إن قدرة شاهد العيان على التعرُّف إلى مرتكِب جريمة من بين مجموعة من المتهمين سيئة للغاية، أليس كذلك؟ تبدو الإجابة "نعم" قاطعة إذا نظرنا إلى بعض المعلومات الشهيرة، والمُربِكة أيضًا. من المعروف أن التعرُّف الخطأ إلى المتهم من قِبَل شهود العيان تسبَّب في 70% من حالات الاتهام الباطلة البالغ عددها 349 حالة التي جرى تحديدها (حتى الآن) بناءً على أدلة الحمض النووي.

وقد توصل علماء النفس إلى الكثير من المعلومات حول أسباب وقوع مثل هذه الأخطاء. على سبيل المثال، بسهولة شديدة يمكن إقناع المشاركين في إحدى تجارب الذاكرة بأنهم رأوا علامةَ توقُّف على الطريق في حين أنهم رأوا في الواقع علامة تهدئة السرعة لمنح الآخرين الحق في العبور، أو أنهم فُقدوا في أحد مراكز التسوق التجارية وهم صغار في حين أنهم لم يتعرضوا لهذه التجربة. وبالطريقة نفسها، يمكن دفع شاهد عيان لأن يتذكر خطأ قيام شخص ما بارتكاب جريمة ارتكبها في الواقع شخص آخر.

غير أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، انظر إلى التمييز المهم، والذي غالبًا ما يتم التغاضي عنه، بين المرونة والموثوقية. فلمجرد أن الذاكرة تكون مرنة -على سبيل المثال، أنها يمكن أن تتشوش بأثر شخص بريء- لا يعني أنها بالضرورة غير موثوق بها، وإنما يعني أن مرونة الذاكرة يمكن أن تضر بمدى إمكانية الوثوق بها. وبمجرد تفهم هذه الحقيقة وتقديرها، يمكن استخدام بروتوكولات اختبار مناسبة لتقليل احتمالية أن يكون الأثر الأساسي في الذاكرة قد تعرض للتشوُّش بأثر آخر.

إن الإجراءات القائمة حاليًّا لجمع الأدلة من شهود العيان وتقييمها غالبًا ما تكون غير مصمَّمة لتقليل هذا التشوُّش أو التلوُّث بمؤثرات أخرى، وهذه المشكلة لا تنطبق على الأنواع الأخرى من الأدلة الجنائية. تخيل لو أن الشرطة أتاحت لأشخاص غير مخوَّلين إمكانية الوصول الحر العشوائي إلى مسرح الجريمة الذي يخضع للتحقيقات، فماذا سيعني هذا بالنسبة لموثوقية الأدلة من آثار الدماء مثلًا أو بصمات الأصابع التي يحصلون عليها من مسرح الجريمة؟ لن يُنظر إلى آثار الدماء أو بصمات الأصابع في حد ذاتها على أنها غير موثوق بها، بدلًا من هذا ستكون الأدلة التي جُمعت من مسرح الجريمة الذي تعرَّض لعوامل مُلوِّثة على الأرجح غير مقبولة. غير أن الأمر يختلف مع ذاكرة شهود العيان.

إن أي دليل قابل للتعرُّض للتلوُّث أو الفساد، وهذا يشمل الدليل الذي يُعَدُّ المقياس الذهبي للأدلة الجنائية: أدلة الحمض النووي. فعلى غرار ذاكرة شهود العيان، فإن أدلة الحمض النووي يمكن أن تتلوث بأثر شخص بريء، وإذا اعتمد القضاء على هذا الدليل الفاسد في المحاكمة لتقرير ما إذا كان المتهم مذنبًا أم بريئًا، فإن مخاطر الاتهام ظلمًا تكون مرتفعة. فلننظر -على سبيل المثال- إلى قضية جاري ليترمان، الذي أدين في عام 2005 بتهمة القتل وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة عقب تحقيقات الشرطة في قضية قتل لم تُحل وقعت في عام 1969، إذ وُجِد حمضه النووي على ملابس الضحية، وهي سيدة تدعى جين ميكسر. ويرى كثيرون أن هذه الإدانة كانت قائمة على دليل حمض نووي فاسد.

ما الحقائق التي دفعت إلى الاعتقاد بأن ليترمان ربما يكون قد أدين ظلمًا بتهمة القتل بناءً على دليل فاسد؟ أولًا، عُثر على حمض نووي آخر –يخص شخصًا يُدعى جون رولاس، كان طفلًا في الرابعة من عمره في وقت ارتكاب جريمة القتل– في بقعة دم كانت موجودة على يد الضحية اليسرى. وعلى الرغم من عدم التوصل إلى وجود علاقة بين ليترمان ورولاس، فإن هيئة الادعاء قد وضعت نظرية مفادها أن ثلاثتهم كانوا معًا بعد منتصف الليل في مسرح الجريمة في عام 1969، ولسبب غير معروف نزف الطفل ذو السنوات الأربع على الضحية بينما كان ليترمان يقتلها. ووفقًا للنظرية نفسها، بعد 33 عامًا في عام 2002، في مصادفة لا يمكن تصوُّرها، تصادف وجود عينات من ميكسر ورولاس وليترمان معًا مرة أخرى في معمل الشرطة بولاية ميشيجان؛ حيث كان الدليل الخاص بضحية جريمة القتل التي لم تحل هناك لأن القضية أعيد فتحها مؤخرًا، في حين كانت عينة الحمض النووي من الشخص الذي كان طفلاً في عام 1969 هناك في إطار التحقيقات في جريمة قتل أخرى، وكانت عينة الحمض النووي الخاصة بليترمان هناك أيضًا نظرًا لأنه أُلقي القبض عليه مؤخرًا لقيامه بتزوير وصفة طبية. وقد كانت التحليلات المتزامنة تقريبًا للأدلة من هذه القضايا الثلاث في المعمل الجنائي نفسه في عام 2002 –ما يمكن أن نطلق عليه لم شمل ميكسر ورولاس وليترمان، والذين كانوا معًا للمرة الأخيرة في الأمسية التي ارتكبت فيها الجريمة في عام 1969– إما مصادفة لا تُصدَق أو أن الدليل الخاص بجين ميكسر قد تلوث وفسد بالحمض النووي الخاص بكلٍّ من ليترمان ورولاس.

وبدلًا من استنتاج أن أدلة الحمض النووي لا يمكن الاعتماد عليها من الأساس بسبب فساد الأدلة الذي يبدو أنه حدث في هذه القضية، فقد يكون من المنطقي أكثر استنتاج أنه كي يكون اختبار الحمض النووي موثوقًا به يجب اتباع بروتوكولات اختبار مناسبة. لن يشكك كثيرون في أنه في ظل ظروف الاختبار المناسبة فإن أدلة الحمض النووي تكون على درجة عالية من الموثوقية. والأمر نفسه ينطبق على ذاكرة شهود العيان؛ إذ يمكن أن تتشوش ذكرى الجريمة بآثار شخص بريء، ولكن في ظل اتباع ظروف اختبار مناسبة فإن أدلة  شهود العيان ستكون على درجة عالية من الموثوقية. وكما هو الحال مع أدلة الحمض النووي، فإن أدلة شهود العيان تحتاج إلى حمايتها من الفساد.

ولتحقيق هذا الهدف، يجب اتباع بروتوكولات الاختبار المناسبة التي تحد من احتمالات فساد الأدلة. ومن بين عناصر الحماية: أولًا، وهو العنصر الأكثر أهمية، نظرًا لأن الاختبار نفسه يؤدي إلى فساد الذاكرة، فإن اختبار الذاكرة "الأول" فقط هو الذي يمثل اختبارًا صحيحًا، أما اختبارات الذاكرة التالية -وتشمل الاختبار الدرامي الذي يحدث في المحكمة أمام هيئة المحلفين- فتشكل دليلًا فاسدًا. ثانيًا، يجب أن يكون استعراض المشتبه بهم أمام الشرطة عادلًا (أي يجب ألا يكون المتهم مميزًا). وثالثًا، يجب تسجيل مستوى ثقة شهود العيان عقب تحديد أحد المشتبه بهم من طابور العرض؛ إذ إن تقييم مستوى ثقة الشاهد ضروري للغاية لأنه يقدم معلومات مباشرة حول مدى الثقة بتعرُّفه الدقيق إلى المتهم. ويشير التحديد المبدئي للمتهم الذي يفعله شاهد العيان بمستوى محدود من الثقة بالنفس إلى أنه على الرغم من عدم تعرُّض الذاكرة للتشوش، فإن تحديد هوية المتهم غير موثوق به (إذ إن المستوى المحدود من الثقة الذي يظهر على شاهد العيان يكون بمنزلة اعتراف ضمني منه بأنه ثمة احتمال كبير أنه يرتكب خطأ). وعلى النقيض، فإن التعرف إلى المشتبه به بثقة شديدة من جانب الشاهد العيان يكون شديد الدقة، وهي حقيقة مثيرة للدهشة لم يتوصل إليها علماء النفس التجريبيون إلا مؤخرًا. ففي مراجعة حديثة للمؤلفات العلمية في هذا الشأن، توصل المؤلفون إلى أنه في 15 تجربة، كان تحديد هوية المشتبه به بمستوى مرتفع من الثقة دقيقًا بنسبة 97%!

وعلى الرغم من أهمية تقدير مستوى الدقة المرتفع في التعرف المبدئي الواثق على المتهم، فقد يكون تقدير انخفاض مستوى الدقة في التعرف إلى المتهم بثقة أقل من جانب شاهد العيان أكثر أهمية. ولمعرفة السبب علينا إعادة النظر في حالات التبرئة المعتمدة على الحمض النووي، التي غالبًا ما يكون فيها خطأ من جانب شهود العيان في التعرف إلى المتهم.

حلل براندون جاريت المواد التي استندت إليها محاكمة 161 شخصًا تمت تبرئتهم في النهاية بالاعتماد على أدلة الحمض النووي، والذين تم التعرف إليهم خطأ من قِبَل شاهد عيان أو أكثر في محاكمة بثقة شديدة. وهذه الحقيقة في حد ذاتها توضح أن الذاكرة التي تعرضت للتشوش لا يمكن الوثوق بها (بالضبط كما أن أدلة الحمض النووي التي تعرضت للتلوث لا يمكن الوثوق بها). وعلى أية حال، في 57% من تلك الحالات كان من الممكن تحديد ما حدث في اختبار الذاكرة المبدئي (غير المشوش). ففي كل اختبار من تلك الاختبارات، كان شهود العيان على أفضل تقدير غير متيقنين.

وفي تقديرنا، فإن فكرة أن نعزو هذا الخطأ إلى عدم موثوقية ذاكرة شهود العيان هي بمنزلة الإشارة بأصابع الاتهام في الاتجاه الخطأ. إن ذاكرة شاهد العيان يمكن الاعتماد عليها والثقة بها عند اختبارها مبدئيًّا باستخدام الإجراءات السليمة، غير أن النظام القانوني يعتمد عادةً على الأدلة غير الموثوق بها من شهود العيان (بعد تعرُّضها للتشوُّش) في عمليات التعرف اللاحقة إلى المشتبه بهم. وكلما أدركت الشرطة وهيئة الادعاء والقضاة هذه الحقيقة، كان ذلك أفضل لجميع الأطراف، حتى أنت عزيزي القارئ إذا وقعت يومًا ضحية لشهادة خطأ من أحد شهود العيان.