يُعد فرط كوليسترول الدم العائلي أحد الاضطرابات الوراثية الشائعة المُهددة للحياة؛ إذ يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والنوبات القلبية المبكرة، ولا يقتصر تهديده على كبار السن، بل يشمل الشباب في مقتبل العُمر أيضًا، في هذا الإطار، كشفت نتائج دراسة عالمية عن مجموعة من النقاط المثيرة للاهتمام حول مخاطر تأخر تشخيصه وعلاجه، موصيةً بضرورة الاكتشاف المبكر للمرض وزيادة استخدام العلاجات المركّبة لتقليل العبء العالمي الناجم عنه، الدراسة التي شارك فيها باحثون مصريون، ونُشرت في العدد الأخير من دورية "لانسيت" استندت إلى السجل العالمي لدراسات فرط كوليسترول الدم العائلي التابع للجمعية الأوروبية لتصلّب الشرايين، والذي يوفر منصةً لمراقبة المرض عالميًّا، عبر تجميع البيانات متعددة الجنسيات وتنسيقها، في محاولة لتوصيف السكان البالغين المصابين به، وكيفية اكتشافه وطرق إدارته.

ويُعد ارتفاع نسبة الكوليسترول حالةً طبيةً شائعة، وغالبًا ما ينتج عن اتباع نمط حياة غير صحي، كتناول الأغذية الغنية بالدهون المشبعة، وزيادة الوزن، وقلة النشاط البدني، وبالتالي يمكن الوقاية منه وعلاجه، لكن الوضع يصبح أكثر تعقيدًا إذا كان الشخص يعاني من فرط كوليسترول الدم العائلي، إذ يكون خطر ارتفاع مستويات الكوليسترول لدى الشخص أعلى بسبب جين موروث ينتقل من أحد الوالدين أو كليهما، هذه الطفرة الجينية تمنع الجسم من التخلص من الكوليسترول منخفض الكثافة (LDL) أو ما يُعرف بالكوليسترول السيئ، الذي يتراكم في الشرايين ويسبب تصلبها وضيقها، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب.

الفُرص الضائعة

بلغ عدد أفراد فريق البحث المصري المشارك في الدراسة 14 طبيبًا وأكاديميًّا بقيادة أشرف رضا، أستاذ أمراض القلب في جامعة المنوفية، ورئيس الجمعية المصرية لتصلب الشرايين (إيافا).

يقول أحمد بنداري، مدرس أمراض القلب بكلية الطب بجامعة بنها في مصر، وأحد أعضاء الفريق المصري المشارك في الدراسة: إن البحث يُعد من أكبر الدراسات العالمية التي ترصد مدى تفشِّي فرط كوليسترول الدم العائلي حول العالم، وتكشف عن طرق تشخيصه المستخدمة ووسائل علاجه الأكثر شيوعًا بين مقدمي الرعاية الصحية.

وأضاف لـ"للعلم": أظهرت نتائج الدراسة أن متوسط أعمار المرضى عند تشخيصهم بفرط كوليسترول الدم العائلي كان 44 عامًا، وهذا يعني أن التشخيص يأتي في الغالب متأخرًا، دفعت هذ النتائج دورية "لانسيت" إلى كتابة مقال تحريري عن الدراسة، عنوانه "الكوليسترول العائلي: كثير من الفرص الضائعة".

وأشار إلى أنه يمكن تلافي المخاطر المترتبة على فرط الكوليسترول واستغلال الفرص عبر تشخيص المرض في سنٍّ مبكرة باستخدام وسائل بسيطة، مثل تحاليل صورة دهون الدم أو المسح العائلي عند ظهور حالة مرضية أو حدوث تصلب مبكر بالشرايين لدى أحد أفراد العائلة.

"بنداري" شدد على أنه من أبرز التوصيات حتمية المسح العائلي لدى ظهور حالة مرضية أو لدى اكتشاف قصور مبكر بالشرايين لأيٍّ من أفراد العائلة قبل سن 55 عامًا في الرجال و65 عامًا لدى النساء.

عوامل الخطر والعلاج

وللوصول إلى نتائج الدراسة، راجع الباحثون بيانات أكثر من 42,000 مريض بالغ (كان 53.6٪ منهم نساء) من 56 دولة بينها مصر، يعانون من فرط كوليسترول الدم العائلي.

كشفت النتائج أن متوسط أعمار المشاركين عند تشخيص المرض كان 44 عامًا، من بينهم 40.2% من المشاركين تقل أعمارهم عن 40 عامًا، وبلغ معدل انتشار مرض الشريان التاجي بين المشاركين 17.4٪، إلا أنه كان أقل مرتين عند النساء منه عند الرجال، ويزداد المرض بالتوازي مع ارتفاع تركيزات الكوليسترول الضار غير المعالَج.

وأظهرت الدراسة أنه من بين المرضى الذين يتلقون الأدوية الخافضة للدهون، كان 16803 مشاركين (81%) يتلقون العقاقير المخفضة للكوليسترول "ستاتين" (Statin)، و3691 (21.2٪) كانوا يتلقون العلاج المُركّب، مع زيادة استخدام الأدوية الخافضة للدهون لدى الرجال أكثر من النساء.

كما كشفت أيضًا أن استخدام العلاج المُركّب من 3 أدوية مخفضة للكوليسترول، ارتبط بتراجع نسب الكوليسترول الضار إلى المستويات المطلوبة، وصاحب ذلك انخفاضٌ في معدل انتشار عوامل الخطر القلبية الوعائية وأمراض القلب والأوعية الدموية.

"بنداري" أكد أن ما يزيد الأمرَ صعوبةً وتعقيدًا في النتائج، أن نسبة الوصول بمستوى الدهون قليلة الكثافة إلى مستوى يقل عن 70 ملجم/ملليليتر (وهي النسبة التي تشير إليها الإرشادات الدولية) لدى المرضى المشاركين لم تتخطَّ حاجز الـ3% عند استخدام نوع واحد من الأدوية الخافضة للكوليسترول، لكن الدراسة أعطت بعض الأمل بأن استخدام أكثر من نوع من الأدوية الخافضة للكوليسترول مثل مضادات بروتين (PCSK-9) قد يزيد من نسبة الوصول إلى مستويات الكوليسترول المقبولة.

وأضاف أنه فيما يخص معدل انتشار عوامل الخطورة الأخرى لدى هؤلاء المرضى، أوضحت الدراسة أن هذا المعدل يزداد زيادةً مطردة مع زيادة العمر، مشيرًا إلى أن ما يقرب من خُمس المرضى الخاضعين للدراسة كانوا يعانون من انتشار قصور الشرايين التاجية (نسبة 17.4%)، وتزداد هذه النسبة بزيادة مستوى الكوليسترول قليل الكثافة.

وتابع أن الدراسات تشير إلى أن كل 38 مجم/ملليليتر نقصًا في مستوى الكوليسترول قليل الكثافة يؤدي إلى خفض معدلات حدوث مضاعفات المرض كقصور الشرايين بنسبة 21%، وتزيد هذه النسبة كلما كان العلاج مُبكرًا، ما يدل على أن الاكتشاف المبكر للمرض يُحسِّن فرص العلاج، والعكس صحيح.

مضاعفات قاتلة

محمود حسنين -أستاذ أمراض القلب بكلية طب جامعة الإسكندرية- قال: إن الدراسة تدق ناقوس الخطر حول تأخُّر تشخيص فرط كوليسترول الدم العائلي، وما يصاحبه من مضاعفات مثل قصور الشريان التاجي والذبحة الصدرية، والوفاة المبكرة.

وأضاف لـ"للعلم" أن الدراسة كشفت أن حوالي 40% فقط تم تشخيص إصابتهم بالمرض قبل سن الأربعين، كما أن البيانات كشفت أن 2% فقط من المرضى تم تشخيص حالتهم قبل سن 18 عامًا، وبالتالي زادت فرص حصولهم على العلاج المناسب لمنع المضاعفات، مشيرًا إلى أن تأخُّر التشخيص يعني أن التدخلات العلاجية تأتي بعد فوات الأوان، وقد يعكس هذا افتقار الأنظمة الصحية إلى برامج الفحص المبكر عن فرط كوليسترول الدم العائلي.

وأوضح "حسنين" أن هذا المرض من الأمراض الوراثية التي تنتشر بين عائلات بعينها، ويبدأ في سن الطفولة، وخطورته أنه إذا لم يُعالَج مبكرًا، يؤدي إلى ترسُّب الكوليسترول على الشرايين، وخاصةً شرايين القلب، ما يؤدي إلى إصابة الشخص بأعراض الذبحة الصدرية، وقصور الشريان التاجي في القلب في سنٍّ مبكرة، بين الثلاثينيات والأربعينيات، وهنا تأتي أهمية النتائج التي أكدت ضرورة بدء العلاج مبكرًا لتلافي تلك الأخطار.

وشدد على أن الإحصائيات العالمية كشفت أن 1 من كل 300 شخص يُصاب بفرط كوليسترول الدم العائلي، كما أن هذا المرض يزيد فرص إصابة الإنسان بقصور الشريان التاجي والذبحة الصدرية 13 ضعفًا مقارنةً بالشخص السليم، وهنا تأتي التوصيات بضرورة إجراء مسح شامل لجميع أفراد العائلة، وخاصةً الأقارب من الدرجة الأولى في حال اكتشاف إصابة بالمرض؛ لأن هذا المرض عائلي.

وفيما يتعلق بالعلاج، تابع "حسنين" أن البحث أكَّد أهمية استخدام أكثر من علاج لخفض الكوليسترول، أبرزها أدوية الستاتين، أحد أكثر الأدوية وصفًا لتخفيض الكوليسترول، التي تساعد الجسم في إعادة امتصاص الكوليسترول من الرواسب المركبة في جدران الشرايين، بالإضافة إلى دواء "إيزيتيميب" (Ezetimibe) الذي يمنع امتصاص الكوليسترول في الأمعاء، ومثبطات (PCSK-9)، وهي عبارة عن حقن تؤخذ تحت الجلد كل أسبوعين، وهي من العلاجات الفعالة في خفض فرط الكوليسترول العائلي.

وأضاف أن تناول الأدوية في الموعد المناسب، وخاصةً في سنٍّ مبكرة، يمكن أن يقلل معدلات الكوليسترول الضار بين المرضى بنسبة تصل إلى 60%، وبالتالي خفض المضاعفات، مؤكدًا أن هذه الأدوية يستمر عليها المريض مدى الحياة للحفاظ على نسب الكوليسترول منخفضةً لديه.

وبجانب المسح العائلي، شدد على ضرورة الفحص الدوري لاكتشاف المرض، عبر إجراء تحليل كوليسترول روتيني كل 5 سنوات على الأكثر، في حالة الشخص الذي لا يعاني من مضاعفات، وإذا اكتشفنا أن نسبة الكوليسترول كانت 310 ملجم/ ديسيلتر للبالغ، أو 230 ملجم/ ديسيلتر للطفل، لا بد من إجراء مسح عائلي لاكتشاف المرض مبكرًا، لأن هؤلاء الأشخاص من المحتمل أن يكون لديهم هذا المرض.

وهناك مؤشر آخر يستوجب الفحص، وهو إصابة أحد أفراد العائلة بذبحة صدرية وقصور الشريان التاجي في سنٍّ مبكرة مثل الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، دون أن يكون هناك سببٌ قويٌّ لذلك مثل التدخين والسمنة، وارتفاع ضغط الدم، كما أن الأشخاص الذين لديهم وفاة فجائية في العائلة، بالإضافة إلى ظهور ترسُّبات جلدية دهنية تسمى "الورم الأصفر" على أجزاء من اليدين والمرفقين والركبتين والكاحلين وحول قرنية العين، وهي جميعها من علامات المرض.

وأكد "حسنين" أهمية مشاركة مصر في هذه الأبحاث العالمية، لمعرفة حجم المشكلة لدينا، والاستفادة من البيانات والإمكانيات والإحصائيات التي تتيحها الجمعيات العالمية المتخصصة في أمراض القلب، للوقوف على أحدث التوصيات فيما يتعلق بتشخيص المرض وعلاجه.

التشخيص الوراثي

ووافقته الرأي إنجي عاصم أشعت، أستاذ الوراثة الإكلينيكية المساعد بالمركز القومي للبحوث في مصر، مؤكدةً أن التشخيص الوراثي المبكر للمرض والتدخل المبكر بالعلاج المناسب من أهم الوسائل لتقليل نسب الإصابة بالجلطات أو بتصلب الشرايين.

ونصحت –في حديثها لـ"للعلم"- الأفراد الذين تظهر لديهم في العائلة حالة مصابة بالمرض بالتوجه إلى عيادات الوراثة المتخصصة، لمعرفة الطفرة المسببة للمرض، واكتشافه مبكرًا، إذ ينتج هذا المرض عن خلل في الجين المسؤول عن إنتاج مستقبل البروتين الدهني منخفض الكثافة أو الكوليسترول الضار، هذا الخلل يجعل الجسم غير قادر على إزالة البروتين الدهني منخفض الكثافة من الدم، ولهذا السبب يعاني المريض من ترسُّبات جلدية دهنية في أنحاء الجسم مثل اليدين والمرفقين والركبتين وحول قرنية العين وفي الجفون.

وأوضحت أن هذه الطفرة تنتقل بالجين المسؤول عن الإصابة من كلا الوالدين، ويورث المرض بصفحة متنحية، عندما يكون الوالدان حاملَين للمرض وليسا مصابَين، ويسمى في هذه الحالة مرض ارتفاع الكوليسترول العائلي مُتماثل الزيجوت (Homozygous FH)، وتكون نسبة تكرار المرض بين الأبناء ٢٥٪، أما إذا كان أحد الأبوين مصابًا بالمرض، فيورث المرض بصفة سائدة، إذ يرتفع احتمال انتقاله إلى الأبناء إلى نسبة ٥٠٪، ويسمى في هذه الحالة مرض ارتفاع الكوليسترول العائلي مُتغاير الزيجوت (Heterozygous FH).