"ملايين البشر لن يكون بإمكانهم الحصول على احتياجاتهم من الأسماك بحلول عام 2050، إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه الآن"، تحذير أطلقه "الصندوق العالمي للطبيعة" مطلع هذا العام، متضمنًا دعوة كافة الحكومات حول العالم إلى بذل مزيد من الجهود لتحسين إدارة موارد الثروات السمكية، وتوزيعها على نحو عادل.

ويعتمد قرابة 3 مليارات من سكان الأرض على الأسماك في توفير 20% على الأقل من البروتين الحيواني، بالإضافة إلى نحو 500 مليون آخرين، يعتمدون على صناعة الصيد كمصدر رزق لهم، وفق الصندوق.

عاشت الأحياء البحرية مئات الملايين من السنين "آمنة"، دون تهديد حقيقي على وجودها، في حين شهدت موائل تلك الأحياء خلال العقود الخمسة الأخيرة فقط دمارًا كبيرًا وتدهورًا أدى إلى استنزاف مواردها الحيوية.

كان من بين الأسباب وراء ذلك التدهور، زيادة معدلات التلوث بالبيئات البحرية، أو تقلص مساحات مسطحاتها المائية، أو أعمال الصيد المفرط بها، الأمر الذي فرض أهمية إعلان بعض تلك الموائل "محميات طبيعية"، للحفاظ على مكوناتها، ووقف استنزاف مواردها.

الاستدامة الفطرية

رغم تزايُد أعداد المحميات البحرية (MPAs) في مختلِف بحار العالم ومحيطاته، فإن العديد منها يفتقر إلى خطط إدارة ناجحة، وليس من المعروف مدى كفاءة هذه المحميات، وعدالة إدارتها، ومدى تأثير ذلك على مردوداتها الفعلية.

ووفق دراسة نشرتها مجلة "نيتشر" في عددها لشهر أبريل الماضي، فقد طور فريق من الباحثين قاعدة معلومات عالمية، بهدف تقييم عمليات إدارة المحميات البحرية، وتأثير ذلك على التجمعات السمكية، وتقييم العلاقة بين عمليات الإدارة والآثار البيئية.

وخلص الباحثون إلى أن عددًا كبيرًا من المحميات البحرية عجز عن تحقيق الحد الأدنى للإدارة الفعالة والعادلة، بسبب عجز في فِرَق العمل المؤهلة، أو نقص في الموارد المالية، إذ أظهرت الدراسة أنه على الرغم من أن 71% من المحميات البحرية كان لها تأثيرات إيجابية على تجمعات الأسماك، إلا أن هذه التأثيرات تتفاوت بشكل كبير بين محمية وأخرى.

وجاء حجم الميزانية المخصصة لإدارة المحمية والقوى العاملة بها كأقوى مؤشرين في تقييم تأثيرات كفاءة الإدارة على التجمعات السمكية، إذ كشفت الدراسة عن أن المحميات البحرية التي تحظى بقوى عاملة ملائمة، ذات نتائج إيجابية، من الناحية البيئية، أعلى بمقدار 2.9 ضعف النتائج المحققة بالمحميات التي تعاني نقصًا في القوى العاملة، وبالتالي فإن التوسُّع في إنشاء المزيد من المحميات البحرية، دون استثمارات كافية في القوى البشرية والموارد المالية، قد لا يحقق النتائج المرجوَّة على المستوى الأمثل.

وقبل ظهور مصطلحات "المحميات البحرية" Marine Protected Areas و"التنمية المستدامة" Sustainable Development، بمفهومهما الحديث، عرفت البشرية منذ عدة قرون بعضًا من ممارسات "الاستدامة الفطرية"، إذ كان كثير من الصيادين يتوقف عن الصيد في بعض المناطق أو خلال مواسم معينة، بهدف منح الأسماك فرصة للتكاثر، كما كانوا يتجنبون صيد الأسماك الصغيرة، إلى أن بدأ العالم يتنبَّه، خلال القرن الماضي فقط، إلى ضرورة وضع مصادر الثروة السمكية وغيرها من الثروات الطبيعية تحت الحماية؛ حفاظًا على حق الأجيال القادمة.

أصحاب المصلحة

وهناك أكثر من 30 محمية طبيعية معلنة في مصر، جرى تصنيفها على أساس الاعتبارات البيئية إلى 3 مجموعات: محميات الأراضي الرطبة، وتندرج تحتها المحميات البحرية، ومحميات المناطق الصحراوية والجبلية، ومحميات التكوينات الجيولوجية، وتُعد محمية "رأس محمد وجزيرتي تيران وصنافير"، التي أُعلنت سنة 1983، وتبلغ مساحتها حوالي 850 كيلومترًا مربعًا، أبرز المحميات البحرية المصرية على البحر الأحمر وخليج العقبة.

كما تُعَد محمية "أشتوم الجميل وجزيرة تنيس"، التي جرى إعلانها سنة 1988 على مساحة 180 كيلومترًا مربعًا شمال بحيرة "المنزلة"، أكبر بحيرات الدلتا، من أبرز المحميات المصرية على البحر المتوسط، بالإضافة إلى محمية "الزرانيق وسبخة البردويل"، على مساحة 230 كيلومترًا مربعًا في شمال سيناء، حيث تمثل إحدى المحطات الرئيسية لهجرة الطيور، وأحد أكبر مصايد الأسماك.

ووفق الدكتور أحمد سلامة، رئيس الإدارة المركزية للمحميات الطبيعية بوزارة البيئة، فإن هناك توجهًا عالميًّا لزيادة المحميات البحرية إلى نسبة 10% من مساحة المسطحات المائية، وهو ما تعارضه حكومات بعض الدول وأصحاب المصالح، وخاصةً شركات تصنيع الأسماك.

وتعتمد كفاءة إدارة المحميات على عدة عناصر أساسية، وفق ما أكد سلامة لـ"للعلم"، منها "الأدوات والإمكانيات والأفراد"، مشيرًا إلى إطلاق عدة مشروعات لتحقيق الكفاءة في إدارة المحميات، منها مشروع تعزيز الإدارة والتمويل للمحميات الطبيعية EPASP ومشروع دعم المحميات الطبيعية SEPA، وأوضح أنه بالنسبة للمحميات البحرية، جرى توفير وتجهيز 9 مراكب، بتكلفة تجاوزت 20 مليون جنيه، للقيام بدوريات المراقبة والرصد في كافة المحميات البحرية داخل مصر، إلا أنه أكد أن "العجز" في الكوادر ما زال قائمًا.

ووفقًا للمعدلات العالمية، فإن كل 1000 كيلومتر مربع، يتطلب 27 فردًا مؤهلاً لتحقيق الإدارة الفعالة لمناطق المحميات، وفق سلامة.

صندوق الصيادين

وسعيًا للوصول إلى "كفاءة إدارة" المحميات البحرية في مصر، خاصةً في منطقة البحر الأحمر وخليج العقبة، أكد سلامة تأسيس "صندوق الصيادين"، برأس مال 30 مليون جنيه مصري (قرابة 2 مليون دولار أمريكي)، بالتعاون بين وزارات البيئة والبترول والسياحة والزراعة ومحافظة جنوب سيناء، بهدف توفير "موارد مستدامة" لتشجيع الصيادين على وقف الصيد بمحمية "رأس محمد"، خلال موسم هجرة أسماك "الشعور" Lethrinidae Emperor، من جنوب البحر الأحمر إلى شماله، في الفترة بين منتصف أبريل ويونيو، للسماح للأسماك الكبيرة بوضع البيض، وإتاحة الفرصة للأسماك الصغيرة حتى تنمو للحجم المناسب للصيد.

وكشف سلامة عن دراسة، يعمل على إجرائها حاليًّا قطاع حماية الطبيعة، لتقييم النظام البيئي بمناطق الشعاب المرجانية في البحر الأحمر وخليج العقبة، تتضمن وضع خطة للتنمية المستدامة بتلك المناطق، مؤكدًا مشاركة أفراد من المجتمعات المحلية في إدارة المحميات، إذ يتم الاستعانة بهم للعمل سائقين أو رؤساء مراكب، أو باحثين وحراسًا للبيئة، باعتبار أنهم الأكثر درايةً بمناطقهم.

وبالنسبة للموارد المالية ، لفت سلامة إلى أن السنوات القليلة الماضية شهدت زيادة كبيرة في الاعتمادات المخصصة للمحميات الطبيعية بشكل عام، إذ كانت قبل عام 2011 لا تتجاوز 20 مليون جنيه في العام، وارتفعت الآن إلى أكثر من 50 مليون جنيه في العام، في الوقت الذي انخفضت فيه عائدات تلك المحميات بصورة كبيرة، خلال المدة ذاتها، نظرًا لعدم استقرار الأوضاع الأمنية، وتراجُع معدلات السياحة.

إلا أن سلامة أكد ضرورة الاعتماد على تدبير موارد إضافية لـ"صندوق حماية البيئة"، من خلال التوسع في ممارسة بعض الأنشطة الاقتصادية داخل المحميات، بما يتوافق مع طبيعة كل محمية، باعتبار أن الصندوق يمثل أحد أهم موارد قطاع حماية الطبيعة، بالإضافة إلى الغرامات، التي تحصل عليها وزارة البيئة، نتيجة المخالفات التي تقع في نطاق المحميات الطبيعية.

مثلث الإدارة المستدامة

أما الدكتور مصطفى فودة -خبير البيئة الدولي والرئيس السابق لقطاع حماية الطبيعة بوزارة البيئة- فقد أكد أن الوصول إلى إدارة عادلة ومستدامة للمحميات البحرية يتطلب تطبيق 3 نهوج رئيسية، أولها "النهج التشاوري"، ويُقصد به إشراك جميع المنتفعين، وعلى كافة المستويات، في تحديد المشكلة المراد حلها، وذلك من خلال تجميع كافة المعلومات المتاحة وعرضها عليهم، والبحث عن حلول من خلال عملية تشاوُرية، يُتفق عليها ويتم رصدها بصورة مستمرة.

وأضاف فودة، في تصريحات لـ"للعلم"، أنه في حالة عدم توافر قدرٍ كافٍ من المعلومات والبيانات، يتعين اتباع "النهج الاحترازي"، ويعني إدارة المحميات وفق سيناريوهات معدة مسبقًا بمعطيات متعددة، وظهر نهج ثالث حديثًا، هو "النهج البيئي"، ويختص بدراسة التفاعلات المختلفة بين عناصر البيئة الحيوية وغير الحيوية، وصولاً إلى إدارة النظم البيئية إدارة متكاملة ورشيدة.

ودعا فودة إلى تعزيز الشراكة مع المجتمعات المحلية، وبناء جسور للثقة، من خلال منح أفرادها تصاريح لإدارة أنشطة محددة داخل المحميات، على أن تتفرغ كوادر المحمية من المتخصصين لأعمال الصون والحماية.

ولعل من التجارب الرائدة في توظيف أفراد من المجتمع المحلي تجربة منظمة حماية البيئة في البحر الأحمر "هيبكا" مع مديرها التنفيذي الراحل، عمرو علي، الذي قاد فريق المنظمة في تحقيق العديد من المبادرات والمشروعات المحلية والإقليمية، وخاض واحدة من أهم المعارك لمنع بيع جزيرة "الجفتون"، بغرض إنشاء مشروع سياحي كبير عليها، مما كان من شأنه تدمير واحد من أهم مواقع الغطس في العالم وأجملها.