كان خوان بيلفيديرو، الابن المُدلل لأحد النبلاء، يُقيم حفلة صاخبة في قصره المنيف بمنطقة "فيرارا" الإيطالية، حين أخبره أحد الخُدام بأن والده يحتضر، ذهب الابن إلى غرفة أبيه الذي طلب منه إحضار قارورة تحوي سائلًا غريبًا من أحد الأدراج، وأمره بأن يصب هذا السائل على جسده بعد موته، قائلًا إنه سيعيد له الحياة، مات الأب، ووضع الابن قطرة واحدة من السائل على عين والده، فعادت لها الحياة على الفور، صُعق الولد واختمرت في ذهنه خطة جهنمية، الاحتفاظ بالسائل وفقء عين والده، وبعد أن ورث ثروة أبيه، واصل حياته في مجون، وفي الستينيات من عمره وبينما كان على فراش الموت، طلب من ابنه صب السائل على جسده بعد وفاته، لم يُخبره بأن ذلك السائل هو "إكسير الحياة"، لكنه قال له إنه ماء مقدس سيباركه في رحلته إلى العالم الآخر، نفذ الابن الوصية، وبمجرد صب السائل على رأس والده وذراعه اليُمنى، عاد الرأس إلى الحياة، وتحركت الذراع لتقبض على يد الابن الذي التاع من هول الصدمة، وسقط مغشيًّا عليه، وسقطت معه الزجاجة وتحطمت، اندفع الناس إلى الغرفة من جَرَّاء الجلبة، وشاهد رئيس الدير "المعجزة".. فقرر نقل الجسد نصف الحي إلى الكنيسة، واعتباره قديسًا، أزعج ذلك "بيلفيديرو" بشدة، وفي أثناء القداس كان يصرخ ويشتم الجميع، وفي إحدى الليالي، قتل الكاهن بعد أن تمكَّن من عضه في رقبته.

شر إكسير الحياة المستطير

كانت تلك القصة الأيقونية التي كتبها الأديب الفرنسي العظيم "أونوريه دي بلزاك" والتي تعرض الجانب الآخر لـ"إكسير الحياة"، الذي قد تنقلب فائدته إلى شر مستطير، وهو الشر ذاته الذي قد تنقلب به فائدة هرمون يُفرز في أجسادنا، ويرعى داخل دمائنا، الهرمون الذي يُرمز إليه بـFGF21 يُعرف أيضًا باسم الإكسير.. إكسير الحياة.

فوفق دراسة نُشرت نتائجها في دورية ساينس أدفانس، يقودها المصري محمد إسلام، أستاذ أمراض الكبد المساعد في مركز ستور للكبد ومعهد ويستميد للأبحاث الطبية وجامعة سيدني الأسترالية، يُمكن أن ينقلب تأثير ذلك الهرمون بشكل عكسي تمامًا، فعوضًا عن تحقيق فوائد جمة للجسم، يُمكنه أن يبدأ نشاطًا يولّد دائرةً جهنميةً تقضي على الإنسان.

يُعد عامل نمو الخلايا الليفية FGF21 هرمونًا مشتقًّا من الكبد يعمل على تنظيم التفاعلات بين استقلاب الطاقة -عملية حيوية يُجريها الجسم للحصول على الطاقة- واستجابات الإجهاد، ويُعرف هذا الهرمون بإكسير الحياة لفوائده المتعددة؛ فهو مسؤول عن تنظيم الرغبة في تناول الحلويات، عبر مركز التذوق بالدماغ، كما أنه يحمي جهاز المناعة، وأظهرت إحدى التجارب أنه نجح في إطالة أعمار مجموعة من الفئران بنسبة 40٪؜، ويُسهم حَقن مرضى السمنة به في تخفيف الوزن بشكل ملحوظ، وتقليل مخاطر الكبد الدهني وسكر الدم، وفق تصريحات أدلى بها "إسلام" لـ"للعلم".

لكن، على الرغم من الفائدة المُثبتة للهرمون FGF21، هناك أمرٌ غريب يحدث لدى مرضى الكبد الدهني؛ فعلى الرغم من أن معدلات هذا الهرمون تزيد لديهم، إلا أن فاعليته تقل بشكل هائل، وهو لغز عكف الباحث المصري على حله طيلة ثلاثة أعوام ونصف العام.

المصري محمد إسلام، أستاذ أمراض الكبد المساعد في مركز ستور للكبد ومعهد ويستميد للأبحاث الطبية وجامعة سيدني الأسترالية Credit:Mohammed Eslam

خلل الكفاءة

يقول محمد إسلام، إنه منذ أن تخرَّج في كلية الطب بجامعة المنيا المصرية وهو يهتم اهتمامًا خاصًّا بأمراض الكبد، حصل على الماجستير من الجامعة ذاتها، ثم توجه لدراسة الدكتوراة في جامعة سيدني الأسترالية، ومن ثم استقر هناك.

وعبر سنوات ماضية نشر "إسلام" نحو 110 أبحاث علمية، كما أن لديه براءتي اختراع وتم الاستشهاد بأبحاثه أكثر من 5200 مرة، وتدرج في المناصب داخل الجامعة علاوة على كونه رئيسًا للتحالف الدولي لدراسة جينات أمراض الكبد، "كنت منذ صغري مفتونًا بذلك العضو المهم الغامض، الذي يؤدي دورًا شديد الأهمية داخل أجسادنا"، يقول "إسلام".

قبل سنوات، وفي أثناء دراسته لأمراض الكبد، لاحظ أن كفاءة FGF21 تقل لدى مرضى الكبد الدهني، لا يتعلق الأمر على الإطلاق بنسبة إفراز الهرمون، بل على العكس، "الأزمة أن الارتفاع في نسبته لا يتسق مع كفاءة عمله".

قرر "إسلام" وفريقه البحثي دراسة "خلل الكفاءة" عند هؤلاء المرضى، يقول إن اكتشاف مواطن ذلك الخلل لا يعني استفادة مرضى الكبد الدهني -على كثرتهم- فحسب، بل يمكن أن يساعد أيضًا في التحكم في العديد من الأمراض المرتبطة بالكبد الدهني، كالسكري وضغط الدم والسمنة.

أما هدف البحث فقد كان العثور على سبب الخلل، "أي البروتين المُسبب لاضطراب عملية إنتاج الهرمون وما يلحق ذلك من نقص في فاعليته"، إلا أن ذلك الهدف لم يتحقق وحده؛ "فقد تمكنَّا من اكتشاف البروتين المُسبب للخلل، كما قدمنا طريقة فعالة لعلاجه، واستعدنا الكفاءة الطبيعية لذلك الهرمون أيضًا"، وفق "إسلام".

الكبد الدهني الخطير

مع شيوع العولمة والتغيرات المرتبطة بها في نُظم تناول الطعام والمعيشة التي يكتنفها الكسل وقلة الحركة، تُعد السمنة من أصعب التحديات التي تواجه البشرية في الوقت الحالي، يقول "إسلام": إن الزيادة المطَّردة في معدلات السمنة "تصنف طبيًّا وعلميًّا كمرض مستقل"، لكن الأخطر من ذلك كونها الخطوة الأولى لزيادة نسب الإصابة بعدد من الأمراض، كالسكري وضغط الدم المرتفع وأمراض القلب والكلى.. ومرض الكبد الدهني.

يُعد مرض الكبد الدهني أحد أكثر الأمراض انتشارًا حول العالم؛ إذ يُصيب واحدًا من كل أربعة أشخاص مُصابين بداء الكبد المزمن، والذين يبلغ عددهم حوالي 844 مليون شخص حول العالم، تتسبب أمراض الكبد في وفاة نحو مليوني شخص سنويًّا، ويقول "إسلام" إن معظمهم يطورون خلال مرضهم داء الكبد الدهني.

وعكس الانطباع الشائع بأن المرض ينتشر في الدول الغربية فقط، تُعد معدلات انتشار الكبد الدهني في منطقة الشرق الأوسط هي الأعلى حول العالم، ويُعد المرض أحد أهم الأسباب لحدوث تليُّف الكبد ونمو أورامه، وللأسف، لا يوجد أيّ علاج لهذا المرض حتى الآن، لكن ما علاقة كل هذا بهرمون FGF21 أو إكسير الحياة؟

دور غير مفهوم

لا يُفهم دور هرمون FGF21، ولا طريقة عمله بشكل كامل حتى الآن؛ فعلى الرغم من رصد آثار مفيدة في التجارب العلمية تشي بدور ذلك الهرمون في علاج السمنة وغيرها من الأمراض، وزيادة عمر الفئران لأكثر من 40٪، إلا أن دوره لا يزال يكتنفه الكثير من الغموض.

في دراسة سابقة لفريق بحثي آخر، وجد الباحثون أن الأدوية التي تستهدف ذلك الهرمون لها آثار صحية مفيدة، كما حددوا وجود ارتباط -كان مجهول السبب حتى نُشرت نتائج الدراسة الحالية- بين موقع كروموسومي مُعين وإفراز ذلك الهرمون.

في هذا العمل، أثبت الباحثون أن ذلك الموقع الكروموسومي، والمعروف بـrs838133 يحاكي التغييرات التي تحدث في إكسير الحياة والتي تظهر في أمراض التمثيل الغذائي، وبذلك يكون الباحثون قد توصلوا إلى أن السبب الرئيسي لحدوث اضطرابات تحدث في ذلك الهرمون يرتبط ببروتين مُعين، ثم كانت الخطوة الثانية: اكتشاف ذلك البروتين.

كيف ينتج الجسم البروتينات؟

نولد جميعنا ببصمة جينية معينة وخاصة للغاية، معلوماتنا الوراثية مُسجلة في الموروثات التي تُحدد كل التفاصيل الشخصية والحيوية لكل إنسان، في مرحلة النسخ الوراثي تؤمِّن جزيئات الرنا الرسول نقل المعلومات الموجودة في الموروثات لتشكيل البروتينات، ثم تأتي مرحلة ترجمة تلك المعلومات، في تلك المرحلة يتم فك تشفير المعلومات الواردة عن طريق الرنا الرسول لإنتاج البروتينات المطلوبة وفق قواعد الشفرة الجينية.

عن طريق تتبُّع دقيق لكل تلك الخطوات "استطعنا اكتشاف أحد البروتينات، ويُرمز إليه بـRPLPO ويقف وراء الاضطراب الذى يحدث في ترجمة إكسير الحياة.. يزداد مستوى ذلك البروتين بمعدلات مرتفعة جدًّا في حالة أمراض الكبد الدهني والسمنة"، ثم جاء الدور على الخطوة الثالثة.
صدمة بحثية

تتمثل تلك الخطوة في إثبات أن مستويات FGH21 المرتفعة لدى المرضى الذين يعانون من مرض الكبد الدهني ترتبط بحدوث التهاب الكبد، لتأكيد تلك الملحوظة، عمل الباحثون على تقييم مستويات ذلك الهرمون في 410 من الأشخاص، من ضمنهم 200 شخص يُعانون من أمراض التمثيل الغذائي (كالسكري والكبد الدهني) و210 من الأشخاص الأصحاء، وجد الباحثون أن هؤلاء المرضى يعانون بالفعل من مستويات عالية من ذلك الهرمون بشكل ملحوظ، ليتأكد وجود علاقة مباشرة بين ارتفاع مستوى ذلك الهرمون وتلك الأمراض.

"كان ذلك بمنزلة صدمة"، يقول "إسلام"؛ فالمفترض أن زيادة مستويات الهرمون تزيد من كفاءته، "إلا أن العكس هو الصحيح في تلك الحالة".

بعد ذلك، انتقل الباحثون إلى الخطوة الرابعة: كيف نضع حدًّا لزيادة مستويات ذلك الهرمون، والإجابة عن تساؤل مهم: هل عودته إلى مستوياته الطبيعية يُمكن أن تُسهم في الحد من تطور داء الكبد الدهني؟

وجد الفريق البحثي إمكانية التحكم في إفراز الهرمون عن طريق تغيير مواقع البنية الثانوية للحمض النووي الريبوزي الرسول mRNA، أي بالتحكم في إفرازه عن طريق استهداف الجزيئات التي تحمل الشيفرة الجينية وتصنع الجزيئات البروتينية التي تُعزز من إنتاج ذلك الهرمون.

يقول "إسلام": إن تلك الطريقة نجحت في تقليل مُعدل البروتين إلى المستويات الطبيعية، وبالتالي قلت معدلات FGH21، ما سيساعد مستقبلًا في علاج العديد من الأمراض المزمنة.

مزيد من التساؤلات

الأهم من ذلك كله أن الفريق استطاع تحديد وفك الشفرة الوراثية للأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي لحدوث مثل هذه المضاعفات، تعمل أستاذ علم الوراثة والجينوم بجامعة "كيس ويسترن ريزيرف- كليفلاند" بالولايات المتحدة الأمريكية، ماريا هاتزوغلو، على مشكلات شبيهة، وتقول إن تلك الدراسة "تفتح المزيد من التساؤلات حول أسباب حدوث الالتهابات في الأجهزة الحيوية".

وتشير "هاتزوغلو" -التي لم تُشارك في الدراسة- إلى أن التأثير "العجيب والمعكوس" لذلك الهرمون يُثير الدهشة؛ "فلطالما اعتبرنا مرض الكبد الدهني أحد الأمراض السلوكية التي يُصاب بها الإنسان من جَرَّاء العادات الغذائية غير الصحية والإفراط في تناول الكحول وأهملنا الدوافع الجينية"، لذا فإن ظهور أحد الهرمونات وما يسبقه من خلل في البناء الجينومي كعامل محتمل في الإصابة بالمرض أو حتى تفاقمه "أمرٌ جديد، ويستحق المزيد من الأبحاث".

مبادرة حكومية

يقول "إسلام" إن فريقه بصدد العمل على سلسلة من التجارب المهمة، "نجهز الآن مجموعة من التجارب على الفئران لمحاولة السيطرة على ذلك الهرمون، وستتبعها مباشرة تجارب أخرى على المرضى من البشر".

يأمل "إسلام" أن يلقي موضوع بحثه بمزيد من الضوء على مرض الكبد الدهني، يرى الباحث أن درجة الوعي والاهتمام بالكبد الدهني في مصر والوطن العربي قليلة للغاية، "ليس عند المرضى فحسب، بل عند الأطباء أيضًا".

كان الجميع مشغولًا بمبادرة القضاء على فيروس سي، وهي المعركة التي انتصرت فيها الجهود الحكومية، كما يرى "إسلام"، الذي يُشير إلى أن المبادرة القادمة يجب أن تكون في إطار مكافحة مرض الكبد الدهني، "كل أملي أن ترعى الدولة المصرية تلك المبادرة، والاهتمام بذلك المرض الذي يفتك بأكباد المصريين، وينتشر في أجسادهم كانتشار النار في الهشيم".