"زراعة البراز" ربما تكون مصطلحًا يثير اشمئزازك، لكنها في الوقت ذاته عملية قد تنقذ حياة إنسان من مرض يصعب الشفاء منه.

تخيل أن أمعاءك يستعمرها جيش جرّار قوامه ملايين الكائنات الدقيقة، التي تُشكّل نظامًا متناهي الصغر يُطلَق عليه "الميكروبيوم"، لا تقتصر وظيفته على هضم الغذاء وتحفيز الجهاز المناعي، بل يُسهم أيضًا في الحفاظ على قواك العقلية، نعم ومن دون أي مبالغات.. قواك العقلية!

يؤدي هذا الجيش وظيفته باقتدار طالما لم يتعرض لاختلال وتغيُّر في تركيبته الأساسية، لأسباب عديدة منها كبر السن مثلًا، يقود هذا الاختلال إلى مشكلات صحية أبرزها التهاب الأمعاء، ومتلازمة القولون العصبي، والسمنة، بالإضافة إلى تأثيره على الدماغ والسلوك.

ولعلاج هذا الاختلال، يختبر العلماء ما يسمى بـ"زراعة جراثيم البراز" أو "نقائل البراز"، التي تعتمد على نقل جراثيم البراز من فرد سليم إلى آخر مصاب بمرض معين؛ بهدف إعادة توطين أنواع معينة من الميكروبات المفيدة.

تتزايد الأدلة العلمية يومًا بعد الآخر على وجود ارتباط بين التدهور المعرفي المصاحب للشيخوخة والتغيُّرات في ميكروبيوم الأمعاء، وإمكانية إسهام جراثيم البراز في الحد من هذا التدهور، ولكن لا تزال الآليات الكامنة وراء التفاعلات بين الدماغ والأمعاء غير مفهومة جيدًا حتى الآن.

ومن أجل فهم أعمق لهذه الآلية، توصل فريق بحثي ألماني يقوده باحث مصري إلى أن نقل جراثيم البراز من الفئران الشابّة إلى الفئران المُسنّة يُحسّن أداء الذاكرة لدى الفئران المُسنّة، ويعمل على إيقاف تدهور الدماغ المرتبط بالشيخوخة.

وتوصلت الدراسة التي نُشرت في العدد الأخير من دورية نيتشر أيجينج (Nature Aging) إلى أول دليل قوي على أن مُستقلبًا (Metabolite) مشتقًّا من الجراثيم المعوية يطلق عليه "دلتا فاليروبيتين" (delta-valerobetaine) يصل إلى الدماغ ليؤثر على نشاط الخلايا العصبية، كما يؤدي دورًا في تعزيز القدرة الإدراكية العصبية.

ورصد الفريق هذا المستقلب -الذي تُنتجه الميكروبات في الأمعاء- في الدماء والأدمغة لدى الفئران المُسنّة والأشخاص كبار السن، ما يقود إلى تطوير مناهج علاجية وتشخيصية للمساعدة في اكتشاف فقدان الذاكرة المرتبط بالعمر وعلاجه.

نقائل البراز

برز مصطلح زراعة جراثيم البراز بقوة بعد دراسات أُجريت في أواخر تسعينيات القرن الماضي وأوائل القرن العشرين حول علاج عدوى بكتيريا المطثية العسيرة (التهاب القولون الغشائي الكاذب) التي تسبب ضررًا بالقولون يهدد الحياة، وكانت الحلول المتاحة وقتها هي المضادات الحيوية وأشهرها "فانكوميسين"، لكن دراسات أثبتت أن زراعة البراز يمكن أن تُعيد تجديد البكتيريا لإحداث التوازن في "ميكروبيوم" الأمعاء وعلاج العدوى.

وأثبتت دراسة أُجريت على البشر أن هذه العملية تمثّل علاجًا فعّالًا للعدوى بجرثومة المطثية العسيرة، وقد تكون أفضل من العلاج باستخدام المضادات الحيوية.        

في حديث لـ"للعلم"، يقول الباحث المصري عمر مُسعد، باحث الدكتوراة بمعهد أمراض الأعصاب في كلية الطب بجامعة فرايبورغ بألمانيا، والمؤلف الأول للدراسة: إنه خلال السنوات العشر الماضية أُجريت تجارب على الفئران، أثبتت أن تعرُّض الفئران المُسنّة للدم المنقول من الفئران الشابّة في وقت متأخر من العمر قادرٌ على تجديد اللدونة المشبكية، وتحسين الذاكرة، ومن هنا انطلقت دراستنا للإجابة عن تساؤل: هل تؤثر جراثيم الأمعاء على وظائف المخ في مرحلة الشيخوخة أم لا؟

Credit: Omar Mossad الباحث المصري عمر مُسعد، باحث الدكتوراة بمعهد أمراض الأعصاب في كلية الطب بجامعة فرايبورغ بألمانيا، والمؤلف الأول للدراسة

من هنا قرر الفريق اختبار تأثير زراعة البراز المأخوذ من الفئران الشابّة، على التعلُّم والذاكرة لدى الفئران المُسنَّة.

وقبل إجراء العملية، كانت الفئران المُسنّة تعاني من تراجُع في الذاكرة العاملة، وسجلت نتائجَ ضعيفة في اختبارات المتاهة، وتراجُعًا في اختبار "التعرف على الأشياء الجديدة"، مقارنةً بالفئران الشابة.

وأجرى الفريق عملية نقل جراثيم البراز من الفئران البالغة (عمرها 8 أسابيع أو ما يوازي فترة العشرينيات لدى البشر) إلى فئران مُسنّة (عمرها 15-16 شهرًا).

يقول "مُسعد": إن سبب اختيار فئران بالغة وليست رضيعة لأخذ عينة البراز، أن صغار الفئران تعتمد على لبن الأم، ولذلك فإن ميكروبات الأمعاء لديها لم تصل إلى النضج والتنوع الكافي، مقارنةً بالبالغة التي تعتمد على الأغذية الصلبة فقط.

وعادةً تتم زراعة بكتيريا البراز عن طريق فحص عينة من البراز فحصًا جيدًا؛ كي لا تُنقل عدوى خطيرة من المتبرع إلى المتلقي، ثم إضافة محلول ملحي إلى العينة بعد فحصها وفلترتها لاستخراج المحتوى الميكروبي، وتتم عملية النقل عبر أنبوب يُدخل عن طريق الفم، أو قرص يحتوي على مواد مجففة بالتجميد.

وخلال الدراسة، نقل الفريق العينة إلى الفئران عبر أنبوب عن طريق الفم، ووجدوا أن الفئران المُسنّة سجلت أداءً أفضل في اختبارات الذاكرة العاملة والقصيرة، بعد شهر من إجراء العملية.

يقول توماس بلانك، قائد فريق البحث في جامعة فرايبورغ بألمانيا: "منذ عدة سنوات، كانت هناك أدلة متراكمة على مزايا زراعة البراز في بعض الاضطرابات الطبية مثل السرطان وارتفاع ضغط الدم والسمنة، لقد ثبت أن زرع البراز المأخوذ من الأسماك الشابّة قد يزيد بشكل كبير من طول عمر الأسماك المُسنّة".

ويضيف لـ"للعلم": "عندما اكتشفنا أن زرع البراز كان له تأثيرٌ على الأداء المعرفي لدى الفئران، سعينا إلى دراسة آلية عمل هذه العملية البيولوجية وعزلها".

Credit: Omar Mossad  توماس بلانك، قائد فريق البحث في جامعة فرايبورغ بألمانيا

مُستقلب "دلتا فاليروبيتين"

ما الإشارة التي تأتي من بكتيريا الأمعاء وتصل إلى المخ لتؤثر على وظائف الذاكرة؟ سؤال سعى فريق البحث للإجابة عنه.

للإجابة عن هذا التساؤل، أجرى الفريق تحليلًا لعينات مأخوذة من مصل الدم والدماغ لدى الفئران، وتوصلوا إلى أن هناك تركيزات مرتفعة من مُستقلبٍ ما في دماء الفئران المُسنّة وأدمغتها، وأن هذا المستقلب يضُر بعمليات التعلم والذاكرة في أدمغة الفئران، وتنخفض مستويات هذا المستقلب لدى الفئران المسنَّة عندما تتلقى عينات من جراثيم البراز المأخوذة من الفئران البالغة.

والمستقلَبات أو النواتج الأيضية هي المركبات والنواتج النهائية لعملية الاستقلاب (Metabolism) بواسطة الإنزيمات، مثل الأحماض الأمينية، والدهون، والسكريات، والأحماض العضوية.

الدراسة كشفت أن زيادة مستويات المستقلب "دلتا فاليروبيتين" تُغيّر وظيفة الخلايا العصبية وتكون مسؤولةً عن التدهور المعرفي المرتبط بالعمر، وأن عملية نقل جراثيم البراز من الفئران البالغة إلى الفئران المُسنّة كانت قادرةً على استعادة القدرات المعرفية لدى الفئران في مرحلة الشيخوخة.

يشير "مُسعد" إلى أن التقنيات الحديثة تستطيع بسهولة قياس كميات المستقلَبات الموجودة في الدم، ونظرًا لصغر حجمها، فإنها من السهل أن تعبر جدار الأمعاء وتصل إلى المخ، وتعبر "الحاجز الدماغي" (Blood-brain barrier) الذي يمنع وصول المواد الكيميائية الضارة والبكتيريا إلى مركز التحكم في الجسم.

لكن هل يوجد هذا المستقلب أيضًا لدى البشر في مرحلة الشيخوخة؟

لاستكشاف ذلك، راجع الفريق بيانات مأخوذة من قاعدة بيانات (TwinsUK) البريطانية، لدراستين عن "دلتا فاليروبيتين" لدى 9 آلاف شخص من مختلِف الأعمار، ووجدوا أن مستويات هذا المستقلب في الدم تزيد لدى المُسنين.

من جانبه، يقول البروفيسور جون كريان، الأستاذ بقسم التشريح وعلم الأعصاب بكلية كورك الجامعية في أيرلندا: إن هناك أدلةً متزايدةً على دور ميكروبيوم الأمعاء في الشيخوخة، وخاصةً شيخوخة الدماغ.

وأضاف لـ"للعلم"، أن هذه الدراسة الرائعة تصل إلى النتيجة نفسها التي توصلنا إليها في دراسة نُشرت في أغسطس 2021، من أن عمليات زرع البراز من الحيوانات الصغيرة يمكن أن تجدد الدماغ وتعكس السلوك المرتبط بالشيخوخة، لكن الدراسة الجديدة أخذت خطوةً إلى الأمام، إذ نجح الفريق في تحديد مادة "دلتا فاليروبيتين" الكيميائية المرتبطة بالتغيرات التي يسببها الميكروبيوم، إذ أظهرت أن إعطاء هذا الجزيء للفئران الصغيرة يمكن أن يقلِّص عجز الذاكرة المرتبط بالعمر.

"كريان" أشار إلى أن هذه البيانات مجتمعةً تؤكد أهمية ميكروبات الأمعاء في تعديل شيخوخة الدماغ الصحية، وستكون الخطوات التالية هي معرفة ما إذا كان تعديل الجراثيم في البشر يمكن أن يبطئ التأثيرات المعرفية و"الأيض" في مرحلة الشيخوخة.

محور "القناة الهضمية- الدماغ"

استندت أدلة الفريق البحثي للدراسة إلى الدور الذي تؤديه الجراثيم في العديد من الأمراض، ويتضمن ذلك التأثير الملحوظ على وظائف المخ وسلوكه، ويتم التوسط في هذه التأثيرات من خلال محور الأمعاء-الدماغ، وهو شبكة معقدة من المسارات المناعية والغدد الصماء، وفق "بلانك".

ويتابع: "دلتا فاليروبيتين، الموجود داخل هذه الشبكة البيولوجية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفقدان الذاكرة المرتبط بالعمر، إذ تزيد مستوياته في مصل الدم والسائل النخاعي البشري كلما تقدّم الإنسان في العُمر، حتى إن هناك فرقًا في المستوى بين مرضى الخرف وكبار السن بشكل طبيعي".

ويضيف: "تستمر دراستنا في الاعتماد على مفهوم أن الكثير من الكيمياء الحيوية في جسمك مُترابطة، وأحيانًا قد تتأثر وظيفة الأعضاء بأحداث تبدو غير متصلة، خذ الدماغ على سبيل المثال، الميكروبات المعوية لها تأثير كبير على وظائف الدماغ، لكن دماغك يتحكم أيضًا في ميكروبيوم الأمعاء، فيما يسمى بمحور القناة الهضمية- الدماغ- القناة الهضمية، والذي نكتشف الآن أنه صحيحٌ في المزيد من مناطق الجسم.

ويعتبر ميكروبيوم الأمعاء ضروريًّا للغاية لصحتك؛ لأنه يساعد على الهضم ويقوي جهاز المناعة لديك، من بين أمور أخرى، وقد يؤدي عدم توازن البكتيريا المفيدة والخطرة في الأمعاء إلى زيادة الوزن وارتفاع نسبة السكر في الدم وارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم واضطرابات أخرى.

"دلتا فاليروبيتين" والمخ

لكن كيف يؤثر "دلتا فاليروبيتين" على المخ، وأي ميكروبات الأمعاء يمكن أن يؤدي إلى زيادته أو نقصانه؟

لاستكشاف تأثيره المباشر على الدماغ، أجرى الباحثون فحوص الفيزيولوجيا الكهربائية في منطقة قشرة الفص الجبهي لدى الفئران الصغيرة، وأظهرت النتائج أنه عند حَقن الفئران الصغيرة بـ"دلتا فاليروبيتين"، فإن ذلك يقود إلى تراجُع المرونة العصبية، وقدرات التعلم، والقدرات المعرفية لدى الفئران الصغيرة، ما يؤدي في النهاية إلى تراجُع عملية تكوين الذاكرة.

وعن كيفية السيطرة على مستويات "دلتا فاليروبيتين"، أشار "مسعد" إلى أنهم يعملون في اتجاهين، الأول أنهم حددوا بالفعل عددًا من الميكروبات المحتملة للتأثير على هذا المستقلب، ويعملون حاليًّا على التحديد الدقيق لمعرفة أيها يمكن أن يُسهم في زيادة مستويات هذا المستقلَب في المخ، أو يمكن له تكسير "دلتا فاليروبيتين"، في دراسات على الفئران، في حين يتركز الاتجاه الآخر على تطوير مركبات دوائية تستهدف تقليل مستويات هذا المستقلب، دون أن تؤثر على المخ.

وأشار "بلانك" إلى أن استهداف "دلتا فاليروبيتين" يوفر إمكانيات هائلة لاستعادة وظيفة الجهاز العصبي الطبيعية لدى كبار السن، مضيفًا: نحن متحمسون حقًّا للبيانات التي حصلنا عليها من دراستنا، والتي تجعل هذا المستقلب هدفًا علاجيًّا مثيرًا للاهتمام.

الورقة البحثية جاءت بمؤشرات أولية واعدة للغاية يمكن البناء عليها فيما يتعلق بالربط بين جراثيم البراز وصحة الدماغ، لكنها لا تزال في مرحلة التجربة على الحيوانات، ولم تصل بعد إلى التجارب السريرية، لذلك لا بد أن تؤخذ نتائجها بحرص شديد، وفق محمد سلامة، الأستاذ المشارك في معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة.

وأضاف لـ"للعلم" أن معظم الدراسات الشبيهة قد لا تصل إلى النتيجة نفسها إذا أُجريت على البشر؛ لأن "ميكروبيوم" الأمعاء يختلف اختلافًا جذريًّا من شعب إلى آخر ومن عرق إلى آخر داخل المجتمع الواحد، وفق "نمط الحياة" المُتّبع، ورغم أهمية النتائج فهي تحتاج إلى تأكيد انطباقها على الإنسان.