يصنف علماء النفس الشخصيةَ وفقًا لخمس سمات فردية كبرى: الانفتاح، والتوافق، والعصابية، ويقظة الضمير، والانبساط، ولا يمثِّل الانطواء سمةً قائمةً بذاتها، إنما هو حالة لانخفاض درجة الانبساط إلى مستواها الأدنى، فغالبًا ما يتسم الانطوائيون بتحفُّظ زائد وحاجة إلى إعادة شحن الطاقة المستنزفة في البيئات الاجتماعية وأحداثها، ويساعدهم في ذلك الانعزال والركون إلى الصمت والهدوء.

والحال أن الانبساط هو نطاق متصل يقع بين نقيضين هما الانبساط الشديد والانطواء الشديد، وكذلك الحال في كل سمة من السمات الخمس، ومعظم الناس تقف شخصيتهم في مكانٍ ما بين طرفي البُعدين النقيضين.

ولكن هل هناك علاقة بين سمة الانبساط لدى البشر وعملية اختيار الكلمات واستخدامها، هذا ما اهتمت به دراسة جديدة، أكدت نتائجها وجود علاقة بين الانبساط الذي هو سمة تميز شخصية أصحابها بالميل إلى خوض تجربة المشاعر الإيجابية والاستمتاع بالتفاعل الاجتماعي ونشاطاته من جهة، واستخدامهم للكلمات من جهة أخرى.

الانبساط وكلمات المشاعر الإيجابية

أوضحت الدراسة التي نشرها فريق من علماء النفس بجامعة نانيانج التكنولوجية بسنغافورة في "جورنال ريسرش إن بورسوناليتي" شهر ديسمبر 2020 أن الشخصيات المنبسطة ميّالة إلى استخدام كلمات المشاعر الإيجابية والمعبرة عن التفاؤل والرضا، مثل: لطيف، سعيد، حب، أمل، جمال...

كما أكدت أن أصحاب هذه الشخصية ينتقون أيضًا كلمات العملية الاجتماعية (social process words) بحيث إنهم يستخدمون ضمير الجمع (نحن) بدل ضمير المفرد (أنا)، ويحرصون على إظهار نواياهم الاجتماعية بكلمات منتقاة، مثل: نتحدث، نشارك، نتقاسم... أكثر مما يفعل غيرهم في المراسلات الإلكترونية، وفي الروايات الذاتية، والمقالات الشخصية.
 

يعلق ماتياس. مهل. ر -أستاذ علم النفس بجامعة أريزونا- على هذه النتائج بقوله: "هذا يتفق مع ما يعرفه العلماء نظريًّا عن كيفية عمل الانبساط".

ومع ذلك، فليس من الهيّن الوقوف على قوة الروابط بين الانبساط وكلمات المشاعر الإيجابية وكلمات العملية الاجتماعية، وبالكاد توصل إلى وجودها مؤلفو الدراسة بعد أن خاضوا بحثًا وتمحيصًا حول الشخصية المنبسطة واستخدام الكلمات في كمٍّ كبير من الدراسات المنطوية على عشرات الآلاف من المشاركين، ليُبْقوا في الأخير على سبعٍ وثلاثين دراسةً شكلت أساس تحليلهم التجميعي أو البعدي (تحليل ميتا)، الأكبر من نوعه حتى الآن؛ "للتأكد من وجود هذين الرابطين".

يقول "مهل" في تصريح لـ"للعلم": "استطاعت الدراسة بواسطة أدوات تحليل النصوص تحديد هاتين العلامتين اللغويتين للانبساط، وقد فعلت ذلك بطريقة تجميعية قوية".

وفي حين ثبت أن ذوي الشخصية المنبسطة، وبشكل خاص الانطوائيين منهم، يميلون فعلًا وعلى نحوٍ أكبر من غيرهم، إلى استخدام كلمات عاطفية إيجابية واختيار عينة محددة من الكلمات المتصلة بالعملية الاجتماعية، فإن البحوث الحالية -كما يقول شين جيايو، أحد مؤلفي الدراسة- في تصريح لـ "للعلم"، أظهرت "تباينًا جوهريًّا فيما يتعلق بقوة صِلَتيْ كلمات المشاعر الإيجابية وكلمات العملية الاجتماعية بسمة الانبساط".

ولمعرفة كيف ترتبط سمة الانبساط بعلامتيْها اللغويتين، أي باستخدام الكلمات الذي يكشف عن عمليات نفسية في غاية الأهمية، يوضح "جيايو" أن اهتمام فريقه انصب على "تقدير حجم تأثيرهما الفعلي".

ومن جملة ما توصلت إليه الدراسة بشأن هذين الرابطين، أنهما ثابتان بغض النظر عن الجنس والعمر، إلا أنه كان لافتًا أن الارتباط بين الانبساط وكلمات المشاعر الإيجابية قد تأثر ببعض سياقات التواصل.

ففي السياقات العامة التي عادةً ما تنطوي على فرص اجتماعية أكثر من السياقات الخاصة، يميل منبسطو الشخصية في أثناء التعبير على وسائط التواصل الاجتماعي -كالمدونات الشخصية وتغريدات تويتر وتحديثات الحالة على فيسبوك- إلى استخدام كلمات عاطفية أكثر إيجابية، على خلاف ما يفعلون في سياقات خاصة، وهم يحررون رسائل إلكترونية إلى أصدقاء مقربين على سبيل المثال.

ولوحظ السلوك ذاته في أثناء التواصل المتزامن، كالمحادثات التي تتم وجهًا لوجه، مقابل التواصل غير المتزامن كرسائل البريد الإلكتروني، مما يدل على أن الانبساط أقوى ارتباطًا بكلمات المشاعر الإيجابية في سياقات التواصل غير المتزامن مقارنةً بالسياقات المتزامنة، ربما لميل منبسطي الشخصية إلى "تقديم صورة اجتماعية أفضل عن أنفسهم" وفق تعليل الدراسة، على افتراض أن التواصل المتزامن لا يتأتى فيه تدبير الانطباع الذي يخلفه الشخص لدى الآخرين إلا على نحوٍ أقل مما يتيحه التواصل غير المتزامن.

في المقابل، ظل الرابط بين الانبساط وكلمات العملية الاجتماعية مستقلًّا عن سياقات التواصل، فسواء كان منبسطو الشخصية في سياق عملية تواصل متزامن أو غير متزامن، أو في أثناء التحدث إلى الآخرين في سياقات خاصة أو عامة، فإنهم يميلون بالقوة نفسها إلى استخدام الكلمات الاجتماعية أكثر من الانطوائيين، مما يشير إلى ميلهم العام إلى الإقبال على العلاقات والأنشطة الاجتماعية.

ورجحت الدراسة أن يكون أحد التفسيرات هو أن إستراتيجيات تدبير الانطباع لا تؤثر على استخدام كلمات العملية الاجتماعية، وبالتالي لا تؤثر على العلاقة بين الانبساط وكلمات العملية الاجتماعية.

التسويق الرقمي المستفيد الأكبر

وفي حين تُعد هذه هي "المرة الأولى" التي يتم فيها الوقوف على وجود علاقة بين منبسطي الشخصية وميلهم إلى هاتين الفئتين من استخدام الكلمات (كلمات المشاعر الإيجابية وكلمات العملية الاجتماعية)، فإن الدراسة قدّرت أن قوة العلاقات بين هذه العناصر تتسم مع ذلك بحجم تأثيرها "الضئيل"، لافتةً إلى أن هناك نتائج مماثلة سبق أن أسفرت عنها دراسات تجميعية للسمات الأخرى للشخصية، كالعصابية.

يؤيد "مهل" هذه النتيجة، مقدمًا تفسيره الخاص لتواضُع حجم هذه التأثيرات بأن "التعبير عن الانبساط يمكن أن يظهر من خلال مجموعة واسعة من الطرق الممكنة".

استنتجت الدراسة من تواضُع حجم التأثيرات بين العناصر المدروسة أن العلامات اللغوية "قد لا تكون منبِّئاتٍ قويةً لسمات الشخصية"، وإن يكن، فذلك لا يقلل من نفع العلامات اللغوية التي تتيح "توفير أدلة سليمة من الناحية النظرية لتحسين دقة التنبؤ بالشخصية"، وفق تأكيد "جيايو".

سلطت هذه النتائج الضوء على الحاجة إلى تطوير مؤشرات لغوية أقوى لاستخدامها في أدوات التنبؤ بالشخصية عبر الإنترنت، والتي يجري تبنِّيها بسرعة من قِبَل الشركات لتحسين إستراتيجيات التسويق الرقمي.

ويمثل تحسين دقة التنبؤ بالشخصية على الإنترنت الجانب العملي لهذه الدراسة بتأكيد مؤلفيها؛ فالوضع الحالي للتنبؤ بالشخصية باستخدام التعلُّم الآلي مثّل "سببًا إضافيًّا" لإجرائها.

وتُعد خوارزميات التعلم الآلي للتنبؤ بالشخصية في العالم الافتراضي أحد أوجه الاستخدامات الأحدث لتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تشهد إقبالًا كبيرًا، لا سيما من قِبل الشركات التجارية التي تسعى للتعرُّف على رغبات المستهلكين والاستفادة من البيانات والتعلُّم الآلي لفهم الجوانب النفسية لسلوك مستخدمي الإنترنت، فيتيح لها ذلك طرح إعلانات تجارية ذات رسائل تسويقية مبدعة تناسب أكثر شخصية المستخدم منبسط الشخصية وتجتذبه باعتباره مستهلكًا مستهدفًا.

وتؤثر أدوات تقييم الشخصية الآلية من خلال استخدام اللغة على المجتمع بأشكال متعددة، كتمكين القائمين على التوظيف من مطابقة المرشحين بشكل أفضل مع الوظائف الشاغرة بناءً على شخصياتهم، فإن رغبت شركة تجارية على سبيل المثال في اختيار موظفي مبيعات على أساس معيار إجادة التواصل الاجتماعي مع الآخرين، فستتمكن من التمييز بسهولة بين منبسطي الشخصية والانطوائيين دون الاعتماد على التقارير والسير الذاتية للمرشحين، كما يمكن تعديل المنتجات والخدمات لتتناسب بشكل أفضل مع شخصيات مستخدميها وحالتهم المزاجية.

وتقوم تقنية التعلم الآلي للتنبؤ بالشخصية، بإنشاء النماذج آليًّا بناءً على البيانات المتاحة على شبكة الإنترنت، والسمات الكبرى الخمس المحددة للشخصية، وسلوكيات المستخدمين الافتراضية، لاستخدامها في وضع إستراتيجيات التسويق الرقمي، وقد أظهرت عدة دراسات أن النماذج المستندة إلى الحاسوب للتنبؤ بالشخصية يمكنها إصدار أحكام صحيحة، كتلك التي يصدرها البشر، بل إن منها ما ذهب إلى أنها أدق.

لكن الخوارزميات التنبُّئية الحالية تشبه "الصندوق الأسود" بتعبير المؤلف الرئيسي، البروفيسور كيو لين، الذي استحضر "جيايو" رأيه المنشور على موقع جامعة سنغافورة ؛ إذ يرى "لين" أن هناك العديد من العلامات اللغوية الصالحة لتصاميم خوارزميات التعلُّم الآلي، لكن الكثير منها يعتمد على نوع تطبيق الكمبيوتر المستخدم، مما قد يُسقِط في التحيز والتخصيص، وهو في اعتقاده خطأ يؤثر على أداء الخوارزميات.

يقول "جيايو": "سوف نحاول استكشاف كيفية ارتباط الانبساط بفئات أخرى من المؤشرات اللغوية، مثل استخدام كلمات اليقين: دائمًا، أبدًا...".

وأمام نقص التصاميم الخوارزمية السليمة نظريًّا في ميدان التسويق الرقمي، فإن توفير المزيد من الوضوح حول استخدام الكلمات، من خلال العثور على مؤشرات لغوية أكثر موثوقية، وعلى علاقة أقوى بسمة الانبساط، يمثِّل أفقًا نظريًّا مفيدًا لتصميم خوارزميات تنبُّئية أكثر دقة.

ويأمل فريق علماء جامعة سنغافورة أن تشجع نتائج دراستهم التي تحمل عنوان "تحليل تجميعي للعلامات اللغوية لسمة الانبساط: المشاعر الإيجابية وكلمات العمليات الاجتماعية" على إجراء بحوث مستقبلية لاستكشاف طرق التحليل اللغوي الأخرى وإيجاد مؤشرات لغوية أقوى للانبساط، في ظل تزايُد الاهتمام باستخدام البيانات الكبيرة للتنبؤ بالشخصية.