لسنوات طويلة لم تلاحظ "رحاب" أي علامات غير طبيعية على طفلها "أحمد" سوى ضعف الوزن. هي ذاتها كانت تعاني من حموضة شديدة وآلام بالمعدة، وظنت أن المشكلة تتعلق بالقولون، ولم يخطر ببالها قط أنها وطفلها مصابان بمرض "السيلياك" ولكن بأعراض مختلفة.

أتم "أحمد" أحد عشر عامًا حين طلب طبيبُه صدفةً إجراء تحليل "السيلياك" له ولشقيقته، شعر الطبيب بالقلق حين ذكرت الأم جملةً عابرةً عن تشخيصها المتأخر بـ"السيلياك" في عمر الثامنة والثلاثين.

ثبتت إصابة الطفل بالمرض، في حين أكدت نتائج التحليل عدم إصابة شقيقته، وعلى الفور بدأت الأم في تنظيم حمية غذائية خالية من الجلوتين لطفلها، لتزيد تحدياتها صعوبة؛ فالآن سيتضاعف الجهد للعثور على بدائل غذائية مناسبة، وستعاني أكثر بسبب الأسعار الباهظة لتلك المنتجات.

مرض مناعي

يُعرف مرض "السيلياك" بأكثر من اسم، منها "الداء البطني"، و"اعتلال الأمعاء الحساسة للجلوتين"، و"اعتلال الأمعاء التحسُّسي إزاء الجلوتين".

و"السيلياك" هو مرض مناعي يجعل الجسم غير قادر على تحمل الجلوتين؛ إذ يُحفِّز تناوُل الجلوتين استجابةً مناعيةً في الأمعاء الدقيقة، وتُتلِف هذه الاستجابة بطانة الأمعاء الدقيقة بمرور الوقت، وتمنعها من امتصاص بعض العناصر المغذية (سوء الامتصاص). ويُؤدِّي التَّلَف المعوي غالبًا إلى الإسهال والتعب وفقدان الوزن والانتفاخ وفقر الدم، ويُمكن أن يُؤدِّي أيضًا إلى مضاعفات خطيرة.

أما "الجلوتين" فهو عبارة عن بروتين موجود في القمح والشعير وغيرهما، وعندما يتناول الشخص المصاب بـ"السيلياك" مثل هذه الأغذية، يهاجم جهاز المناعة الأمعاء الدقيقة، فلا يتم امتصاص العناصر الغذائية بشكل سليم.

وتشير دراسة نشرتها دورية "جاما نيتوورك" (Jama Network) إلى أن تناوُل الطفل لكمية كبيرة من الجلوتين في السنوات الخمس الأولى من عمره يزيد احتمالات خطر الإصابة بـ"السيلياك" لدى الأطفال المؤهلين وراثيًّا للإصابة به.

فحصت الدراسة 6605 من الأطفال (49% منهم إناث والباقي من الذكور) في 6 مراكز بحثية سريرية في فنلندا وألمانيا والسويد والولايات المتحدة، ورصدت كمية الجلوتين التي يتناولونها بدايةً من عمر ستة أشهر حتى خمس سنوات.

وطلب الباحثون من الآباء الاحتفاظ بسجل غذائي يوثق جميع الأطعمة والمشروبات التي يستهلكها الطفل على مدى 3 أيام، في عمر 6 أشهر و9 أشهر و12 شهرًا، ثم يتم التوثيق بشكل نصف سنوي بعد ذلك، ثم لاحقًا يجرى قياس الأجسام المضادة في أجسام الأطفال، والتي تظهر في حالة الإصابة بالسيلياك.

ومع انتهاء فترة التتبُّع، ذكرت الدراسة أن "كل زيادة قدرها جرام واحد في كمية الجلوتين الذي يتناوله الطفل يوميًّا تزيد من خطر الإصابة بداء السيلياك، وأن الخطورة تبلغ ذروتها في الأعوام الثلاثة الأولى من العمر".

التركيبة الوراثية شرط أساسي

لا يتفق مصطفى هدهد -أستاذ طب الأطفال وأمراض الجهاز الهضمي بكلية الطب بجامعة عين شمس- مع نتائج الدراسة السابقة، مضيفًا أن "كمية الجلوتين غير مؤثرة بالنسبة لزيادة خطر إصابة الأطفال المؤهلين وراثيًّا بالسيلياك".

يقول "هدهد": "السيلياك مرض دائم، ولا يحدث إلا في حالة وجود استعداد وراثي وحمل الشخص لتركيبة وراثية تحمل أحد جينات HLADQS2 أو HLADQ8"، موضحًا أن "العلم لم يحدد حتى الآن العوامل التي تجعل بعض مَن يحملون تلك التركيبة الجينية يظهر عليهم السيلياك بعد تناول الجلوتين، في حين لا يحدث أي شيء لأشخاص آخرين".

يتفق ما ذهب إليه "هدهد" مع نتائج دراسة سابقة كشفت "وجود مثل هذه التركيبة في نسبة تتراوح بين 30% و40% في دولة مثل الدنمارك، في حين لم يُصَب بداء السيلياك منهم سوى نسبة 1٪ فقط".

يضيف "هدهد": حتى الآن لا يوجد علاج للمرض، وما زالت الأدوية تخضع للتجارب، والحل الوحيد لمرضى السيلياك هو اتباع حمية غذائية خالية من الجلوتين مثل الفواكه والمكسرات بأشكالها الطبيعية غير المعالجة والبيض والبطاطس والذرة.

عوامل مساعدة

في المقابل، تتفق نجوى عبد المجيد -أستاذ الوراثة البشرية بالمركز القومي للبحوث- مع الدراسة، مشيرةً إلى أن كمية الجلوتين التي يتناولها الأطفال في السنين الخمس الأولى قد تساعد على ظهور مرض السيلياك لدى الأطفال المؤهلين وراثيًّا، ولكنها ليست السبب الوحيد، ويجب أن تكون هناك عوامل أخرى مساعدة.

تقول "عبد المجيد": السيلياك مرض مناعي وراثي ينتج عن خلل في المناعة ويسبب تلف الأمعاء الدقيقة، ويرتبط بوجود اثنين من الجينات يحمل الشخص المؤهل على الأغلب جينًا واحدًا منهما، ونادرًا ما يحمل الاثنين معًا إلا في بعض حالات زواج الأقارب، ولو لم تكن تلك الجينات موجودةً فلن تؤثر كمية الجلوتين، ولو وُجدت فإن تلك الكمية ستكون عاملًا مهمًّا ضمن مجموعة عوامل بيئية أخرى تُسهم في إظهاره، نسميها عوامل الخطر".

وتوضح "عبد المجيد" أنه يمكن التعرف على وجود استعداد وراثي لدى الطفل للإصابة بالسيلياك من خلال فحص الجينات بالأجهزة الحديثة، أو بتحليل دم يقيس الأجسام المضادة في الجسم، ويمكن أن يحمل بعض الأطفال الجين الوراثي ولا يظهر عليهم المرض، وفق قولها.

أعراض خفية

من جهتها، تقول حنان فتحي -أستاذ طب الأطفال المتخصص في أمراض الجهاز الهضمي بكلية الطب بجامعة القاهرة- إنها "لا تتفق تمامًا مع الدراسة"، مضيفةً أن "الشخص الذي يحمل الجينات الوراثية، يكون مصابًا بمرض السيلياك بالفعل، لكن أعراض المرض تظهر بدرجات مختلفة من شخص إلى آخر، وقد تكون مرئيةً أو غير مرئية، ويختلف وقت ظهور الأعراض والصورة التي تكون عليها بين الأشخاص".

وتابعت: السيلياك مرض وراثي، لكن ليس بالضرورة أن يكون لدى المصاب فردٌ آخر في العائلة مصاب بالسيلياك، فقد يكون هناك مصابون بأمراض مناعية أخرى مثل السكري أو أحد الأمراض الروماتيزمية، ما يعني أن العائلة فيها قابلية للأمراض المناعية الوراثية، لكنه لا يظهر على الجميع بالصورة نفسها.

تقول "فتحي": تبدأ أعراض السيلياك في الظهور بعد تناول الجلوتين، وبعض الأطفال تظهر عليهم الأعراض مبكرًا وبعضهم لا، وذلك وفق درجة التعرُّض للجلوتين ودرجة احتمال الجسم لها؛ إذ يشتكي بعضهم أعراضًا شائعة، مثل الإسهال أو الإمساك، أو الأنيميا التي لا تستجيب لعلاج، أو نقص النمو، أو آلام البطن المتكررة، في حين لا يشكو بعضهم الآخر سوى من قِصَر القامة، وعند إجراء التحاليل نكتشف أن هذا ناتجٌ عن سوء امتصاص المواد الغذائية بسبب السيلياك.

التشخيص المبكر

يمكن اكتشاف إصابة الطفل مبكرًا بمرض "السيلياك" عن طريق تتبُّع التاريخ العائلي للأسرة وإجراء الفحوصات المخبرية، خصوصًا تحليل الدم وقياس نسبة الأجسام المضادة في الجسم، وإذا كانت نتيجة تحليل الدم إيجابية، يجري تأكيد التشخيص من خلال أخذ خزعة من الأمعاء الدقيقة.

تقول "فتحي": الطفل منذ ولادته وحتى بداية فطامه لا يمكن أن تظهر عليه أعراض السيلياك؛ لأنه لم يتعرض للجلوتين بعد، ولكن مع بدء إدخال الطعام الخارجي إلى غذائه متضمنًا منتجات تحتوي على الجلوتين تظهر عليه الأعراض في أي سنٍّ وفق درجة تعرُّضه للجلوتين ووفق درجة احتمال الجسم التي تختلف من طفل إلى آخر.

وتضيف أن "هناك أطفالًا تكون احتمالات إصابتهم بمرض السيلياك أكثر، فعلى سبيل المثال نجد أن الأطفال المصابين بالسكري يكونون أكثر عرضةً للإصابة بالسيلياك، وقد يتم تشخيص إصابة طفل بالسكر، وتظهر في التحاليل أجسام مضادة تدل على السيلياك، لكنه لا يشكو أية أعراض في هذا الوقت، لكن من المتوقع أن تظهر عليه لاحقًا".

ويشير تقرير أعدته وزارة الصحة السعودية إلى أن "هناك العديد من أسباب الإصابة بالمرض، مثل وجود تاريخ عائلي للإصابة بالسيلياك، وعوامل الجينات، والإصابة بمتلازمة داون، أو متلازمة تيرنر، إضافة إلى العوامل البيئية، مثل إصابة الطفل بالعدوى، كإصابته بفيروس روتا، أو إطعام الرضيع غذاءً يحتوي على الجلوتين قبل بلوغه الشهر الثالث من عمره".

لكن التقرير يشدد على أن "مرضى داء السكري من النوع الأول من أهم الفئات التي تكون معرضةً للإصابة بمرض السيلياك".

يقول التقرير: "إن أمراض المناعة الذاتية هي أحد عوامل الخطورة التي تزيد فرص الإصابة بالمرض، لذا فإن عدم اتباع خطة لعلاج السيلياك لدى المصابين بداء السكري من النوع الأول، قد يؤدي إلى تدمير النتوءات التي تبطن الأمعاء الدقيقة، مما قد يؤدي إلى الإصابة بانخفاض السكر بالدم؛ لأن الأمعاء قد لا تصبح قادرةً على امتصاص المواد الغذائية مثل السكر بما يكفي".

الارتباط بين سكر الأطفال والسيلياك هو ما حدث تمامًا مع الطفلة "سلمى" التي تبلغ من العمر 10 سنوات؛ إذ اكتشفت والدتها إصابتها بالسكر لدى بلوغ عمرها عامًا ونصف العام، وعندما بلغت سن الخامسة، كان اكتشاف إصابتها بالسيلياك.

لا تتذكر الأم "ابتهال" إصابة أحد الأفراد في عائلة الوالدين بالسيلياك، لذا كان اكتشافها محض صدفة، وفق وصفها.

تقول "ابتهال": يشيع أن السكر يرتبط بالسيلياك وبعض الأمراض الأخرى، لذا أجريت تحليل السيلياك ضمن تحاليل المتابعة واكتشفت إصابة ابنتي به، وعرفت لماذا تعاني ابنتي من شحوب البشرة وميل إلى القيء وانعدام الشهية وعدم نمو الشعر.

الجلوتين الخفي

تضيف "ابتهال": كشف المنظار تضرُّر الأمعاء الدقيقة بشكل كبير، وبدأنا رحلة حمية خالية من الجلوتين وكانت شديدة الصعوبة؛ فمنذ خمس سنوات لم تكن المعلومات تتوافر باللغة العربية عن الأطعمة البديلة، ولم أعرف ما الذي سأطعمه لابنتي، وللأسف فإن الجلوتين لا يوجد في القمح فحسب، بل يدخل في صناعة منتجات كثيرة أخرى مثل المعلبات وبعض أنواع معجون الأسنان والألبان ومستحضرات التجميل وألعاب الأطفال وغيرها، كنتُ أبحث عبر الإنترنت باللغة الإنجليزية، وعرفتُ أن هناك ما يسمّى بـ"الجلوتين الخفي"، الذي يدخل في مكونات بعض المنتجات ولا يُكتب عليها، وأتمنى إلزام الشركات بكتابة المكونات كاملة.

يوجد "الجلوتين الخفي" في كثير من المنتجات، مثل بعض منتجات التجميل كأحمر الشفاه، أو مراهم الشفاه التي يمكن تناولها دون قصد، أو بعض الأدوية، أو الفيتامينات والمكملات الغذائية، وأيضًا عجينة صلصال الأطفال المصنوعة من القمح، لذا من المهم لمرضى السيلياك التحقق جيدًا وقراءة المكونات على الملصق الموجود على المنتج، أو مراسلة الشركة المصنِّعة.

منذ سنوات، كانت الأم تضطر إلى خلط ستة أنواع من دقيق الأرز والذرة ونشا التابيوكا ونشا البطاطس للحصول على عجين متماسكٍ إلى حدٍّ ما وخالٍ من الجلوتين لتصنع به بعض الطعام، حينها لم يكن يتوافر سوى دقيق جاهز مستورد وباهظ الثمن، لكن الآن يتوافر نوع مصري أقل ثمناً، وفق "ابتهال". 

بدوره، يتفق أمجد الحداد -رئيس قسم الحساسية والمناعة بالمصل واللقاح "هيئة حكومية مصرية"- مع الدراسة، مشددًا على أن "تناوُل الطفل لكميات كبيرة من الجلوتين في السنوات الخمس الأولى سيساعد الجين الوراثي على التعبير عن نفسه والظهور بشكل أسرع".

وتابع: هناك كثير من العوامل التي تساعد على إظهار الجينات الوراثية، لذا فإن النظر إلى تأثير كمية الجلوتين على المعرضين وراثيًّا لظهور السيلياك أمرٌ منطقي، ولو تم تشخيص الطفل مبكرًا وتم التقليل من تناوله للجلوتين فربما لا تظهر عليه الأعراض.

مصر

لا تتوافر أي إحصائيات حديثة تخص نسب الإصابة بالسيلياك بين الأطفال في مصر عبر موقع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أو أي جهات بحثية، كما لم تتوافر أي معلومات تخص المرض عبر موقع وزارة الصحة المصرية.

لكن دراسة أُجريت عام 2008، ذكرت أن "مرض السيلياك هو اضطراب متكرر بين الأطفال المصريين، سواء في عموم السكان أو في الفئات المعرضة للخطر"، مشددةً على أن "اتباع نظام غذائي خالٍ من الجلوتين من شأنه أن يؤدي إلى شفاء الغشاء المخاطي في الأمعاء، واختفاء الأعراض التي يسببها تناوُل الطفل المصاب للجلوتين".

أُجريت الدراسة على عينة ضمت 1500 طفل، تتراوح أعمارهم بين 7 أشهر و18 عامًا (656 فتاة و844 فتى)؛ للتحقيق في تكرار حدوث السيلياك في عينة من الأطفال المترددين على المستشفيات ويشكون من آلام معوية حادة أو مزمنة أو إسهال أو سوء تغذية، بالإضافة إلى بحث عينة من الأطفال المصابين بالسكّر من النوع الأول، إذ إنه مرض مناعي يرتبط بشكل كبير بالسيلياك، وضمت عينة البحث 150 طفلًا عانوا من الإسهال، أو الفشل في النمو، و250 طفلًا ومراهقًا مصابين بداء السكري من النوع الأول.

وأضافت الدراسة أن "السيلياك يؤثر على 0.5٪ إلى 1٪ من عموم السكان في أوروبا، لكن الموقف أقل وضوحًا خارج العالم المتقدم، بالرغم من أنه جرى تحديد مواقع فيها انتشار مرتفع للسيلياك في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجزء من القارة الآسيوية، وتم تسجيل أعلى نسبة انتشار بواقع 5.6% بين العرب البربر الذين يعيشون في الصحراء الغربية".

*هذا التقرير تم إنتاجه في إطار مشروع "العلم حكاية" الذي ينظمه معهد جوته، والهيئة الألمانية للتبادل العلمي "DAAD"، وبدعم من وزارة الخارجية الألمانية.