فينسيس، من جامعة براونشفيج للتقنية في ألمانيا، عن هذا الاكتشاف قائلًا: "أردت التوصل إلى فهم أفضل للعوامل التي تحدد نطاق توزيع الأنواع". شكَّل فينسيس -بالتعاون مع كاترينا فولينبيرج فاليرو، من جامعة هال- فريقًا من المتعاونين الذين ينتمون إلى جامعات شتى من أنحاء العالم، من بينها جامعة القاضي عياض في المغرب، وذلك بهدف تحديد السمات البيولوجية الأساسية لدى 262 نوعًا من فصيلة السحالي الحقيقية، وتقييم تأثير العوامل المناخية على تطورها.

واستنادًا إلى بيانات جينومية وفيرة، أعاد الباحثون تشكيل أهم الأحداث في تاريخ هذه الفصيلة من السحالي، وأعدوا جدولًا زمنيًّا يُبين مراحل نشوء هذه الأنواع، ويكشف الروابط الوثيقة بين أنواعٍ من السحالي تبدو مختلفةً ظاهريًّا. يقول فينسيس: "لقد استطعنا التغلب على الكثير من النقاط الجدلية بشأن شجرة عائلة السحالي الحقيقية".

عقب ذلك ربط الباحثون تلك البيانات الجينومية بمقاييس فيسيولوجية خاصة بكل نوع، مثل درجة حرارة الجسم المفضلة، كما ربطوها ببيانات مناخية؛ بهدف الوقوف على كيفية تأقلُم الأنواع المختلفة مع مواطن بيئية متمايزة. وتشير النتائج التي توصلوا إليها إلى أن درجة الحرارة ومعدل الرطوبة كان لهما تأثيرٌ قوي على التطور؛ إذ أدى التنوع السريع في المناخات الأكثر دفئًا إلى نشوء أنواع تمكنت من الانتشار لاحقًا والتأقلم مع أنظمة بيئية معتدلة. وعلى النقيض من ذلك، يشير فينسيس قائلًا: "إن نطاقات توزيع سحالي المناطق الباردة كانت أصغر حجمًا، وكان تطورها الجيني أبطأ حدوثًا". كما أن هذه البيئات المنخفضة الحرارة قد أسهمت على ما يبدو في عمليات التأقلم الفيسيولوجية، التي أتاحت لهذه السحالي النمو في ظروف أكثر برودةً على نحو يفوق معظم الأنواع الأخرى التي تنتمي إلى فصيلة السحالي الحقيقية.

وتشير مارثا مونيوز -من جامعة ييل- إلى أن التحليل متعدد الجوانب الذي أجراه الفريق قد كشف النقاب عن ارتباطات مثيرة بين المناخ ونشوء الأنواع، ما يستدعي مزيدًا من البحث والاستقصاء، عبر دراسات ميكانيكية مكثفة تتناول كيفية تأقلُم السلالات المختلفة من السحالي الحقيقية مع مواطنها البيئية. وترى مارثا أن الرؤى الكاشفة التي يتوصل إليها الباحثون بشأن التاريخ التطوري لعدد هائل من أنواع السحالي الحقيقية التي تعيش في مناطقَ معتدلةٍ مثيرةٌ للغاية، إذ تقول: "لقد انصب تركيز الباحثين على السحالي الاستوائية، لكن هذا الفريق قد سلك مسلكًا مختلفًا، ووجد أن البيئات المناخية تؤدي هي الأخرى دورًا لا يقل أهميةً فيما يتعلق بالتأثير على وتيرة التنوع، وطريقة حدوثه في المناطق المعتدلة مناخيًّا".

ويتوقع القائمون على الدراسة أن عملية التأقلم هذه المدفوعة بدرجة الحرارة يمكن أن تكون ذات كلفة عالية. فتشير النتائج التي توصلوا إليها إلى أن الأنواع التي تطورت كي تنمو في مواطن استوائية أو أكثر برودةً على نحو "متطرف" نسبيًّا قد يكون لديها قدرة محدودة على التأقلم مع أي تغيُّرات إضافية في درجة الحرارة. واستنادًا إلى جوانب القصور هذه، يفترض الباحثون أن هذا قد يؤدي إلى تعريض تلك السحالي للخطر في عصر التغيُّر المناخي الذي تسبَّب فيه البشر.