لو أردنا وصف السرطان بعبارة واحدة لوصفناه بأنه "مرض جيني"؛ فالمرض الذي يثير الخوف في قلوب الكثيرين تتسبب فيه تغيرات جينية تتحكم في نمو الخلايا وانقسامها.

خلال السنوات الماضية، عكف العلماء على دراسة هذه التغيرات من أجل الوصول إلى فهم أفضل لكيفية حدوث الأنواع المختلفة للسرطان وتحسين وسائل التشخيص والعلاج.

وكان "ابيضاض الدم النقوي المزمن" أحد أوائل الأورام التي جرت دراستها وفهم كيفية حدوثها بشكل تفصيلي، وهو نوع غير شائع من سرطانات نخاع العظم؛ إذ يصيب الدم والنقي العظمي مثل كل أنواع ابيضاض الدم الذى يحدث عندما يبدأ نقي العظم في صناعة أعداد كبيرة جدًّا من الخلايا السرطانية تزاحم خلايا الدم الطبيعية التي من دونها لا يستطيع الجسم مقاومة العدوى ولا يعمل الدم بشكل صحيح.

ونقي العظم هي مادة رخوة إسفنجية موجودة في معظم عظام الجسم، تعمل كمصنع لخلايا الدم التي تنضج إلى خلايا دم حمراء تحمل الأكسجين وصفائح دموية تساعد في تجلط الدم وخلايا دم بيضاء تكافح العدوى.

كروموسوم فيلادلفيا

في عام 1960 تعرَّف العلماء على الخلل الجيني الذي يرتبط بحدوث "ابيضاض الدم النقوي المزمن"، وأن الكروموسوم غير الطبيعي المُسمى بـ"كروموسوم فيلادلفيا" يرتبط بهذا المرض، إذ يتشكل عند كسر كروموسوم 9 وكروموسوم 22 اللذَين يتبادلان أجزاءهما، وبذلك ينشأ كروموسوم صغير غير طبيعي ومزيج جديد من التعليمات يمكن أن يؤدي إلى تطور ابيضاض الدم النقوي المزمن.

وخلال السنوات التالية تعرف الباحثون على أجزاء الصورة عن قرب، إذ تعرَّفوا بالتفصيل على اثنين من الجينات التي تشترك في هذا التبادل، وهي جين BCR على كروموسوم 22، وجينABL-1  على كروموسوم 9.

ومثَّل هذا الفهم نقطة تحول في تاريخ هذا الورم خاصة، وفي تاريخ الأورام عامة، إذ أصبح هذا الاكتشاف الأول من نوعه في تاريخ الأورام أساسًا لتشخيص المرض ومتابعته، بل لعلاجه أيضًا، ووفقًا لمكان حدوث التبادل بين الجينين، قد يظهر نوع من نوعين من الطفرات: الطفرة الأكثر انتشارًا وهي المعروفة بـp210Bcr-Abl، والأخرى الأقل انتشارًا وهي P190Bcr-Abl.

ويُنتج هذا التبادل بروتينات تختلف في حجمها ووزنها وفقًا لموضع القطع على كروموسوم 22 الذي يحتوي على جين BCR كما ذكرنا؛ فإذا تم القطع في نقطة التوقف الكبرى (major breakpoint cluster region)، ينتج بروتين p210Bcr-Abl الأكبر حجمًا، وفي المقابل يؤدي القطع في نقطة التوقف الصغرى(minor breakpoint cluster region)، إلى إنتاج بروتين أصغر حجمًا، وهو ما يُعرف باسمP190Bcr-Abl .يؤدي ظهور هذه البروتينات إلى زيادة كبيرة في سرعة انقسام الخلايا،وهو ما يتسبب في حدوث المرض.

أسئلة تبحث عن إجابات

وعلى الرغم من تراكُم المعرفة حول هذا المرض، ما زال بعض الأسئلة يحتاج إلى إجابات؛ لذا سعت دراسة نشرتها مجلة "نيتشر لوكيميا" إلى فك طلاسم تلك الأسئلة، موضحةً أنه "على الرغم من كون الطفرة p210Bcr-Abl هي الأكثر شيوعًا إلى درجة كونها أصبحت السمة المميزة للمرض. وكون الطفرة الأخرىp190Bcr-Abl  قليلة الحدوث لدى مرضى ابيضاض الدم النقوي المزمن (إذ تظهر في 1 إلى 2% فقط من حالات هذا المرض)، إلا أن دراسة الطفرة الثانية p190Bcr-Abl  تتعلق بنقطتين على درجة كبيرة من الأهمية. الأولى أن هذه الطفرة لا تظهر فقط في مرضى "ابيضاض الدم النقوي المزمن" الذي ينشأ في خلايا الدم البالغة، لكنها تظهر أيضًا في عدد غير قليل من مرضى "ابيضاض الدم النقوي الحاد" الذي ينشأ في خلايا دم بدائية غير متطورة، والثانية أن وجود هذه الطفرة في مرضى سرطان الدم النقوي المزمن يرتبط باحتمالات أعلى لعدم الاستجابة للعلاج وتطور المرض، وهو ما يجعل من المهم دراسة دور هذه الطفرة بالتفصيل وتأثير وجودها على طرق الإشارات الخلوية التي تحدث في هذا النوع.

 ثلاث مراحل

مرت عملية البحث بثلاث مراحل من أجل التعرف على هذه الطفرة والتوصل إلى أهداف علاجية جديدة في أربعة مرضى مصابين بها، وفي خطين من خطوط الخلايا التي تشبه خلايا هذا المرض.

شملت المرحلة الأولى الاستعانة بالجيل الثاني من تقنيات السلسلة الوراثية (NGS)، وهي التقنية التي تُستخدم لقراءة حروف الحمض النووي، وتتميز بالدقة والقدرة على التعرُّف على الطفرات النادرة خاصةً في الأورام، وتمكِّن هذه التقنية الباحثين من تحليل الجينوم البشري بالكامل في عملية واحدة.

أما المرحلة الثانية، فاستعان فيها الباحثون بـ"التوصيف البروتيني الفسفوري"، الذي يساعد في التعرُّف على البروتينات المرتبطة بمجموعة الفوسفات، إذ تؤدي إضافة مجموعة الفوسفات أو إزالتها دورًا تنظيميًّا كبيرًا في الخلايا، كوظائف العديد من البروتينات وموقعها داخل الخلايا وتكسيرها ودورها في تنظيم الإشارات داخل الخلايا. وتعمل دراسات التنميط البروتيني علي فهم التغيرات التي تحدث في هذه البروتينات نتيجة إضافة مجموعة الفوسفات أو إزالتها، وهو ما قد يفيد في فهم أفضل للأمراض أو يساعد علي إيجاد أهداف علاجية جديدة.

في حين تمثلت المرحلة الثالثة في اختبار حساسية الخلايا للأدوية المختلفة من أجل التعرف على العلاج الأكثر مناسبةً لهذه الحالات، إذ تستجيب الخلايا السرطانية للعلاج بشكل مختلف عند المرضى، وأحيانًا في المريض الواحد نظرًا لاختلاف الخلايا السرطانية في المحتوى الجيني رغم اتفاقها في الشكل الظاهري، من أجل تحديد العلاج المناسب لكل مريض، يتم اختبار الأدوية المختلفة على عينة من الورم لتحديد الاختيار الأمثل لهذا المريض بالتحديد.

الإشارات الخلوية

وتبيَّن أن مرضى سرطان الدم النقوي المزمن المصابين بطفرة p190Bcr-Abl يستجيبون بصورة أقل بكثير من المصابين بالطفرة الأخرى لدواء إيماتينب Imatinib (وهو الدواء الأشهر الذي يُستخدم باعتباره خيارًا أول في علاج هذا المرض).

كما تعرَّف الباحثون أيضًا على العديد من طرق الإشارات الخلوية التي تحدث في المرضى المصابين بهذا النوع من الطفرات، وهي الطرق التي تتفق أحيانًا أو تختلف بشكل واضح عن تلك الموجودة لدى المصابين بالطفرة الأخرى الأكثر شيوعًا.

وباستخدام اختبارات الحساسية الدوائية، تعرَّف الباحثون على العديد من الأدوية والأهداف العلاجية التي قد تفيد في علاج هؤلاء المرضى، وهو ما يُعد أساسًا لفهمٍ جديد لكيفية حدوث المرض وعلاجه في وجود هذه الطفرة.

يقول شادي عدنان عوض -الباحث بوحدة أمراض الدم بجامعة هلسنكي بفنلندا، والباحث الأول في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": يُجري معملنا الأبحاث في اتجاهين رئيسيين: الأول هو الأبحاث المتعلقة بدور الجهاز المناعي في الأورام المختلفة، والتي تشمل الأورام الصلبة وأورام الدم كذلك، والاتجاه الثاني هو المتعلق بالطب الشخصي واستخدام التقنيات الحديثة للوصول إلى فهم أفضل لحدوث أورام الدم وتحديد أنماط المرض المختلفة والتعرُّف على طرق علاجية جديدة تناسب كل مريض، وتمثل هذه الدراسة أحد منتجات الاتجاه الثاني.

يضيف "عوض": في هذا البحث استخدمنا العديد من التقنيات لدراسة خلايا السرطان لدى عدد من المرضى المصابين بنوعي الطفرات من أجل فهم طفرة p190Bcr-Abl في مرضى سرطان الدم النقوي المزمن، وفي المرحلة التالية قمنا بتقييم نتائجنا باستخدام نوعين من خطوط الخلايا من أجل معرفة الفارق بين استجابة خلايا النوعين للأدوية المختلفة، وتتشابه هذه الخطوط إلى حدٍّ كبير مع خلايا المرضى، وهو ما يختلف مع الدراسات السابقة التي استخدمت خطًّا للخلايا يختلف اختلافًا واضحًا عن خلايا سرطان الدم النقوي المزمن.

ويتابع: عملنا أيضًا على تقييم هذه النتائج في خلايا مرضى سرطان الدم الليمفاوي الحاد المصابين بهذه الطفرة، ومن خلال هذه الدراسة تعرفنا للمرة الأولى على أهداف علاجية جديدة وأدوية يمكن استخدامها في هؤلاء المرضى، منها بعض مركبات الجلوكوكورتيكويدات (وهي فئة من أدوية الكورتيزون( على سبيل المثال.

خيارات علاجية

يمثل سرطان الدم النقوي المزمن حوالي 15% من كل حالات سرطان الدم، وتتراوح نسبة حدوثه سنويًّا بين 0.9 و1.1 لكل 100 ألف شخص، وفق دراسة سابقة أجراها فريق البحث ذاته؛ إذ يتسبب وجود كروموسوم فيلادلفيا وحدوث الاندماج بين جينيBCR  وABL-1 في ظهور جين جديد أو طفرة جينية تعمل بسرعة أكبر من المعتاد، وهو ما يتسبب في زيادة سرعة انقسام خلايا الدم، خاصةً خلايا الدم البيضاء بسرعة ليرتفع عددها بشكل كبير، وينتمي هذا الجين والبروتين الناتج عنه إلى عائلة من عائلات الإنزيمات تسمى بـ"التيروزين الكينيز" (وهي إنزيمات تعمل على نقل مجموعة فوسفات إلي البروتينات وربطها بحمض التيروزين الأميني في هذه البروتينات، وهو ما يغير من وظيفة هذه البروتينات لتؤدي وظيفة معينة أو تثبطها).

وأدى فهم وظيفة هذا الإنزيم إلى استحداث مجموعة من الأدوية تسمى مثبطات التيروزين الكينيز، إذ ظهر دواء إيماتينب، أول فرد في هذه العائلة، وأصبح الخيار العلاجي الأول، وغيَّر تمامًا من قواعد اللعبة في هذا المرض، لكن على الرغم من النجاح الكبير لهذا الدواء، ما زالت هناك نسبة من مقاومة المرضى للعلاج به، وهو ما استدعى ظهور أجيال تالية من العائلة الدوائية، وتطلَّب من الباحثين دراسة حالات هؤلاء المرضى للتوصُّل إلى الخيارات المُثلى لعلاجهم.

وفي السياق، حاولت إحدى الدراسات تقييم النتائج طويلة المدى لعلاج مرضى سرطان الدم النقوي المزمن من الحاملين لنوعي الطفرات، وأظهرت نتائج الدراسة التي نشرتها "المجلة البريطانية لأمراض الدم" في عام 2014 وشملت 450 مريضًا أن "وجود طفرة p190Bcr-Abl يرتبط بمقاومة أكبر وتطور أسرع للمرض في المرضى الذين يعالجون باستخدام إيماتينب، وأن النتائج كانت أفضل في حالة استخدام أدوية الجيل الثاني من مثبطات التيروزين كينيز، لذا نصحت الدراسة بالتعرُّف على هؤلاء المرضى عند التشخيص وعلاجهم مباشرةً باستخدام أدوية الجيل الثاني منذ البداية".

من جهتها، تقول ميريهان فودة، مدرس الباثولوجيا الإكلنيكية بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة، وغير المشاركة في الدراسة: "إن هذه الدراسة الحديثة تمثل نموذجًا للطب الشخصي الذي يوظف الدراسات والمعلومات الجينية في فهم السرطان وعلاجه".

تضيف "فودة" في تصريحات لـ"للعلم": هذه الدراسات قد تقدم لنا أيضًا دلالات أورام جديدة يمكن استخدامها في متابعة المرض وتوقُّع نتائج العلاج أو تغيير خططه وفقًا للمعلومات التي تقدمها هذه الدلالات، بالإضافة إلي ذلك، يمكن ترجمة هذا الفهم إلى أهداف علاجية جديدة، كما فعل الباحثون في هذا البحث؛ إذ توصلوا إلى بعض الأهداف المختلفة، وتبيَّن لهم بالفعل أن المرضى المصابين بهذه الطفرة يفضل أن يستخدموا دواء ديساتينب كخط أول للعلاج (وهو الدواء الذي يُستخدم عادةً كخط ثانٍ أو بديل للعلاج في حالة فشل أدوية الخط الأول مثل إيماتينب وينتمي إلى العائلة نفسها).

رحلة بحث متواصلة

ليس هذا هو البحث الأول لـ"عوض" وفريقه حول هذا المرض، فقد سبق لهم نشر بحث آخر في مجلة "بلود أدفانسز" (Blood Advances)؛ إذ عملوا على دراسة التنميط الجيني والبروتيني لـ59 مريضًا بسرطان الدم النقوي المزمن، وتبيَّن لهم أن هناك فرقًا في عدد الطفرات بين المرضى الذين يستجيبون للعلاج وأولئك الذين يتطور لديهم المرض، إذ يزداد عدد الطفرات في المجموعة الأخيرة عند التشخيص وفي أثناء المتابعة.

وانتهى الباحثون إلى أنه يجب التعرف على الطفرات المختلفة الموجودة في جينات المرضى عند التشخيص؛ إذ يمكن استخدامها كدلالات جينية لتقييم المرضى وتقسيمهم إلى مجموعات وفقًا لعوامل الخطر.

تحفظات مشروعة

بدوره، يقول محمد غريب، أستاذ طب الأورام المساعد بالمعهد القومي للأورام في جامعة القاهرة، وغير المشارك في الدراسة: يمكننا القول دون مبالغة إن استخدام العلاج الموجه في مرض سرطان الدم النقوي المزمن هو الأكثر نجاحًا على الإطلاق في مجال علاج أورام الدم بوجه خاص، والأورام بشكل عام.

يضيف "غريب" في تصريحات لـ"للعلم": فكرة هذا البحث جذابة، وهي محاولة فهم تأثير وجود الطفرة الأقل شيوعًا في الجين المسبب لهذا المرض، ويضيف أن النتائج التي انتهت إليها الدراسة تبدو مثيرةً للاهتمام، إذ جرى اكتشاف أهداف علاجية وأدوية بعضها موجود بالفعل وغير مكلف يمكن استخدامها في المرضى الحاملين لهذه الطفرات.

ويتابع: لكن هناك عدة نقاط يجب وضعها في الحسبان عند النظر إلى هذه النتائج: أُولاها أن عدد المرضى الذين جرت دراستهم في عينة البحث ضئيلٌ للغاية، على الرغم من انتشار المرض نسبيًّا، بالإضافة إلى ذلك، أعتقد أن نتائج العلاجات الحالية المتاحة تجعل من الصعوبة تغيير الخطط الاسترشادية للعلاج، خاصةً مع قلة عدد الحالات التي جرت دراستها، ويمكن القول إن هذا البحث يمثل نواةً لاكتشاف أدوية جديدة من أدوية العلاج الموجه، إن لم يستفد منه مرضى سرطان الدم النقوي المزمن فمن الممكن أن يستفيد منه مرضى آخرون، مثل مرضى سرطان الدم الليمفاوي الحاد الحاملين لهذه الطفرات.

لا تختلف "فودة" مع هذا الرأي، مضيفةً أنه "يجب إجراء دراسات أوسع على هؤلاء المرضى؛ من أجل التأكد والتحقق من هذه النتائج واستخدام الأدوية أو مجموعات الأدوية التي قدمتها".

يعلق "عوض" على تلك التحفظات قائلًا: قلة عدد الحالات تمثل واحدًا من القيود على هذه الدراسة، وذلك نتيجة ندرة الحالات في الواقع بالفعل، وقد نحتاج إلى تعاوُن عدة مؤسسات ومعاهد علمية من أجل توفير عدد أكبر من العينات لدراسة هذه الطفرة وتقييم النتائج والأدوية التي اقترحناها في دراستنا بشكل أفضل.

ويضيف: دراستنا أيضًا قد تكون مفيدةً في مرضى سرطان الدم الليمفاوي الحاد الذين يظهر لديهم كروموسوم فيلادلفيا، لكن علينا إدراك أن وجود هذه الطفرة ليس العامل الوحيد المتحكم في المرض؛ فهناك عوامل أخرى مثل أصل الخلية السرطانية وكيف نشأت، والطرق الخلوية الأخرى التي تؤثر على مظهر الورم وتصرفه وتفاعله مع الأدوية المختلفة، وكل هذه العوامل يجب دراستها معًا من أجل الوصول إلى فهم شامل لحدوث سرطان الدم وتطوره واستجابته للعلاج.