النمو السكاني السريع، ومحدودية موارد المياه، والتغيرات المناخية، كلها عوامل أدت إلى زيادة الفجوة بين العرض والطلب على المياه في مصر. يأتي ذلك في وقت، تسقط فيه كميات كبيرة من الأمطار على بعض المناطق خلال أحداث عاصفة محددة ولمدى زمني محدود أيضًا. ومن المتوقع أن تتعاظم الفجوة مع قرب انتهاء مشروع سد النهضة الإثيوبي على منابع نهر النيل، الذي يُعَد المصدر الرئيسي للمياه في مصر.

في دراسة جديدة، حاول باحثان مصريان من جامعتي طنطا وكفر الشيخ المصريتين اختبار جدوى حصاد مياه الأمطار الساقطة على المناطق الحضرية، باعتباره حلًّا واعدًا ومستدامًا لمشكلات نقص المياه في البلاد. أجرى الباحثان تقييمًا لجدوى حصاد مياه الأمطار على أكثر من 22 مدينة مصرية.

أظهرت نتائج الدراسة التي نُشرت في مجلة "إنفيرونمنتال ساينس أند بوليوشن ريسرش" أن الحجم السنوي لمياه الأمطار التي يتم حصادها يمكن أن يصل إلى 142.5 مليون متر مكعب في المدن المبحوثة، شريطة أن يتم جمع كل الأمطار التي تسقط على تلك المدن. يمكن أن تلبي المياه المحتملة من الأمطار على مدينة الإسكندرية -على سبيل المثال- حوالي 12٪ من الاحتياجات المنزلية التكميلية للمياه في المدينة، مع الأخذ في الاعتبار أن هطول الأمطار على المدن الواقعة في وسط مصر وجنوبها ضئيل للغاية، مقارنةً بمدينة ساحلية كالإسكندرية. 

يقول "تامر جادو"، الباحث في قسم الري والهندسة الهيدروليكية بكلية الهندسة في جامعة طنطا، والباحث الرئيسي في الدراسة: إن أهمية الدراسة تكمن في تقديمها حلًّا لمواجهة شح الموارد المائية في ظل التغيرات المناخية والنمو المطرد للسكان. ويضيف "جادو" في تصريح لـ"للعلم": "إن النمو العمراني المتزايد يعوق الدورة الطبيعية للمياه؛ إذ إن مياه الأمطار التي لها دور مهم في شحن الخزانات الجوفية أصبحت تشكل خطرًا على المنشآت المدنية، ويتم التخلص منها دون الاستفادة بها، رغم أنها يمكن أن تكون أحد الحلول المستدامة لمشكلات ندرة المياه في المناطق شبه الجافة، كما هو الحال في مصر".

ويوضح أن كميات كبيرة من الأمطار تسقط على بعض المناطق في مصر خلال فترات محددة، وهو ما من شأنه أن يؤدي أحيانًا إلى كوارث بيئية مثل السيول. "ولذلك يمكن اعتبار حصاد مياه الأمطار بالمناطق الحضرية وتخزينها بالخزان الجوفي حلًّا واعدًا ومستدامًا لمشكلات نقص المياه وكذلك مشكلة غَمر المدن بسبب السيول، ويفيد أيضًا في تقليل نفقات تركيب شبكات صرف الأمطار وتشغيلها".

خرائط قيم الأمطار

للوصول إلى النتائج التي توصلت إليها الدراسة، حلل الباحثان بيانات الأمطار في 22 محطة رصد على مستوى الجمهورية، وأجريا دراسة إحصائية لهذه البيانات؛ للوقوف على مدى فاعلية حصاد الأمطار في المناطق الحضرية بمصر، بالإضافة إلى إنتاج خرائط لقيم الأمطار بالكامل باستخدام بيانات المحطات المتاحة، وخرائط تصنيف الغطاء الأرضي للمناطق الحضرية عن طريق صور الأقمار الصناعية الدقيقة وتطبيقات نظم المعلومات الجغرافية؛ لتقدير المساحات الحضرية، وتقدير معاملات الترشيح وكميات الأمطار التي يمكن حصادها في كل مدينة. 

وكنموذج تطبيقي، درس الباحثان منطقة التجمع الخامس، شرقي القاهرة، لتقدير مستويات الجريان السطحي في حالة عدم إنشاء نظام لحصاد مياه الأمطار فيها، ومقارنته بتلك الأرقام في حالة إنشاء النظام عبر تنفيذ آبار تغذية لتخزين مياه الأمطار في طبقة المياه الجوفية. أوضحت النتائج أن تنفيذ مثل هذا النظام له تأثير كبير على دورة المياه الإقليمية، إذ زاد معامل ترشيح المياه من 10% إلى 75%، وانخفض حجم الجريان السطحي بحوالي 82٪.

ووفقًا للنتائج التي توصل إليها الباحثان، يمكن أن يؤدي تسلُّل مياه حصاد الأمطار المباشر إلى طبقة المياه الجوفية دورًا مهمًّا في إعادة شحن الخزان الجوفي وتحقيق الإدارة السليمة والمستدامة للمياه في البيئات الحضرية، كما أن ذلك قد يؤدي إلى تقليل الأخطار الناتجة عن الفيضانات، وتقليل نفقات تركيب شبكات الصرف الصحي وتشغيلها.

تشير نتائج دراسة سابقة نُشرت في مجلة "إنفيرونمنتال ساينس أند بوليوشن ريسرش" إلى أنه خلال القرن العشرين تغيرت شدة الأحداث المتطرفة (مثل العواصف والفيضانات) وتواترها على نحوٍ كبير على مستوى العالم بسبب تغير المناخ، وأن بعض المناطق في مصر كانت بين الأماكن التي تعرضت لهطول الأمطار الشديدة، التي أدت في بعض الحالات إلى سيول شديدة. 

خلاف حول الجدوى

في تعليقه على الدراسة، يوضح عباس شراقي -أستاذ الجيولوجيا والمياه بجامعة القاهرة، والباحث غير المشارك في الدراسة- أن البحث يظهر جهدًا كبيرًا من الباحثين في محاولة الاستفادة من مياه الأمطار التي تسقط على بعض المدن المصرية، كما أنه يوثق حالة الأمطار على تلك المدن بصفة خاصة، وفي مصر بصفة عامة، وتقدير كمياتها، لكنه لم يوضح الكيفية التي سيتم بها جمع هذه المياه.

من جانبه، يشدد "شراقي" في تصريح لـ"للعلم" على أن "الأمطار لا تشكل خطرًا على معظم المدن المصرية"، ويشير إلى أن "ما حدث خلال شهر أكتوبر الماضي -من سقوط أمطار شديدة وغرق بعض القرى والمدن وتعطُّل بعض الطرق- وهو الأمر ذاته الذي تكرر من قبل خلال العامين الماضيين، هو بسبب سوء حالة شبكة الصرف وعدم جودة طبقات أسفلت الطرق".

ويتفق "شراقي" في أن أكثر الأماكن في مصر التي يمكن حصاد مياه الأمطار بها هي المناطق الواقعة على طول الساحل الشمالي من رفح حتى السلوم، وسواحل البحر الأحمر وجباله، ومدن سيناء. ويرى أن الأمطار في مصر محدودة جدًّا وتسقط على أراضٍ شبه مسطحة، مما يصعِّب من مهمة جمعها، كما أن محدودية كميات الأمطار تقلل من جدواها الاقتصادية، خاصة أن الباحثين تعاملا مع مياه الأمطار كأنها تسقط مجمعة، ولكن الحقيقة أنها تسقط على المدن الساحلية على مدار أكثر من 30 يومًا، وأحيانًا لا تتعدى عدة مليمترات في اليوم الواحد، وتتبخر جميعها نظرًا لقلتها.

ويرد الباحث الرئيسي في الدراسة على هذه الانتقادات، فيوضح أن الدراسة تركز على حساب كميات الأمطار وجدوى حصادها بالمدن المصرية، وطرح إمكانية الاستفادة منها في شحن الخزانات الجوفية، ولم تتطرق إلى آلية التنفيذ، مضيفًا أن الدراسة أوصت باستكمال الأبحاث ذات الصلة، الخاصة بتصميم نظم الحصاد الملائمة لكل مدينة تتعرض لسقوط أمطار غزيرة وبأقل تكلفة، وفق ظروف كل مدينة في حالة سقوط الأمطار مجتمعةً أو متفرقة.

ويضيف "جادو" أن "البخر يمثل نسبة 4% من الميزان المائي بمصر، إذ إن هناك فارقًا كبيرًا بين البخر والبخر-نتح، الذي يمثل استهلاك الزراعة من المياه. كما أن الدراسة تتعرض للمناطق الحضرية فقط (المدن)، التي لا يدخل في حسابات الميزان المائي لها قيمة البخر-نتح".

الاستخدام الأمثل للمياه

وفيما يتعلق بكيفية الاستخدام الأمثل لمياه الأمطار الساقطة على المدن المصرية، يرى "جادو" أن مياه الأمطار مصدر متجدد للمياه النظيفة التي يمكن أن تستخدم في كثير من المجالات، بما في ذلك الزراعة والصناعة والاستخدام المنزلي. ويوضح أنه بالنسبة لطبيعة المدن في مصر، يمكن استخدامها في ري الحدائق العامة وتنظيف الشوارع، وشحن الخزانات الجوفية، وأيضًا في الأغراض المنزلية، "خصوصًا في مناطق الساحل الشمالي، حيث أثبتت الدراسة جدوى حصاد الأمطار هناك، إذ تقع هذه المدن بعيدًا عن نهر النيل، وبالتالي تمثل تلبية احتياجاتها المنزلية تحديًا كبيرًا في ظل العجز المائي الحالي، وأيضًا التكلفة العالية لتوصيل المياه إليها".

وعن الاستخدام الأمثل لمياه الأمطار الحضرية، يوضح بيتر رياض -أستاذ هندسة الري والهيدروليكا المساعد في كلية الهندسة بجامعة عين شمس المصرية- في تصريح لـ"للعلم" أن الطرق المُثلى لاستغلال هذه المياه تتمثل في إعادة تهيئة كل الشوارع لتشتمل على قنوات صرف جانبية ذات ميول، لتصب في مجمعات مصارف، ويتم تجميعها في محطات تنقية ويعاد استخدامها.

ويضيف "رياض" أنه يجب أيضًا تجهيز أسطح المنازل، بحيث تتجمع مياه الأمطار في جهة معينة تصب في مواسير صرف، تصب بدورها في الصرف العمومي أو في شبكات صرف الأمطار المنفصلة، كما هو موجود بالمدن الجديدة. وأوضح أنه بالتوازي يجب على هيئات الدولة المختصة عمل برامج توعية بأهمية المياه والتوعية بطرق الحفاظ عليها فيما يتعلق بالاستخدامات اليومية، موصيًا باستخدام طرق الري الحديثة مثل أنظمة الري المضغوطة -الرش- والتشجيع على زراعة الأسطح باستخدام طرق الهيدروبونيك، أي الزراعة بدون تربة.