اشتهر الملح بكونه أحد السموم البيضاء، ويُنصح بالحذر منه؛ لما يسببه الإفراط فيه من ارتفاع في ضغط الدم ومشكلات في القلب والجهاز الهضمي والكلى.

وتأتي الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر نيوروساينس" أمس الأول لتؤكد تلك المخاطر، كاشفةً في الوقت ذاته أن الإفراط في تناول الملح يؤثر أيضًا على قدرات المخ والذاكرة.

وكان باحثون بجامعة "وايل كورنيل" الأمريكية قد توصلوا إلى وجود علاقة بين القناة الهضمية والمخ، بحيث تؤدي نوعية الغذاء إلى رد فعل مناعي في الجهاز الهضمي، يحفز حدوث نقص في انسياب الدم في المخ، واضطراب في الأوعية الدموية للخلايا العصبية وضعف الإدراك.

ووجد الباحثون أن الأطعمة المالحة تؤدي إلى حدوث التهابات تحرم الدماغَ الأكسجينَ وتضر الخلايا العصبية، ما يرفع من احتمالات حدوث المشكلات السلوكية والعقلية، موضحين أن الملح الزائد في النظام الغذائي يقلل تدفُّق الدم في المخ، ويسبب خللًا في الخلايا البطانية للأوعية الدموية في الدماغ.

اعتمدت الدراسة على تغذية مجموعة من الفئران بمواد غذائية تتضمن "ملحًا زائدًا"، وتبيَّن أن القشرة المخية لم يحدث فيها أي تغيُّر أو خلل، كما لم يحدث أي خلل في منطقة الحُصيْن (منطقة مسؤولة عن تخزين المعلومات والخبرات الجديدة داخل المخ)، وأن الخلل نشأ عن تعرُّض تلك الفئران لنقص في إنتاج أكسيد النيتريك.

يقول "قسطنطينو ياديكولا" -أستاذ السكتة الدماغية والخرَف في جامعة "وايل كورنيل"، والباحث المشارك في الدراسة- لـ"للعلم": "لقد أدى النظام الغذائي الغني بالملح إلى حدوث الالتهاب الذي يرتبط بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وألزهايمر".

ويضيف أن "تغذية الفئران بطعام يحتوي على ملح زائد بنسب تتراوح من 8 إلى 16 ضعف المعتاد -وهو ما يماثل المعدلات العالية لاستهلاك الملح لدى البشر- أدت إلى ضعف الإدراك. ويحدث هذا التأثير نتيجة تراكُم نوع معين من الخلايا الليمفاوية في الأمعاء، يُطلَق عليه "Th17"؛ إذ تفرز كميات كبيرة من السيتوكينات مثل "إنترلوكين 17" ((IL17، حيث تنفذ هذه السيتوكينات إلى الدورة الدموية، وتؤثر على الخلايا التي تبطن الأوعية الدموية للمخ، وتثبط إنتاج أكسيد النيتريك".

ويؤدي هذا الأمر إلى الحد من وصول الدم للمخ، واختلال في وظيفة الخلايا العصبية، ما يتسبب في ضعف الإدراك. وتبين أن هذا التأثير الضار لا يمت بصلة لارتفاع ضغط الدم، لهذا فإن زيادة الملح في النظام الغذائي كفيلةٌ وحدها بإحداث خلل في وظائف المخ، وفق ياديكولا.

السر في أكسيد النتريك

ويوضح ياديكولا أن "أكسيد النيتريك شديد الأهمية لاسترخاء الأوعية الدموية بالمخ، مما يسمح بوصول دمٍ كافٍ إليه، ولهذا فإن نقص تدفُّق الدم الناتج عن قلة نسبته قد يعوق قدرة الخلايا العصبية عن أداء وظيفتها كما ينبغي، إذ إن وجوده يساعد هذه الخلايا على البقاء في حالة جيدة".

وأضاف أن أكسيد النيتريك ضروري لخلايا المخ؛ لتقويتها على المدى البعيد، مشددًا على أنه يعتقد أن ذلك يرتبط بالتعلُّم والذاكرة من الناحية الفسيولوجية العصبية.

وتقول دينا عبد الجواد زمزم -أستاذ المخ والأعصاب المساعد بكلية طب عين شمس- لـ"للعلم": "إن هناك دراسات تربط بين زيادة نِسَب الملح بالطعام والبكتيريا الضارة ونسبة أكسيد النتريك، الذي يُعَدُّ من عوامل إنتاج "الأسيتيل كولين"، وهي المادة المسؤولة عن الذاكرة، وبالتالي يؤدي نقصان هذه المادة إلى ضعف بالذاكرة والقدرات المعرفية العليا".

وتعزِّز نتائج الدراسة تحذيرات منظمة الصحة العالمية من الإفراط في استهلاك الملح؛ لما قد يتسبب فيه من زيادة الإصابة بارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسكتات الدماغية؛ إذ ذكرت أن الحد الآمن من الصوديوم يعادل 5 جرامات من الملح أو أقل من ملعقة صغيرة يوميًّا لمَن هم فوق 16 سنة، مشددة على أن 80٪ من مصادر الملح تأتي من أطعمة مثل الخبز والجبن والصلصات المعلبة واللحوم المعالجة والوجبات الجاهزة، كما وضعت هدفًا لتقليل استهلاك الملح في العالم بنسبة 30% بحلول عام 2025.

امكانية لإعادة التنظيم

ولكن الدراسة ذاتها تؤكد أن هذه الأضرار يمكن إبطال مفعولها بالعودة إلى نظام غذائي طبيعي، مرجحةً أن يكون الملح -وليس الالتهاب الذي يصيب هذه الخلايا- هو السبب في اضطراب أداء الأوعية الدموية للخلايا العصبية.

وعن تداعيات إبطال أثر الملح الزائد في الطعام وما ينتج عنه من أضرار على المخ والذاكرة، يقول ياديكولا: "إن إيقاف النظام الغذائي المالح لمدة شهر واحد لدى الفئران أدى إلى عودة الإدراك إلى حالته الطبيعية دون ترك أي آثار جانبية، ومن ثَم فإن تنظيم استهلاكه لدى الإنسان يؤدي إلى تحسُّن وظيفة الخلايا العصبية، كما يحسِّن القدرة على الإدراك".