منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) الأسبوع الماضي أول تصريح لشركة تريد البدء في بيع اختبار دم يُقيّم الحالات للكشف عن الإصابات الرَّضِّيَّة الطفيفة بالدماغ أو الارتجاج. وأشادت الإدارة باختبار الدم باعتباره وسيلةً مبتكرة للإسراع في التشخيص وتجنُّب التعرض للإشعاع الصادر عن عمليات تصوير الدماغ. لكن بعض الخبراء في مجال الرضوض الدماغية يتخوّفون من أن يكون هذا التصريح قد دُفِع إلى الصدور بقدر كبير من الاستعجال.

فيقول هنريك زيتربيرج، أستاذ الكيمياء العصبية في جامعة جوتنبيرج بالسويد، وهو ليس من المشاركين في المشروع الخاص بالاختبار: "إن البيانات ليست قطعيةً كما كنا نأمل، لذلك دُهِشتُ للموافقة السريعة من جانب إدارة الغذاء والدواء". فقد جرت مراجعة "مؤشر الرضوض الدماغية"، الذي طورته شركة تكنولوجيا حيوية مقرها سان دييجو وتُسمَّى "بانيان بيوماركرز"، واعتماد تداوله تجاريًّا في أقل من ستة أشهر. وجاء هذا الاعتماد في إطار "برنامج الأجهزة المبتكرة" الخاص بإدارة الغذاء والدواء، وهي عملية لإصدار الموافقات تهدف إلى المواكبة السريعة لتطوُّر التقنيات الطبية الواعدة ذات المخاطر المنخفضة نسبيًّا، بعد مراجعة البيانات المتاحة. وتقول شركة "بانيان" إن الاختبار الجديد سيكون متوافرًا قريبًا في المستشفيات.

يقيس "مؤشر الرضوض الدماغية" مستويات "اليوبيكويتين كاربوكسيتيرمينال هيدروليز ل1" (UCH-L1) في بلازما الدم، وهو بروتين يعتقد العلماء أنه يساعد على التخلُّص من النفايات الخلوية في الدماغ. كما يقيس الاختبار أيضًا مستوى "البروتين الحمضي الليفي الدبقي" (GFAP) في البلازما، وهو بروتين بنيويّ يوجد في الخلايا غير العصبية المعروفة باسم الخلايا النجمية. فيُفرَز البروتينان بمعدلات مرتفعة في أعقاب الارتجاج أو الإصابات الأخرى التي تُحدِث ضررًا بالألياف العصبية، وكلاهما يمكن الكشف عنه في خلال عشرين دقيقة من إصابة الرأس (وإن كان الأمر قد يستغرق وقتًا أطول ليحصل الأطباء والمرضى على النتائج من المختبر).

تشتهر الارتجاجات بأنها صعبة التشخيص، والمرضى الذين يُشتبَه في إصابتهم بالارتجاج يقيّمهم عادةً طبيب باستخدام "مقياس جلاسجو للغيبوبة" -وهو سلسلة من الاختبارات البدنية التي تهدف إلى تحديد مستوى الوعي- ثم يلي ذلك فحص الرأس بالتصوير المقطعي المحوسب للكشف عن أي حالات شاذة في الدماغ. لكن الفحص بالتصوير المقطعي المحوسب مكلِّف، وكثير من المرضى المشتبه في معاناتهم من إصابات رضية دماغية لا تظهر عليهم علامات ضرر واضح عند فحصهم بالتصوير المقطعي. ومن ثَم، فإن اختبار الدم ربما يوفر للمستشفيات والأخصائيين الإكلينيكيين أداةَ فحصٍ سريعةً نسبيًّا لمساعدتهم على اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان الفحص بالتصوير المقطعي المحوسب من المرجح أن يرصد أية إصابة بالدماغ أم لا.

وقد اعتمدت إدارة الغذاء والدواء تسويق "مؤشر الرضوض الدماغية" بعد فحص بيانات من دراسة إكلينيكية أُجرِيت على قرابة ألفي عينة من دماء مرضى يُشتبه في إصابتهم بالارتجاج. واستنتجت الوكالة من هذه البيانات أن الاختبار يستطيع التنبؤ بعدم ظهور أضرار دماغية في التصوير المقطعي المحوسب بدقة تبلغ 99.5 بالمئة، ما يجعله موثوقًا به لدرجة تكفي للاستغناء عن إجراء التصوير في ثلث المرضى على الأقل.

بيد أن زيتربيرج، الذي عمل على تحديد العلامات الحيوية المرتبطة بإصابات الدماغ وغيرها من الاضطرابات العصبية الأخرى في مختبره، يُشكِّك في جدوى بروتين uch-l1 كعلامة حيوية دالَّة على الارتجاج، ويقول إن الاختبار الذي أجراه بنفسه أشار إلى أنه لا يمكن الاعتماد على هذا البروتين. ويضيف زيتربيرج: "من المهم جدًّا النظر إلى توقيت أخذ العينة. فربما يكون uch-l1 فعالًا في مراحل زمنية مبكرة، لكن إذا أُخِذت العينة بعد يومين أو ثلاثة من الإصابة، فقد تكون علامات أخرى أفضل منه".

يُثنِي جوزيف فينز -وهو أستاذ الطب والأخلاقيات الطبية في مركز وايل كورنيل الطبي- على إجازة الاختبار، ويقول: "يُعَد هذا الاختبار نقلةً في فرز عمليات التصوير المقطعي المحوسب". لكنه يحذِّر من أن الاختبار قد لا يرصد كل الارتجاجات الطفيفة، مثل تلك التي لا تنجم عنها تغيُّرات بنيوية في الدماغ. ويضيف قائلًا: "إن النتيجة السلبية لاختبار الدم تعني أن البروتينين لم يُفرَزا في الدماغ، ولا تعني بالضرورة عدم وجود ارتجاج بسيط. وإذا افتُرِض أن المريض ليس مصابًا بالارتجاج لأن نتيجة الاختبار كانت سلبية، ثم استأنف المريض نشاطًا رياضيًّا، فيمكن أن تكون آثار الإصابة التالية للرأس مضاعفة".

يقول زيتربيرج: "إنه لأمرٌ مشجع أن تعتمد إدارة الغذاء والدواء مثل هذا الاختبار. لكننا لا نزال بحاجة إلى الكثير من الأبحاث الأخرى"، وبخاصةٍ الأبحاث التي تقارن بين العلامات الحيوية المختلفة في أوقات مختلفة بعد الإصابة؛ من أجل تطوير اختبار دم أكثر موثوقيةً في الكشف عن الارتجاج. فالحالات الشاذة التي يكشف عنها التصوير  المقطعي المحوسب -وفق قول زيتربيرج- ليست سوى جانب واحد فقط من جوانب هذا النوع من الإصابات.