كشف أول هيكل عظمي شبه كامل لأحد الدلافين المنقرضة، التي عاشت خلال العصر الأوليجوسيني قبل حوالي 25 مليون سنة، أن هذه الدلافين كانت على قمة الحيوانات المفترسة.

ويعود أول اكتشاف لبقايا الدلافين -التي يُطلق عليها اسم (Ankylorhiza)- إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر، حينما عُثر على "الخَطْم" -جزء بارز من الجمجمة يتألف من الأنف والفم والفك- في أثناء تجريف الفوسفات في نهر واندو بولاية كارولينا الجنوبية بأمريكا.

وفي تسعينيات القرن الماضي، عثر عالِم الحفريات مارك هافنشتاين، في الولاية ذاتها، على أول هيكل شبه كامل لهذه الدلافين بطول 15 قدمًا، وتبرع به لاحقًا لمتحف "ماس براون للتاريخ الطبيعي" في كارولينا الجنوبية، لإتاحة دراسته.

وأوضح الباحثون في دراسة نشرتها دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology) اليوم "الخميس"، 9 يوليو، أن خطوطًا متعددة من الأدلة -من تشريح الجمجمة والأسنان إلى الزعنفة والعمود الفقري- تُظهر أن هذه الدلافين الكبيرة -التي تنتمي إلى رتبة الحيتان المُسَنَّنة (Odontoceti)- كانت من أقوى المفترِسات في بيئتها.

يقول روبرت بوسينكير -الباحث بقسم الجيولوجيا في كلية تشارلستون بولاية كارولاينا الجنوبية، وقائد فريق البحث- في تصريحات لـ"للعلم": "إن هذا الدولفين المتحجّر هو أحد أفضل الدلافين المحفوظة على الإطلاق، بعمود فقري كامل تقريبًا وهيكل زعانف".

وأضاف أن "هذه الدلافين ذات جسم كبير، ولها جمجمة كبيرة بأسنان متضخمة، مع العديد من التعديلات التي تمكِّنها من التهام فريسة كبيرة، مثل الأسماك الكبيرة والثدييات البحرية الأخرى، كأبقار البحر والدلافين الأخرى"، موضحًا أن "هذا النوع من الدلافين لا يرتبط ارتباطًا وثيقًا على الإطلاق بالحوت القاتل، لكنه -فحسب- أول نوع من الدلافين يتطور إلى نمط حياة الحيوانات المفترسة المهيمنة".

وعن أهمية هذا الاكتشاف، أشار "بوسينكير" إلى أن هذا الهيكل العظمي المكتشَف، أثبت لأول مرة أن هذه الدلافين لا تنتمي إلى الإسكوالودون (Squalodon) -هو جنس منقرض من الثدييات  من رتبة الحيتانيات- كما أشار الخَطْم الذي اكتُشف قبل هذا الهيكل، لكنه يحتاج إلى نسبته لاسم جنس جديد.

ووفقًا للدراسة، فإن هذا النوع من الدلافين هو الأول الذي يصل إلى قمة الحيوانات المفترسة، وبعد انقراضها قبل حوالي 23 مليون سنة، فإن حيتان العنبر (Sperm whale) -أكبر الحيتان المُسنَّنة- والدلافين قرشية الأسنان (Squalodon) -جنس منقرض من الثدييات يتبع رتبة الحيتانيات- تطورت وأعادت احتلال المكان في غضون 5 ملايين سنة.

ونوه بأن "الحيتان والدلافين لها تاريخ تطوري معقد وطويل، وقد رصد السجل الأحفوري لهذه الحيوانات المنقرضة مسار هذا التطور التطوري الطويل والمتعرج، وتساعد حفرية مثل دلافين (Ankylorhiza) في توضيح كيفية حدوث ذلك".

وأضاف أن أبرز ما توصلت إليه الدراسة، هو أن الهيكل العظمي الخاص بالدولفين المتحجر يشير إلى العديد من سمات العمود الفقري والزعنف الذي تطور على نحوٍ متقارب في الحيتان البالينية والحيتان المُسَنَّنة؛ واختلف هذان الفصيلان بعضهما عن بعض منذ حوالي 35-36 مليون سنة.

ووَفق الدراسة، تشير الأحفورة إلى أن هناك العديد من الملامح موجودة في الحيتان البالينية الحديثة والحيتان المُسَنَّنة، ولكنها مفقودة في تلك الأحفورة، مثل الذيل المحدود، أكثر من 24 فقرة ذيل، واحتوائها على عظم قصير، وفقدان العديد من المرفقات العضلية في الزعنفة، وهذا يكشف أنها طورت ميزات مماثلة لكن بشكل مستقل، مدفوعةً بالتطور الموازي لدى الموائل المائية المتشابهة جدًّا التي عاش فيها.

وعن خطواتهم المستقبلية، قال "بوسينكير": النتائج التي توصلنا إليها ليست سوى الخطوة الرئيسية الأولى في بحثنا حول تلك الأحفورة، وهناك نوعٌ ثانٍ محتمل يُنتظر أن تتم تسميته، بالإضافة إلى عينات أخرى يمكن أن تخبرنا عن النمو المبكر لهذا الدلفين.