أجرى فريق من الباحثين المصريين في المركز القومي للبحوث وجامعتي حلوان والمنوفية، دراسةً حديثةً على نوع من أنواع المشروم يحمل اسم "جانوديرما أبلانتم" Ganoderma applanatum، وُجد على قواعد الشجر الميت في منطقه هاكوزاكي هيغاشي-كو في مدينة فكوكا-شي باليابان، وثبتت قدرته الكبيرة على مقاومة سرطان القولون خلال خمسة أيام فقط.

الدراسة نشرتها دورية "بيوميديكال آند فارماكوثيرابي" Biomedicine & Pharmacotherapy تحت عنوان "نواتج الأيض الثانوية لفطر "جانوديرما أبلاناتم" تحفز موت الخلايا السرطانية.. دراسات على مضاد للسرطان في المختبر وداخل الخلايا الحية"، وأُجريَ جزءٌ كبير منها داخل المعامل المصرية عن طريق استخلاص المواد الفعالة من الفطر، بواسطة مذيب كحول الميثانول بنسبة تركيز 80%، وإجراء تحليلات متقدمة للمستخلص لمعرفة مكوِّناته النشطة بيولوجيًّا، ثم تقييم "سُمِّيَّة الخلايا" الخاصة بالمستخلص على خلايا سرطان القولون البشرية (Caco-2).

أظهرت النتائج أن المستخلص الميثانولي للفطر ذو قدرة كبيرة على إحداث تغيرات في الشكل الظاهري لخلايا سرطان القولون، مع زيادة مادة الجلوتاثيون في الخلايا المعالَجة.

وتُعد مادة الجلوتاثيون من أهم مضادات الأكسدة الطبيعية الموجودة في جميع خلايا الجسم.

جرت زراعة خلايا سرطانية في فئران التجارب، وعلاجها بفطر الجانوديرما لمدة خمسة أيام، وأدى العلاج إلى انخفاض ملحوظ في حجم كتلة الورم، ما جعله مرشحًا واعدًا كدواء مضاد للسرطان.

مشروم خشبي

هذا النوع من المشروم الذي يتمتع بأسماء متعددة مثل "الفطر الأحمر" و"قوس الفنان" و"خبز الدب"، متطفل وصلب خشبي ولا يؤكل رغم كونه غير سام، لكن يتم استخلاص المواد المفيدة منه طبيًّا في كبسولات تؤخذ عن طريق الفم، وفق "وائل أحمد الخطيب"، الباحث المشارك في الدراسة، والباحث بشعبة الصناعات الصيدلية في قسم كيمياء المنتجات الطبيعية والميكروبية بالمركز القومي المصري للبحوث.

"الخطيب"، الذي حصل على الدكتوراة من اليابان، يقول في تصريحات لـ"للعلم": "هذا المشروم نادر وغريب، وهو من الفطريات البازيدية، وله جسم ثمري، عليه جراثيم بازيدية، تنتشر في الهواء، وتنمو على الشجر الميت أو الحي".

ويضيف أن "الصينيين عرفوا الجانوديرما منذ آلاف السنين باعتباره فطرًا دوائيًّا له فاعلية كبيرة في تنشيط الدورة الدموية وإزالة السموم، وإدرار البول وحماية الكبد، وتنظيم عمل الأمعاء والقلب وضغط الدم، وإزالة البلغم، وتهدئة الأعصاب، كما يُستخدم كمضاد للفيروسات وللميكروبات أيضًا، إضافة إلى قدرته على علاج سرطان القولون في فئران التجارب"، مشيرًا، في الوقت ذاته، إلى أن "تحديد نسبة نجاحه بدقة في علاج سرطان القولون يحتاج إلى مزيد من الدراسات قبل أن تتحول المادة الفعالة إلى دواء للبشر".

توضح الباحثة المشاركة في الدراسة "جيهان منير زغلول"، مدرس الميكروبيولوجي بكلية العلوم في جامعة حلوان، في تصريحات لـ"للعلم" أن هذا الفطر يوجد على هيئة خيوط فطرية داخل خشب الأشجار الحيَّة والميتة، ثم يشكل أجسامًا ثمريَّة يصل طولها إلى ما يتراوح بين 30 و100 سم (12-39 بوصة)، وهي أجسام صلبة وغير صالحة للأكل، وتكون بيضاء في البداية، ولكنها سرعان ما تتحول إلى اللون البني الغامق، والأجسام المثمرة منه معمرة، ويمكن أن تستمر عدة سنوات، مع زيادة في الحجم وتشكيل طبقات جديدة من المسام في أثناء نموها.

 وحول قدرة الفريق المصري على استخلاص المادة الفعالة من فطر جانوديرما أبلاناتم، تشير "زغلول" إلى أنهم اعتمدوا على الإمكانيات الموجودة في المعامل المصرية، مثل الكيماويات التي جرى استخدامها لفصل المادة الفعالة في الفطر، ودراسة الأنسجة السرطانية التي تم القضاء على الأورام فيها باستخدام أنواع خاصة من الميكروسكوبات البحثية الحديثة مثل الميكروسكوب الإلكتروني الماسح، أما عملية تعريف المركبات فتمت في المملكة المتحدة عن طريق أجهزة فصل كروماتوجرافي حديثة مثل LC-HRMS، لأنها غير متوافرة في مصر، وفق قولها.

انخفاض في حجم كتلة الورم

أما علاقة الجانوديرما بعلاج سرطان القولون، فيوضح "أحمد عبد المنعم" -أستاذ علم وظائف الأعضاء المساعد بكلية العلوم في جامعة حلوان، والمشارك في الدراسة- أن الفطر عمل على زيادة نسبة البروتينات البادئة للموت الخلوي المبرمج على حساب البروتينات المضادة للموت الخلوى المبرمج، وهي بروتينات توجَد فى جميع خلايا الجسم البشري، وأي خلل فى العلاقة بين النوعين يؤدي إلى العديد من الأمراض، وعلى رأسها الإصابة بالسرطان، التي تحدث لو زادت البروتينات المضادة للموت الخلوي المبرمج.

يقول "عبد المنعم" لـ"للعلم": "إن أي علاج مقاوم للسرطان يسعى إلى زيادة البروتينات البادئة للموت الخلوي المبرمج على حساب البروتينات المضادة للموت الخلوي المبرمج".

ويضيف أن "زراعة خلايا سرطانية في فئران التجارب ومعالجتها بفطر الجانوديرما أدى إلى انخفاض في حجم كتلة الورم، مما يثبت أن له خصائص مضادة للسرطان عن طريق إحداث الموت الخلوي المبرمج، وهذا يجعله مماثلًا لأحد الأدوية الحالية التي تُستخدم في علاج الأورام"، مستدركًا: "لكن الفطر زاد وتميز على الدواء الموجود حاليًّا بأنه أدى إلى زيادة مضادات الأكسدة الطبيعية في الخلايا".

ما يميز هذه الدراسة -وفق تصريحات غصون عبد الكريم، الباحثة بقسم كيمياء المنتجات الطبيعية والميكروبية بشعبة الصناعات الصيدلية والدوائية بالمركز القومي للبحوث- أنها أثبتت أن هذا المشروم يحتوي على ١١ مركبًا ثبتت فاعليتها كمضادات للسرطان، وبعضها له خصائص كمضاد للالتهاب وللتأكسد، مما يزيد من فاعليتها كمركبات قاتله للخلايا السرطانية، كما جرى التعرُّف على ١٥ مركبًا لم تسبق دراسة خصائصها البيولوجية من قبل.

تضيف "عبد الكريم" أنه "من المرجح أن يكون سبب تأثير مستخلص هذا المشروم على سرطان القولون هو وجود تربينات terpens ومواد عديدة الكيتايد polyketides"، مشيرةً إلى أن معظم الدراسات السابقة كانت تهتم ببحث خصائص المشروم جانوديرما لوسيدم، لذا تظهر أهمية هذه الدراسة لتناوُلها خصائص المشروم جانوديرما أبلانتم، الذي لا توجد دراسات كافية عليه بقدر الدراسات التي تناولت خصائص جانوديرما لوسيدم.

شاي ومكمل غذائي

وتذكر "عبد الكريم"، وهي غير مشاركة في الدراسة، في تصريحات لـ"للعلم"، أن الجانوديرما له استخدامات عديدة، إذ يتم تناوله عادةً كشاي عشبي، كما يتم تداوله حاليًّا كمكمل غذائي لفوائده المتنوعة، مضيفةً أنه "على الرغم من ذلك، لم يجرِ التعرُّف على كل نواتج الأيض الثانوية والمركبات المسؤولة عن فوائده الطبية العديدة، ولا استكشاف الخصائص البيولوجية لتلك المركبات، وهو ما يُظهر أهمية هذه الدراسة"، على حد وصفها.