لضمان النجاح في مكافحة أحد الأمراض التي تهدد المحاصيل الزراعية، فإن الأمر قد يتطلب مزيدًا من الاهتمام بتعليم المزارعين وتعريفهم بفاعلية خطط المكافحة، بدلًا من التركيز على حجم الخطر الذي قد يشكله ذلك المرض، وفق ما توصل إليه فريق من الباحثين بمركز "روثامستد" للأبحاث في هاربندن بالمملكة المتحدة.

وقادت الدكتورة أليس ميلني، فريقًا من المركز المتخصص في بحوث المحاصيل الزراعية، لتقييم كيف يمكن لآراء المزارعين أن تُسهم في تحقيق نجاح إستراتيجيات مكافحة الأمراض النباتية، وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في دورية "بلوس كمبيوتشنال بيولوجي" (PLOS Computational Biology).

وتساعد حملات مكافحة الأمراض في القضاء على بعض مسبِّبات الأمراض، التي قد تنتشر بين المحاصيل الزراعية، ولكن نجاح هذه الحملات يعتمد، وبشكل كبير، على ما إذا جرى التنسيق لها بشكل جيد، وما إذا كان هناك التزام عددٍ كافٍ من المزارعين وغيرهم من الأطراف المعنية الأخرى لتنفيذ تلك الحملات.

وعلى الرغم من ذلك، فقد تجاهلت غالبية النماذج الرياضية، الخاصة بحملات الحد من الأمراض، كيف يمكن لآراء الناس بشأن إستراتيجيات مكافحة الأمراض، أن تؤثر في قرارهم بالمشاركة في تنفيذ هذه الإستراتيجيات، والالتزام بما يتوجب عليهم فعله.

وبهدف الوصول إلى فهم أفضل لكيفية تأثير الآراء في نجاح حملات المكافحة، ربطت "ميلني" وفريقها البحثي بين نموذجين رياضيين، أحدهما يختص بقياس مدى انتشار مرض "اخضرار الحمضيات"، في حين يعتمد النموذج الثاني على قياس السلوك البشري، اعتمادًا على نتائج استقصاء لآراء المزارعين.

وبينما يشكل مرض "اخضرار الحمضيات" (Huanglongbing)، تهديدًا كبيرًا على إنتاج الحمضيات في أنحاء العالم، إذ إنه يمكن السيطرة عليه فقط من خلال التنسيق بين المزارعين في المزارع المجاورة، بشأن استخدام المبيدات، وغير ذلك من إجراءات وإستراتيجيات المكافحة الأخرى.

وتُظهر نتائج تحليل تنبؤات النموذجين المدمجين أهمية الحرص على إيجاد روابط متكررة بين المزارعين وغيرهم من الأشخاص الذين يقدمون إليهم المشورة والدعم بشأن مكافحة مرض "اخضرار الحمضيات"، كما تشير إلى أن تعليم المزارعين بشأن فاعلية إستراتيجيات المكافحة، قد يكون أكثر أهميةً من تحذيرهم بشأن المخاطر التي يشكِّلها المرض على المحصول.

تقول "ميلني" تصريحات لـ"للعلم": هذه الدراسة تظهر أهمية النهج متعددة التخصصات في التصدي لمتفشيات الأمراض الخطيرة، واستخدمنا أحد الأمراض المعدية التي تنتشر بين أشجار الحمضيات، ولكن هناك احتمالات كبيرة بأن نتائجنا قد تكون قابلةً للتطبيق كذلك على بعض الأمراض الخطيرة التي تصيب البشر.

وتحذر الدراسة من أن العديد من حملات مكافحة الأمراض تعتمد على إثارة المخاوف بشأن المخاطر التي قد تنجم عن تلك الأمراض، وقد تكون غالبية هذه الإجراءات غير ضرورية، كما يمكن أن تؤدي إلى فقدان الثقة في تلك الحملات، طالما ظل الأمر محدودًا دون أن يصل إلى حد الوباء.

وعن أسباب إغفال السلوك البشري في النماذج الرياضية للسيطرة على الأمراض، تقول "ميلني": "إن هذه النماذج تكون في الغالب مصممة للإجابة عن تساؤلات تتعلق بفاعلية إجراءات المكافحة في ظل سيناريوهات مختلفة، وصولًا إلى أفضل وسيلة للسيطرة على المرض، من خلال قياس بعض العناصر المرتبطة بذلك، مثل الجرعات وتوقيت المكافحة".

ويخطط فريق الدراسة لتقييم بعض الأنظمة الأخرى، التي يؤدي فيها السلوك البشري دورًا مهمًّا في برامج مراقبة ومكافحة الأمراض والآفات الغازية، والتي لم تكن معروفةً في السابق، ويتطلب ذلك إدراكًا أكثر عمقًا للقيم السائدة بين أصحاب المصلحة وتوجهاتهم، بالإضافة إلى تطوير طرق جديدة لدمج وجهات النظر هذه ضمن النماذج الرياضية المعمول بها، وفق "ميلني".