على قدمه اليسرى فقط مشى الشاب المصري وحيد نسر (اسم مستعار) مستندًا على ذراعي شقيقه وزوجته، متجهين نحو بوابات مستشفى حميات العباسية بمدينة القاهرة. كان يشكو من انسداد في أوردة وشرايين قدمه اليمنى. سيناريوهات مخيفة تدور في مخيلته عما ستؤول إليه أحواله بعد المرض، كان ذلك قبل أن يتلقى خبرًا مفزعًا من المستشفى: أنت مُصاب بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، ولا يمكن استقبال حالتك في المستشفى. بدأ وحيد في ذلك اليوم رحلته المريرة مع الوصم، مثله مثل باقي المتعايشين مع الفيروس، واجه تدني مستوى الخدمة والرعاية الصحية، وهما من أسباب انتشار المرض في منطقة دول شرق المتوسط وشمال أفريقيا ومنها مصر. فعلى الرغم من انخفاض معدلات الإصابة بالفيروس في مختلف مناطق العالم، ارتفعت الإصابة به في المنطقة بنسبة 32%، وفق منظمة الصحة العالمية.

في حالة يُرثى لها، ظل الشاب الثلاثيني يتردد على عدد من المستشفيات لنحو 20 يومًا، "لكن رفضت كل المستشفيات استقباله"، كما يؤكد شقيقه الأصغر حليم (اسم مستعار)- في حديثه لـ"للعلم". لم يكن أمام المريض سوى التعايش مع آلام قدمه، ويتعايش كذلك مع مشاعر حزن ثقيلة احتلت قلبه، حتى تعرض لنزيف في قدمه المصابة. هُرِع مسرعًا إلى مستشفى المنيرة بوسط البلد. حالة من الذعر انتابت الأطباء والممرضين، بل وعددًا من المرضى حين علموا بأنه مريض إيدز. تم وضعه في غرفة عزل بالطابق الثالث بالمستشفى بعد إخلائه من المرضى.

credit: For Science

وصلت الأخبار إلى مسامع المارة وزبائن مقهى شعبي قريب من المكان، ليغادر الجميع خوفًا من العدوى! رغم أن العدوى تُنقل بالاتصال الجنسي غير المحمي، ونقل الدم الملوث بالفيروس، وتبادُل الإبر الملوثة، أو من الأم إلى الجنين في أثناء مدة الحمل وخلال الولادة أو عن طريق الرضاعة-وفق هبة السيد، الطبيبة المختصة، ومنسق البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز بوزارة الصحة والسكان.

في 2019 ارتفعت نسبة السيدات المتعايشات مع الفيروس في مصر إلى 13.3% -وفق وزارة الصحة- من بينهن حوامل تعرَّضن لمواقف قاسية عندما رفضت مستشفيات إجراء عمليات الولادة لهن بعد علمهن بطبيعة مرضهن -وفق أمينة عجمي، رئيس جمعية "صحتي في بيئتي" المتخصصة في دعم المتعايشين مع الفيروس- إذ سردت لها العديد من الحوامل الساعات الصعبة التي مرت بهن داخل المستشفيات.

وصم في غرفة العمليات.. مقطع صوتي تمثيلي لسيدة متعايشة مع فيروس نقص المناعة البشرية: 

credit: For Science

تلك التجارب القاسية تتكرر، كما توضح "العجمي" لــ"للعلم". يؤدي الوصم دورًا كبيرًا في نفور الناس من المرضى حتى ذويهم. "هناك أسرة تحدثت إلينا منذ مدة، تطلب ممرضًا يراعي ابنهم المتعايش مع الفيروس، لأنهم يرفضون رعايته أو مجرد التعامل معه". حينما أرسلت متخصصًا من قِبل الجمعية لمباشرة حالته، اكتشف إصابته بجرح في قدمه وضرورة نقله إلى مستشفى سريعًا، "رفضت الأسرة أن ترسله إلى المستشفى، مطالبين إيانا بالتصرف في الأمر".

وقائع أخرى مرت بها "العجمي"، منها ما جرى خلال زيارتها لمستشفى حميات إمبابة بمحافظة الجيزة، علمت أن سيدةً جاءت إلى غرفة الاستقبال بالمكان، ألقت بزوجها المريض أمام الأطباء ثم فرت سريعًا. "بعد ساعات قليلة من دخول المريض قسم المناعة توفي لسوء حالته الصحية"، ولم يُستدل على أسرته؛ لعدم ترك الزوجة أية بيانات شخصية عنه، لذلك تُدشن الجمعية حملات لنشر التوعية بين المجتمع، كما تركز من خلال مبادرتها "جيل جديد خالٍ من الفيروس" على تذليل العقبات التي تواجه الحوامل خلال تجاربهن مع الولادة.

- نسب تقديرية للنساء الحوامل اللاتي يحصلن على العلاج (2010/2017)

  • في عام 2010: 7%
  • في عام 2011: 4%
  • في عام 2012: 4%
  • في عام 2013: 8%
  • في عام 2014: 5%
  • في عام 2015: 10%
  • في عام 2016: 13%
  • في عام 2017: 9%

المصدر: قاعدة بيانات برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشري/الإيدز

انتهت رحلة "وحيد" في مستشفى المنيرة، لكن التعايُش مع "الفيروس" ظل مستمرًّا. تحولت حياة الشاب إلى كابوس. صار منبوذًا من الجميع رغم أن الفيروس انتقل إليه عن طريق الخطأ. "بدأ الناس يسيئون معاملته بسبب مرضه"، حتى أقاربه تملَّكهم الرُّعب من الاقتراب منه؛ نتيجة جهلهم بكيفية انتقال العدوى.

"لن أكذب عليك، أحيانًا كنت أنا أيضًا أتخوَّف من مجرد مد يدي للسلام عليه أو الجلوس إلى جانبه"، يقولها الأخ بأسى شديد. حتى إنه أجرى تحليلًا للكشف عن المرض خوفًا على نفسه، "حللت مرة واثنتين وثلاثًا لكي أطمئن أن العدوى لم تنتقل إليَّ".

الصورة ليست بتلك القتامة كما ترى "العجمي"، فثمة أمل يلوح في الأفق. خلال عملها لسنوات في دعم المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، كانت هناك عائلات تتمسك بعلاج أبنائها ولا تتخلى عنهم رغم نظرة المجتمع إليهم. هناك أيضًا اتصال مباشر مع وزارة الصحة من خلال البرنامج الوطني لمكافحة فيروس الإيدز من أجل تلقِّي التدريبات المؤهِّلة للتعامل مع المرضى. "نتواصل معه عندما تكون لدينا حالات تحتاج إلى عمليات جراحية"، خصصت لهم الوزارة مستشفيات حكومية تستقبلهم وتتعامل معهم بالاهتمام المطلوب.
"مصر لديها خطة إستراتيجية لتقليل الفجوة بين الأرقام الرسمية والتقديرية للمرضى"، تقولها هبة السيد -منسق البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز بوزارة الصحة والسكان- خلال احتفالية أقامتها الوزارة في اليوم العالمي للإيدز، حضرها محرر "للعلم"، موضحةً أن الوزارة تبذل قصارى جهدها لتقديم الدعم للمتعايشين مع الفيروس، ونجحت في توفير أدوية العلاج مجانًا من ميزانية الوزارة، دون ربطها بالحصول على مساعدات أو تمويل من منظمات دولية.

"خدمة الخط الساخن للمتعايشين مع فيروس الإيدز الـمُقدمة من وزارة الصحة:

الأرقام: 08007008000/ 33152801/ 33152802 "

وأشارت "السيد" إلى العمل الجاد من قِبل البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز، من أجل مواجهة التمييز ضد المرضى، خاصةً في المنشآت الصحية التابعة للوزارة. بينما أعلنت عن مبادرة من "الصحة" بحلول عام 2020 لفحص السيدات الحوامل في مراكز الأمومة والطفولة، فيما يتعلق بحملهن للفيروس من عدمه، في محاولة للكشف المبكر عنه والحفاظ على إنجاب أطفال دون نقل المرض إليهم.

أعداد المواليد في مصر سنويًّا -مليونان و600 ألف طفل- طرحت مخاوف من عدم اتباع السيدات الحاملات للفيروس الشروط الاحترازية التي تمنع نقل العدوى إلى الأطفال، وهي الولادة القيصرية، والرضاعة الصناعية، والحصول على العلاج اللازم، كما يوضح -في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- ماجد رجائي، مدير برنامج الإيدز باليونسيف في مصر، لذلك وضعت الهيئة بالتعاون مع وزارة الصحة وبعض الجمعيات الأهلية خطةً للوصول إلى السيدات المصابات وتقديم الرعاية الكافية.

ركزت اليونيسيف جهودها في 8 محافظات، هي الأكثر انتشارًا للفيروس، "قمنا بتدريب 450 شخصًا من وزارة الصحة، أطباء وممرضين وفنيي معمل" في مراكز الأمومة والطفولة على كيفية توجيه السيدات لإجراء الفحوصات، وتثقيفهن بجميع المعلومات عن المرض، "وعملنا مع المتدربين على مواجهة الوصم والتمييز من داخلهم، وأهمية تقديم الخدمة الإنسانية للمريض بعيدًا عن قناعتنا الشخصية؛ لأن هذا حقه الطبيعي"، وأسفرت نتائج الحملة عن استفادة 50 ألف سيدة من الخدمة المقدمة.

مدير برنامج الإيدز بهيئة اليونسيف بمصر، أشار أيضًا إلى أن الوصم والتمييز كانا سببًا في امتناع 50% من المرضى عن الذهاب إلى المستشفيات والمراكز الطبية للحصول على العلاج. "لهذا السبب ركزنا على الدعم النفسي من خلال متخصصين" لترتفع نسبة الـمُقبلين على الدواء إلى 70% وتتقلص نسبة الممتنعين إلى 30%، "والسنة القادمة لدينا خطة للوصول إلى نسبة أعلى من المرضى الرافضين للعلاج"، متابعًا أن الهيئة وفرت قروضًا صغيرة للسيدات اللاتي لا يقدرن على نفقة الانتقالات وترك أعمالهن لتسلُّم الدواء.

في محاولاتها لنشر التوعية بين المواطنين في الدول العربية، اختارت الأمم المتحدة الفنان اللبناني نيقولا معوض سفيرًا للحملة العالمية لمكافحة الإيدز 2019، الذي صنع فيلمًا منذ سنوات عن المرض وكيفية تأثير الوصم على المتعايشين معه.

لم تصل الجهود المبذولة لإنقاذ مرضى الإيدز إلى "وحيد"، الذي ظل يعاني 6 أشهر، ينهشه المرض، تتكالب عليه المشاعر السيئة نتيجةً لوصمه وعدم حصوله على حقوقه الطبية كاملة. ابتعد الجميع عنه خوفًا من انتقال الفيروس إليهم، تحاشاه الأقارب والأصدقاء والجيران، لم يتبقَّ له سوى زوجته وشقيقه، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ذات يوم، ضمن 770 ألفًا قضوا نحبهم متأثرين بالمرض في العالم خلال 2018، في حين ينتظر آلاف غيرهم النجاة من نظرة المجتمع المسيئة والحصول على حقهم في الدواء والحياة.