يتقرب الناس إلى الله بالامتناع عن الطعام والشراب لعدة ساعات، وهو أحد الطقوس الدينية الإسلامية، والتي يوجد ما يماثلها في الديانات السماوية الأخرى، فترى ما أثر هذه الممارسة على صحة الإنسان من وجهة نظر العلم؟

فمنذ أكثر من عامين نُشرت دراسة لفريق بحثي إيراني من جامعة أصفهان لعلوم الطب، ومن خلالها مراجعة كافة الأبحاث التي جرى نشرها عن صيام رمضان في الفترة ما بين عامي 2009 و2014، خرجت بتقدير للتأثيرات الصحية للصيام على الوزن، نسبة الدهون، ومعدل السكري في الدم، وصحة الحمل، وكفاءة الجهاز المناعي.

ووفقًا للدراسة أظهرت مقارنات مستوى الدهون قبل الصيام وبعده أن نسبة الكوليسترول والتريجليسريد -نوع من الدهون المتكونة في الجسم- تنخفض عند الرجال خلال الصوم، فيما تزداد نسبة البروتين الدهني عالي الكثافة في النساء.

ورجحت الدراسة إلى أنه يتوجب على مرضى السكري استشارة الأطباء فيما يخص التغذية، والصحة، والنشاط البدني قبل البدء في الصيام.

الحمية الغذائية

أحد أهم التحديات التي يراها العلماء في الصيام هو طول وقت الانقطاع عن الطعام، مما يدفعهم إلى دراسة تأثير الحميات الغذائية التي تُحاكي الصيام ولكن خلال مدة أقصر.

ففي عام 2015، قام فريق بحثي بجامعة جنوب كاليفورنيا بنشر دراسة حول تأثير النظام الغذائي منخفض السعرات الحرارية الذي يُحاكي الصيام ولكن لمدة أربعة أيام فقط. توصل الباحثون إلى أن هذا النظام الغذائي يقوم بتقليص دهون البطن، وزيادة عدد الخلايا الجذعية بالعديد من الأعضاء من بينها الدماغ وذلك في أثناء تجربته على الفئران؛ إذ أظهرت تعزيز عملية التجدد العصبي وتحسّن حالة الذاكرة والتعلُّم.

ويرجع اختيار الفئران إلى قِصَر دورة حياتها، مما ساعد على اكتشاف المزيد من المعلومات حول الآثار الجانبية طويلة المدى الخاصة بالصيام.

أما على مستوى البشر، فقد تم إجراء التجارب من خلال ثلاث دورات لنظام غذائي متشابه، يحتوي على نسبة 34 إلى 54 بالمئة من المعدل الطبيعي للسعرات الحرارية، بالإضافة إلى تركيبة محددة من البروتينات، والكربوهيدرات، والدهون، والعناصر الغذائية الدقيقة. واستمر النظام الغذائي مرة واحدة شهريًّا مدةَ خمسة أيام.

وتوصل الباحثون خلال البحث إلى أن النظام يؤدي إلى تقليل عوامل الخطر والمؤشرات الحيوية المسببة للشيخوخة، ومرض السكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والسرطان، مع عدم وجود أي آثار جانبية ضارة لهذا النظام.

ويعلق "فالتر لونجو" -الباحث الرئيسي في هذه الدراسة- في تصريحه لموقع "ساينس دايلي": "يمكن تطبيق النظام الغذائي الذي يُحاكي الصيام في أي مكان تحت إشراف الطبيب المختص مع اتباع الإرشادات المنصوص عليها في التجارب السريرية".

 ويضيف أن مرضى السكر الذين يحصلون على أدوية الإنسولين أو ما يشبهها لا يجب عليهم الصيام أو اتباع هذا النظام الغذائي. ومن المشكلات التي قد يتسبب بها الصيام لمرضى السكر على الأخص من النوع الأول الذين يحصلون على الإنسولين: الجفاف، وانخفاض نسبة السكر في الدم خلال النهار، وارتفاع نسبة السكر في الدم بعد الإفطار نتيجة الإكثار من الطعام، على الأخص السكريات.

وتوافق دعاء جنينة -مدرس بكليه العلوم الطبيه المساعدة جامعه فاروس بالاضافه لمعهد البحوث الطبيه جامعه الاسكندريه بمصر- على أن مريض السكر من النوع الثاني يستفيد من الصيام؛ "فهو يساعده على نقصان الوزن بشكلٍ ملحوظ، ويتم توزيع جرعات العلاج وكذلك تقسيم الوجبات الغذائية المناسبة له في الفترة بين الإفطار والسحور".

وتوضح لـ"للعلم" أن مريض السكر من النوع الأول الذي يحصل على الإنسولين يمكنه الصيام ما دام متحكمًا في نسبة السكر، أما إذا كان هناك أعراض جانبية وأمراض أخرى مصاحبة للسكر مثل أمراض القلب فحينها يفضل للمريض عدم الصيام.

أما المرأة الحامل أو المرضع، فأضافت جنينة أن الأمر يختلف من حالة إلى أخرى وفقًا للحالة الصحية والجسدية الخاصة بكل امرأة. فإذا كانت المرأة الحامل أو المرضع لا تحصل على أي أدوية أو تعاني من أمراض، وتحافظ على السوائل ودرجة حرارة جسدها، وأيضًا لا تبذل أي مجهود شاق، فحينها يمكنها الصيام، ويتم توزيع الوجبات الغذائية في الفترة بين الإفطار والسحور، مع متابعة الطبيب المختص بشكل مستمر.

تأثير الصيام على الصحة

في عام 2004 نُشرت دراسة في دورية التغذية والتمثيل الغذائي، أشارت إلى أن صيام رمضان لا يؤثر بشكل كبير على عملية التمثيل الغذائي للدهون، والكربوهيدرات، والبروتين، أو على المستوى الطبيعي للهرمونات. ويساعد الصيام أيضًا في زيادة نسبة HDL الذي يُطلَق عليه الكوليسترول الجيد، وانخفاض نسبة LDL الذي يطلق عليه الكوليسترول السيئ، مما يفيد جهاز القلب والأوعية الدموية.

من ناحية أخرى، يؤثر الصيام على إيقاع توزيع درجة حرارة الجسم، والكورتيزول، وهرمون الميلاتونين الذي يساعد على النوم، والسكر في الدم بشكلٍ ملحوظ يؤدي إلى خفض معدل التوزيع، مما ينتج عنه قلة النوم في أثناء الليل، وانخفاض حالة التأهب في أثناء النهار والأداء الحركي والنفسي. ونظرًا لهذه التأثيرات قد ينتج عن صيام رمضان زيادة نسبة حوادث الطرق ونقص عدد ساعات العمل.

أما مرضى القلب فيختلف تأثير الصيام من حالة إلى أخرى وفقًا للعديد من الدراسات التي تم إجراؤها على مرضى القلب قبل شهر الصيام وفي أثنائه وبعده.

يقول محمد فؤاد -طبيب القلب والأوعية الدموية- في تصريحه لـ"للعلم": "تؤكد العديد من الدراسات أن مرضى القلب الذين لديهم حالة مستقرة يمكنهم الصيام بشكل طبيعي؛ إذ ما من تأثير للصيام على صحتهم، أما المرضى الذين يعانون من حالة غير مستقرة أو لديهم مضاعفات مثل مرضى القلب الحاد، ومصابي الذبحات الصدرية، ومرضى فشل القلب الاحتقاني الذين يحتاجون إلى جرعات عالية من مدرات البول فالأفضل لهم عدم الصيام؛ تجنبًا لحدوث أي مضاعفات".

ينطبق الأمر ذاته على مرضى الضغط الذين لديهم حالة مستقرة، فيمكنهم الصيام بشكلٍ طبيعي، أما مَن لديهم مضاعفات أو حالة غير مستقرة فالأفضل لهم تجنُّب الصيام. وأضاف فؤاد: "لا يمكن تعميم الحكم، إذ يختلف الأمر من مريض إلى آخر وفق العديد من المتغيرات، لذا فالأفضل للمريض مراجعة طبيبه الخاص واستشارته قبل البدء في الصيام بمدة شهر؛ حتى يمكن للطبيب تعديل نظام الغذاء بما يناسب الصيام في حالة كان المريض مؤهلًا صحيًّا لذلك".