يُعرف أبراهام لنكولن بكونه الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية. كان الرجل بطلًا في مجال الحقوق؛ إذ أطلق دعوته العظيمة المُطالبة بحرية العبيد. لكن لم تبدأ قصة هذا الرجل العظيم بالنجاح، ففي بداية حياته، طُرد من وظيفته، وماتت حب حياته "آن روتلدج"، كما فشل في محاولته لشغل منصب مُفوض المكتب العام للأراضي في العاصمة.

لكن تلك الإخفاقات –السياسية والاجتماعية والشخصية- لم تفت في عضد الرجل، فسرعان ما تبدلت الأحوال وبدأ مسيرة النجاح، التي تُوِّجت في سن 52 عامًا بالوصول إلى منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

لم يكن "لنكولن" هو الشخص الوحيد المشهور الذي صادف الفشل في بداية حياته، فالعالم الفذ "ألبرت آينشتاين" فشل هو الآخر في اجتياز امتحان القبول بمدرسة الفنون التطبيقية في زيورخ، كما شغل في بداية حياته منصب موظف بمكتب براءات الاختراع، حتى حالفه النجاح حين عمل في مجال الفيزياء، وأسهم بنظريته الشهيرة عن "النسبية" في الوصول إلى تفهُّم أعمق حول كيفية عمل الكون.

وفي السياق ذاته، فشل الملياردير الشهير "بيل جيتس" في بداية حياته، كما فشل أيضًا عالِم الأحياء المعروف "داروين" إبان دراسته في المراحل المبكرة، وصارع الممثل الكوميدي "شارلي شابلن" الجوع سنوات طويلة، وغيرهم كثيرٌ ممن عانوا من الفشل حتى حققوا نجاحات باهرة في نهاية المطاف.

تُخبرنا تلك القصص بمجموعة كبيرة من العبر، إذ تُحفزنا على التعلُّم من الأخطاء والخروج بشكل قوي من الفشل وصولًا إلى النجاح. لكن، هل يُمكن أن يكون هذا الفشل في بداية الحياة حافزًا قويًّا للنجاح؟ تقول دراسة نشرتها دورية "نيتشر" (Nature) إن الفشل الأول ربما يكون مفترق طرق؛ إذ قد تتباعد المسافات بين مَن قد يقوده هذا الفشل إلى النجاح وآخرين يقعون في الفشل مجددًا، كان هذا التبايُن واضحًا في وقت مبكر مع المحاولة الثانية. وكان العامل الذي حدد المسار الذي سلكه الفرد في النهاية -مسار الفشل أو مسار النجاح- هو مدى ما تعلمه من حالات الفشل السابقة، وكيف طبق هذه المعرفة والاستفادة من هذه المحاولات في المضي قدمًا.

استخدم الباحثون نهجًا رياضيًّا درسوا من خلاله الكيفية التي يؤدي بها الفشل إلى النجاح، مشددين على أن "الإنجازات البشرية غالبًا ما يسبقها محاولات فاشلة متكررة. لكن، لا يُعرف الكثير عن الآليات التي تحكم ديناميات الفشل".

لذا قرر علماء البيانات من جامعتي "نورث ويسترن" و"شيكاغو" وكليتي "كيلوج للإدارة" و"ماكورميك للهندسة" دراسة تلك الديناميات في مجالات مختلفة، من بينها العلوم، وريادة الأعمال.

تحسُّن تدريجي

انطلق الباحثون من فكرة أن الأشخاص الناجحين الذين يُواجهون الفشل في بداية حياتهم يبدأون في إجراء تحسينات تدريجية بشكل منهجي وصولًا إلى النجاح، أما الفاشلون فيتركون مجال العمل وينظرون إلى فرص أخرى دون إجراء خطط تُقلل من فرص فشلهم وتدفعهم للنجاح.

ولدراسة ذلك الأمر، ابتكر الباحثون نموذًجا رياضيًّا لدراسة مجموعة من العوامل التي أدت إلى فشل البعض ونجاح البعض الآخر، وقام ذلك النموذج بتحليل بيانات واسع النطاق تعقَّب المحاولات المتكررة لبعض الناجحين والفاشلين، لتحديد ديناميات الفشل التي ستؤدي إلى النجاح أو الفشل في نهاية المطاف. وبالنظر إلى انتشار الفشل، وندرة الدراسات المُصممة لفهمه، تمثل نتائج تلك الدراسة خطوةً أوليةً نحو فهمٍ أعمق لواحدة من الديناميات المعقدة في الحياة، تلك المذاهب الكامنة وراء الفشل.

ولفهم الأسباب المؤدية إلى الفشل، جمع الباحثون بيانات مُصنفة في ثلاث مجموعات واسعة النطاق. تحتوي مجموعة البيانات الأولى على جميع طلبات المنح المقدمة إلى المعاهد الأمريكية للصحة، إذ حصل الباحثون على ما مجموعه 139.091 طلبًا للحصول على منح لتمويل الأبحاث، وافق المعهد على 77621 طلبًا فقط منهم، شملت تلك المعلومات بيانات أساسية حول المتقدمين للمنح، ومحاولاتهم المتكررة للحصول على التمويل.

أما المجموعة الثانية، فكانت لسجلات الشركات الناشئة، التي ضمت معلومات حول رؤوس الأموال لعدد 253579 شخصًا، شملت تلك المعلومات التاريخ الوظيفي الفردي لهؤلاء الأشخاص، وعدد المشروعات المتعاقبة التي شاركوا فيها، كما احتوت البيانات أيضًا على تصنيف للمشروعات الناجحة والفاشلة، وفقًا لعمليات الدمج الاقتصادية، ومدى تحقيق تلك المشروعات لقيم كبيرة في الاكتتاب العام.

أما المجموعة الثالثة، فضمت معلومات مُستقاة من قواعد بيانات رصدت 170350 هجمةً إرهابيَّةً حدثت بين عامي 1970 و2017. شنت تلك الهجمات 3178 منظمة إرهابية. وقسمها الباحثون إلى ناجحة (أودت بحياة شخص واحد على الأقل)، أو فاشلة (لم تؤدِّ إلى وقوع حالة قتل واحدة على الأقل).

وفقًا للباحثين، يمكن لهذا النموذج أن يساعد الأفراد والمنظمات على الاستفادة بشكل أفضل من تجاربهم الفاشلة في السابق لتحقيق النجاح. كما يمكنه أن يساعد المديرين وصانعي السياسات في اتخاذ القرارات بشأن ترقيات العمل، والأدوار القيادية للمشاريع، وأكثر من ذلك.

تراكُم الخبرات

تقول الدراسة إن "الفرصة والتعلم آليتان أساسيتان تشرحان كيف يُمكن أن تؤدي الإخفاقات إلى النجاح. وإذا كان لكل محاولة احتمال معين للنجاح، فإن احتمال أن تؤدي محاولات متعددة إلى الفشل يتناقص بشكل كبير مع كل تجربة. وهو أمر يعني أن النجاح ينشأ في نهاية المطاف من تراكم الخبرات المستقلة".

لاختبار ذلك الأمر، قارن الباحثون أداء المحاولة الأولى بأداء المحاولة قبل الأخيرة في فترات الفشل في كلٍّ من المجموعات الثلاث التي فحصتها الدراسة. ووجدوا أنه في جميع المجموعات تُظهر المحاولة ما قبل الأخيرة –التي سبقت النجاح مباشرة- أداءً أفضل من المحاولة الأولى بشكل منهجي. وبالتالي، ترفض النتائج فكرة أن النجاح مدفوع ببساطة عن طريق الصدفة، وهو الأمر الذي يُجادل فيه الكثير من الباحثين والعلماء.

يقول "ييان يين" -الباحث في مركز العلوم والابتكار بجامعة "نورث ويسترن" الأمريكية، والمؤلف الأول في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الصدفة لا تُقدم الدعم الأكبر في النجاح؛ إذ يتحقق النجاح في الأساس بالتجربة والتعلم؛ فهاتان الآليتان تقللان من احتمالات الفشل بكل تأكيد".

قبل عقود طويلة، قال المخترع العبقري "توماس أديسون" مقولته الخالدة: "أنا لم أفشل.. بل وجدت 10 آلاف طريقة لا يمكن للمصباح العمل بها".

يتفق "يين" مع مقولة "أديسون" اتفاقًا كاملًا، مضيفًا أن "زيادة عدد محاولات الفشل تؤدي إلى تراكم الخبرات المطلوبة للنجاح.. فقط علينا التأني والصبر والاستمرار في المحاولة، لكن بذكاء؛ إذ إن نتائج الدراسة تشير في الوقت ذاته إلى أنه ليس كل فشل يؤدي إلى النجاح. فما يفصل الفائزين عن الخاسرين ليس بالتأكيد الثبات على إجراء المحاولات فقط، فالأشخاص الذين فشلوا في نهاية المطاف حاولوا في الأساس العدد ذاته من المرات لتحقيق أهدافهم، إذ توضح الدراسة أن المحاولة مرارًا وتكرارًا لا تحقق النجاح إلا إذا تعلم الشخص من إخفاقاته السابقة، ما يعني أنه يجب على الشخص أن يعمل بذكاء وليس بجد فقط".

قابلية التنبؤ

ما يُميز تلك الدراسة هو تحديد نموذج إحصائي –غير معروف سابقًا على الإطلاق- يفصل بين المجموعات الناجحة والمجموعات غير الناجحة، وبالتالي يجعل جدوى المحاولات المتكررة "قابلةً للتنبؤ". فوفقًا لنتائج الدراسة فإن أحد المؤشرات الرئيسية للنجاح –إلى جانب التركيز على العوامل التي يُمكن أن تعمل بشكل جيد- هو الوقت بين المحاولات الفاشلة المتتالية، والذي يجب أن ينخفض بشكل مُطرد. فكلما كانت وتيرة فشل الشخص أسرع، كانت فرص نجاحه أفضل.

ففي حالة المجموعة الأولى التي تم فحص بياناتها، نجد أنه إذا ما تقدم شخصٌ ما بطلب للحصول على منحة وفشل في ذلك ثلاث مرات متتالية، وكان الوقت الفاصل بين تلك المحاولات صغيرًا نسبيًّا، تكون احتمالات النجاح في المحاولة الرابعة أكبر بكثير؛ إذ إن الشخص الذي تقدَّم للحصول على منحة ثلاث مرات بفارق زمني 6 أشهر ينجح بمعدل أكبر في الحصول على المنحة، مقارنةً بالشخص الذي فشل ثلاث مرات بفارق زمني في المحاولة بلغ عامًا كاملًا، وفق "يين".

نقطة حرجة

من خلال تحليل البيانات واسعة النطاق التي جرت الإشارة إليها في الأعلى، تمكَّن الباحثون أيضًا من تحديد نقطة حرجة مشتركة بين آلاف المهمات التي قاموا بتحليلها. وتُشكل تلك النقطة مفترق طرق، فقد يبدو شخصان بالقرب من النقطة الحرجة متطابقَين في البدايات من ناحية إستراتيجيات التعلُّم أو الفرصة، ولكنهما يفشلان "بسبب المنطقة الجغرافية التي يعيشون فيها". وبالتالي تُضيف تلك الدراسة عاملًا شديد الأهمية للنجاح، هو "المكان الذي يعيش فيه الأشخاص".

يقول "يين" إن الفريق البحثي "استلهم الدراسة من قصة توماس أديسون، والنتائج التي توصلنا إليها تتفق تمامًا مع رؤيته التي جاءت في اقتباسه المعروف بأن العديد من إخفاقات الحياة هي لأناس لم يدركوا مدى قربهم من النجاح، لقد اختبرنا صحة تلك العبارة بشكل علمي وبناءً على معرفة إحصائية وبيانية من خلال الدراسة التي امتدت على مدى ثلاث سنوات كاملة، وانتهينا إلى أنه يجب على أولئك الذين لا يزالون في طريق النجاح عدم الاستسلام، والاستفادة من إخفاقاتهم السابقة".

ويقول "جيمس إيفانز" -الباحث بقسم علم الاجتماع بجامعة شيكاغو، والمؤلف المشارك في تلك الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن إحدى النتائج الأكثر أهميةً في تلك الدراسة هي أن تسريع الفشل يؤدي إلى النجاح، وأن تحسين الرؤية بشأن خطوات ما بعد الفشل هي الخطوة الأولى للنجاح".

من جهتها، تتفق "روبرتا سيناترا" -الأستاذ المساعد في معهد الاتصالات بجامعة كوبنهاجن، والمتخصصة في دراسة آليات ديناميات الفشل- مع النتائج التي توصل إليها فريق البحث.

تقول "سيناترا" -التي لم تُشارك في تلك الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن النتائج مجتمعةً تدعم فرضيةً مهمةً تتعلق بدور الحظ الضئيل في تحقيق النجاحات الممنهجة؛ فالحظ قد يُساعد بطبيعة الحال على تحقيق النجاح، إلا أن العوامل الأهم -التي تُشير إليها تلك الدراسة- تتمثل في أهمية "التعلُّم" و"تكرار المحاولات" و"التفكير بذكاء" لتحقيق النجاح. فقد يأتي النجاح مُصادفةً مرةً واحدةً في العمر، لكن "الصدفة لا تأتي إلا لمن يستحقها".. وكما تقول: "في تقديري أن مَن يستحق النجاح حتى ولو بالصدفة هو ذلك الشخص الذى يعمل بدأب وشغف وذكاء".