يمتاز أيون الكروم سداسي التكافؤ ((Cr+6، بمقاومة عالية جدًّا للتآكل، ولذلك يُستخدم في كثير من الصناعات. يدخل 45% من إنتاجه العالمي في صناعة السبائك، و40% في العمليات الإنشائية، و15% في الأغراض الكيميائية الأخرى.

ورغم تعدد استخداماته، إلا أنه يُعَد -في الوقت ذاته- من أخطر العناصر الكيميائية الملوِّثة للبيئة، كما أنه أحد مسببات الإصابة بالسرطان. نجحت الجهود العلمية في الحد من أخطاره، ولكنها ظلت قاصرةً على التعامل مع الكميات الكبيرة فقط.

فريق بحثي من جامعة زويل للعلوم والتكنولوجيا، عمل على علاج هذه المشكلة عبر طريقة جديدة مبتكرة، قادرة على التعامل مع النسب الضئيلة جدًّا التي لا تستطيع طرق التنقية المستخدمة حاليًّا التعامل معها.

الدراسة التي نُشرت تفاصيلها في دورية "ماتيريال كيمستري أ"Journal of Materials Chemistry A ، في شهر يناير الماضي، كشفت عن وسيلة أسرع وأكثر أمنًا، تستخدم مادة السيليكا مع مركبات هيكلية ذات تصميم فريد، تم تحضيرها معمليًّا، وتُعرف باسم مركبات الأطر المعدنية العضوية البلورية Metal–organic framework ((MOF.

يقول "محمد الكردي" -المدير المشارك لمركز علوم المواد بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، والباحث الرئيسي في الدراسة- لـ"للعلم": "ميزة مركبات الـMOF هي إمكانية تشكيلها وتصميمها وفق الاستخدامات والتطبيقات المختلفة، فيمكن مثلًا أن تقرر تصميمها بحيث تكون هناك فراغات أو فجوات منتظمة الشكل داخلها، أو تصميمها لكي تمتص أيونًا محددًا كمثل التي استُخدِمت في هذا البحث".

تقنية شديدة المرونة

وتُعَد الأطر المعدنية العضوية (MOF) من المواد التي تعتمد على ربط اللبنات العضوية وغير العضوية لتشكيل بنى هيكلية مسامية كالشبكة. يمكن للمسام في هذه الشباك أن تكون مستقرةً بما يكفي لتخزين جزيئات مادة ما، مما يجعلها ذات تطبيقات عديدة، كتخزين الغازات أو استخلاص الملوِّثات، أو كمواد لتحفيز التفاعلات الكيميائية، أو إيصال الأدوية داخل الجسم، وهي من المرونة بحيث يمكن تصميمها وتخليقها وفق الغرض الذي أُعِدت من أجله.

وانطلاقًا من هذه المرونة الفريدة التي تتيحها تلك المركبات –من حيث التصميم والتطبيق، يوضح الكردي أنه تم بناؤها على مادة السيليكا؛ إذ توجد صعوبة في استخدامها بمفردها لصغر حجمها، بما يجعلها غير قادرة على تحمُّل ضغط المياه في عمود التنقية، وبالتالي لا بد من حملها على مادة أكبر حجمًا، وهي السيليكا.

ويضيف: "جرى تصميم عمود التنقية المعد لهذا الغرض، بحيث يتم خلط 72 ملجرامًا إلى 5 جرامات من الرمل، مما يعزِّز من استخدام كمية ضئيلة من المواد غالية الثمن فيه، وهو ما يُسهم بدوره في تقليل التكلفة مع الحفاظ على مستوى مميز من الكفاءة مع طول الاستخدام".

وأظهرت النتائج التي رصدتها الدراسة القدرة على تنقية مياه الصرف الصناعي المحتوية على أيون الكروم السداسي حتى المستويات الضعيفة جدًّا.

يقول الكردي: "نجحنا في تنقية مياه تحتوي على 6 أجزاء في المليون من أيون الكروم السداسي 6ppm))، وهي نسبة ضئيلة جدًّا، لا تستطيع طرق التنقية المستخدمة حاليًّا التعامل معها".

الامتصاص السريع أيضًا

وتتعامل طرق التنقية المستخدمة في المصانع التي يكون الكروم من بين مخلفاتها مع الكميات الكبيرة من المخلَّف، ولكن تظل هناك كمية صغيرة جدًّا لم تتمكن تلك الطرق من التقاطها، وهي إحدى الإشكاليات أو الصعوبات التي تحلها الطريقة الجديدة، لتجعل التنقية أكثر أمنًا، كما يؤكد الكردي.

ويضيف: "إذا كانت هذه الطريقة قادرةً على امتصاص المخلَّف حتى المستوى الصغير جدًّا، فإن ذلك يمنحها القدرة على الامتصاص السريع للكميات الكبيرة، بما يجعلها حلًّا مناسبًا جدًّا للتدخُّل السريع في حال حدوث تسرُّب من تلك المادة للمياه، كما يحدث في بعض الحالات التي تنقلب فيها شحنات محملة بمواد كيماوية في مياه النيل أو البحار".

وتستطيع هذه الطريقة إزالة الكروم حتى مع وجود عناصر أخرى في المياه، مثل الكلوريد والبروميد والنترات والكبريتات، مما يعظِّم من أهميتها وفائدتها على الجانبين العلمي والاقتصادي على حدٍّ سواء.

ويثني "بدوي أنيس" -الباحث بقسم الطيف بالمركز القومي للبحوث- على النتائج التي رصدتها الدراسة، ولا سيما فيما يتعلق بقدرة المادة على امتصاص عنصر الكروم في ظل وجود عناصر أخرى في المياه.

ويقول أنيس في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "هذه الخاصية لا توجد في الوسائل المستخدمة حاليًّا، وتُعَدُّ أهم ميزة تمكَّن الفريق البحثي من توفيرها".

ولكن أنيس يتساءل عن تكلفة هذه الطريقة، مضيفًا: "أتصور أن المواد المستخدمة مع السيليكا تكلفتها مرتفعة جدًّا، وربما تحد هذه التكلفة من التطبيق التجاري".

ولم يفاجَأ الكردي بهذا التساؤل، الذي رد عليه بأنه "ربما تكون هذه المواد بالفعل مرتفعة التكاليف، وهو ما نعمل عليه حاليًّا للوصول إلى مواد أرخص، لكنها في الوقت الراهن تصلح للتعامل مع مشكلات شديدة الخصوصية، بحيث لا يمكن علاجها إلا باستخدام هذه الطريقة".

ويشير الكردي إلى بعض من هذه المشكلات، كحدوث تسرُّب من عنصر أيون الكروم السداسي إلى مياه النيل أو البحار، بسبب انقلاب شاحنة محملة بها؛ إذ ينبغي في هذه الحالة البحث عن وسيلة للتدخُّل السريع.

ويضيف: "هذه الطريقة تقدم تلك الإمكانية لأي كمية من الكروم، كما أنها أكثر أمنًا؛ لقدرتها على امتصاص المستويات الضعيفة جدًّا من المادة، وهو أمر مهم في حال تسرُّب تلك المادة لمياه الشرب".