في العصر الحالي خصوصًا، وفي ظل توافر أشد الانحرافات الأخلاقية التي يعانيها المجتمع على شبكة الإنترنت مجانًا، يبدو أن الصغار يكبرون بسرعة مقبلين نحو سن الرشد وهم يحملون هواتف الآي فون ويتبادلون الصور غير اللائقة على سناب شات.

بيد أن ثمة بحثًا جديدًا يشير إلى عكس ذلك.

إذ يذكر تحليل أجراه باحثون من جامعة ولاية سان دييجو ومن كلية برين ماور أن مراهقي اليوم أقل ميلًا إلى الانخراط في أنشطة الكبار مثل ممارسة الجنس وشرب الخمور، مقارنةً بمراهقي الأجيال السابقة.

بحثت المراجعة، التي نُشِرَت اليوم في دورية "تشايلد ديفيلوبمنت"، في بيانات مُجمعة من سبع دراسات استقصائية وطنية أُجريت في الفترة بين عامي 1976 و2016، منها دراسات أصدرتها المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها ومعاهد الصحة الوطنية. أُجريت هذه الدراسات مجتمعة على أكثر من ثمانية ملايين طفل تراوحت أعمارهم بين 13 و19 عامًا من مختلِف الأصول العرقية والمستويات الاقتصادية والمناطق. طُرِحَ على المشاركين مجموعة متنوعة من الأسئلة حول كيفية قضاء أوقاتهم خارج المدرسة، ورُصِدَت الإجابات مع مرور الوقت.

اكتشف القائمون على الدراسة أنه بخلاف مجرد انخفاض نسب تعاطي الكحوليات وممارسة الجنس، صار المراهقون أقل رغبةً إلى حد كبير في قيادة السيارات، أو الحصول على وظيفة بعد انتهاء اليوم الدراسي، أو المواعدة، وذلك منذ عام 2000 تقريبًا. ومع بداية العقد الثاني من القرن الحالي، بدا أيضًا أن الطلبة في الصف الثاني عشر كانوا يخرجون بمعدلات أقل مقارنةً بطلبة الصف الثامن في تسعينيات القرن الماضي. وفي عام 1991 ذكر 54% من طلبة الثانوي أنهم مارسوا الجنس مرة واحدة على الأقل؛ وفي عام 2015 انخفضت هذه النسبة لتصل إلى 41%. علاوة على ذلك، فإن انخفاض ممارسة أنشطة الكبار كان ثابتًا في جميع الفئات التي أجريت عليها الدراسة، ولم يتأثر بالعِرق أو بنوع الجنس أو بالمنطقة. تتذكَّر جين توينجي -أستاذ علم النفس في جامعة ولاية سان دييجو والباحثة الرئيسية في الدراسة- قائلةً: "لقد رأيت مقالات كثيرة جدًّا يتساءل فيها الخبراء عن السبب وراء انخفاض نسب الحمل بين المراهقات ظنًّا منهم أن المراهقين أصبحوا أكثر استقامةً في تصرفاتهم، أو أنهم كسالى بسبب انخفاض أعداد مَن يعمل منهم". وتضيف قائلةً: "تُظهِر نتائجنا أن السبب في ذلك ليس أن المراهقين في الوقت الحالي أصبحوا أكثر استقامةً، أو أكثر كسلًا، كل ما هنالك أنهم أصبحوا أقل رغبةً في تجربة الأشياء التي يفعلها الكبار"؛ إذ يبدو المراهق البالغ 18 عامًا في العصر الحالي مثل مراهق يبلغ 15 عامًا في الأجيال القديمة، فيما يتعلق بالرغبة في اتباع سلوك الكبار.

للوهلة الأولى، اعتقدت توينجي والباحثة المشاركة في الدراسة، هيونج بارك، الأستاذ المساعد في علم النفس بكلية برين ماور، أن النتائج عنَت أن مراهقي اليوم يؤدون المزيد من الفروض المنزلية، أو أنهم منخرطون في المزيد من الأنشطة اللامدرسية. إلا أن بياناتهما تشير إلى أن معدلات ممارسة هذه الأنشطة ظلت ثابتة لأعوام، ما لم تكن تشهد تراجعًا طفيفًا.

تُرجِع الباحثتان جزءًا من النتائج في الغالب إلى حقيقة تعلُّق المراهقين بحواسيبهم وهواتفهم الذكية أغلبَ اليوم (وهم لا يختلفون في ذلك عن الكثير من الكبار). فلعل الأمر ببساطة يتمثل في أن تواصلهم الاجتماعي واهتماماتهم الأكثر شهوانية تحولت إلى الحالة الرقمية عن طريق تبادلهم للرسائل النصية والصور والرسائل الجنسية والوصول إلى المحتويات الإباحية عبر الإنترنت. (يشاهد مراهقو اليوم موادَّ إباحية أكثر من تلك التي كان يشاهدها أسلافهم). ولكن الممارسات الإباحية عبر الإنترنت ليست كل ما في الأمر؛ لأن التراجع في ممارسة أنشطة الكبار بدأ قبل شيوع استخدام الإنترنت.

على الأرجح، ترتبط هذه المراهقة الممتدة التي ظهرت مؤخرًا بمدى الرفاهية. فقد وجد التحليل أن المراهقين إذا كانوا يأتون من أُسَر أكبر أو ذات دخل أقل كانوا أكثر عرضةً لممارسة أنشطة الكبار. يعكس هذا ما يُعرَف بـ "نظرية تاريخ الحياة"، القائلة إن التعرُّض لبيئة غير مستقرة وفقيرة في أثناء الطفولة يؤدي إلى نمو أسرع، بعكس الأطفال الذين ينشأون في بيئة مستقرة يتوافر فيها المزيد من الموارد؛ فهم يميلون إلى النمو بمعدلات أبطأ.

في الأسر ذات الوضع المالي الجيد يسود في الأغلب ترقُّب لانتهاء أعوام الدراسة ثم الحصول على وظيفة قبل أن يضطر الشخص إلى النضوج؛ فهناك الكثير من الوقت لهذا الأمر فيما بعد. وكما استنتجت توينجي وبارك، فعلى الرغم من تزايُد التفاوت بين الدخول، فإن نسبة كبيرة من السكان الأمريكيين أصبحوا في المتوسط أكثر ثراءً على مدار العقود القليلة السابقة وصارت أعمارهم أطول. ونتيجة لذلك، صار الناس ينتظرون وقتًا أطول قبل الإقبال على الزواج وإنجاب الأطفال. كما نلاحظ نزوعًا أكبر بين الآباء والأمهات إلى الاستثمار في عدد أقل من الأطفال –أو شيوع ما نطلق عليه بلغة عصرنا "الآباء الهليكوبتر" أو "فرط الآباء".

مفهوم المراهقة الممتدة هذا ليس بجديد، فقد اشتهر أول ما اشتهر على يد عالِم النفس إيريك إريكسون، الذي أطلق على هذه المرحلة في نظريته حول المراحل المختلفة لنمو الإنسان، مصطلح "التأجيل النفسي الاجتماعي". ومع ذلك يعتقد الكثير من علماء نفس الأطفال أن أطفال اليوم ربما يتقدمون ببطء في هذه المرحلة الهادئة أكثر من أي وقت مضى. تقول ميريانا دوماكوندا -عالِمة النفس بجامعة كولومبيا، التي لم تشارك في الدراسة الجديدة-: "أدرك تمامًا التحول الذي حدث، فأنا كثيرًا ما أرى مراهقين يشتكون من بعض المتاعب نفسها التي يمرّ بها خريجو الجامعات. باتت سن الخامسة والعشرين تُعادل بلوغ الثامنة عشرة الآن، ولم تعد المراهقة المتأخرة مجرد نظرية، بل أمرًا واقعًا. وبشكل ما، نمر جميعًا في الوقت الحالي بمرحلة التأجيل النفسي الاجتماعي، فنحن نتعامل مع مجتمع يمثل فيه المسح على شاشة الهواتف الذكية المواعدة، ويعادل النقر على زر الإعجاب إجراء حوار".

يحذر بعض الخبراء من المبالغة في تفسير النتائج الجديدة؛ لأن سؤال مجموعة من المراهقين عن وصف تصرفاتهم بدقة سيتسبب في أخطاء إحصائية واضحة بالبيانات. يقول روبيرت فيندلينج -رئيس قسم الطب النفسي للأطفال والمراهقين بكلية الطب بجامعة جون هوبكينز، الذي لم يشارك أيضًا في البحث الجديد-: "العمل الجديد يسلط الضوء على مدى أهمية إجراء بحث بعناية والالتزام بالأسس المنهجية الدقيقة. فالعمل القائم على الانطباعات أو الآراء أو التجارب الشخصية قد يؤدي إلى استنتاجات زائفة".

ولكن بافتراض وجود قدر من الصحة في النتائج الجديدة، ما الذي قد يعنيه تأخُّر متوسط سن الرشد للمجتمع؟ هل نحن في طريقنا نحو نشأة ثقافة تقوم على مراهقين مدللين عاجزين غير راغبين في العمل؟ أو أنه لا ضير في التمتع بالبراءة لمزيد من الأعوام بسبب طول أعمارنا عن الأجيال السابقة؟ ترى توينجي الإيجابيات والسلبيات وتقول: "من الرائع حماية المراهقين الصغار، لكن على الوالدين أن يدركا أن المراهقين الأكبر سنًّا يحتاجون إلى اكتساب القدرة على الاستقلالية قبل الذهاب إلى الجامعة أو بدء العمل".

وتضيف دوماكوندا أنه على الرغم من أن الوالدين لهما دور في انغماس الطفل في المراهقة الممتدة، فإنهما لا يشكلان السبب الرئيسي لذلك. وتقول: "يتفاعل أغلب الآباء والأمهات مع مخاوفهم تجاه النموذج الجديد. فهم يدركون أنه في أيامنا هذه، لن يتحقق نجاح أبنائهم ببساطة بالحصول على وظيفة في مصنع محلي، بل ربما كان عليهم أن يقضوا عشرة أعوام إضافية في التعليم ما بعد الجامعي وتثقل كواهلهم بالديون الطلابية المرهقة".

ترى دوماكوندا أنه بدلًا من الضغط على صغار البالغين لينضجوا بمعدلات أسرع، علينا تقبُّل التغيُّر الثقافي الواقع والتوصل إلى طرق لتلبية الاحتياجات النفسية للمراهقين المعاصرين، وفي الوقت ذاته إعدادهم للنجاح في المستقبل. وتشير إلى أن إحدى الاستراتيجيات لتحقيق ذلك قد تتمثل في توسيع نطاق خدمات الصحة العقلية المقدمة للمراهقين، وخاصة أن 75% من الأمراض العقلية الرئيسة تظهر في منتصف العشرينيات من العمر. كما ترى أن علينا التوقف عن الوصف المتعسف لسن الثامنة عشرة بأنها سن الرشد، وإدراك أن النمو النفسي الاجتماعي تختلف وتيرته من شخص لآخر. كما تقول: "يحتاج الباحثون إلى أن يدركوا أن الراشدين الناشئين هم مجموعة من الأشخاص المتفردين في مرحلة من مراحل النمو، والتوقف عن الزج بهم في دراسات الراشدين تحت الفئة العمرية ما بين 18 إلى 65 عامًا. سيساعدنا هذا الأمر على معرفة احتياجاتهم الخاصة حتى نطور استراتيجيات موجهة للوقاية من الأمراض العقلية وعلاجها".

الزمن كفيل بأن يخبرنا بمدى تأثير المراهقة الممتدة في الثقافة والشخصية الأمريكية. ولكن كما يقول أسطورة كرة السلة تشارلز باركلي، هناك جانب إيجابي واضح: "الأطفال رائعون. من المؤسف أن عليهم أن يكبروا ليكونوا أشخاصًا عاديين يأتون لمشاهدة المباريات ويوجهون لك الإهانات والسباب".