تشعر نسبة قليلة من الأفراد بعدم انتماء أحد أطرافهم السليمة إلى بقية أجسادهم، وقد يتصرفون باعتبارهم فاقدين لهذ الطرف، بل وأحيانًا قد يرغبون في بتره، وتُعرف هذه الحالة العقلية الغريبة والنادرة بـ"متلازمة نزاهة الهوية الجسدية" (BID).

وتوصلت دراسة حديثة نشرتها دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biology) إلى أن شعور المريض بعدم انتماء جزء من جسده إلى باقي جسمه هو انعكاس لما يصوره المخ له، وأن هذا الشعور يرتبط ببنية الدماغ والتواصل بين مناطق المخ.

يقول "جيانلوكا سايتا"، طالب الدكتوراة بقسم الصحة النفسية والعصبية بجامعة زيورخ، والمؤلف الأول للدراسة: إن إحساس الإنسان بانتماء الأطراف إلى جسمه يعتمد على مدى الاتصال الوظيفي بين المناطق الحسية الموجودة في الدماغ والمسؤولة عن حركة الأطراف -مثل الخلايا الحسية العصبية والقشرة الحركية الحسية- وجميع مناطق المخ الأخرى، إضافة إلى كثافة المادة الرمادية في الفص الجداري الأيمن من المخ، الذي يؤدي دورًا مؤثرًا في حركة الأطراف، مما يترك أثرًا على الأشخاص المصابين بتلك المتلازمة فيما يتعلق بالصورة التي من المفترض أن تبدو عليها أجسادهم.

يضيف "سياتا" في تصريحات لـ"للعلم" أن "المظاهر الأولى لهذا الاضطراب تبدأ في مرحلة الطفولة. ويحدث تفاقم للحالة بين سن الثلاثين وسن الخمسين. وبفحص المرضى لم يتسنَّ تحديد السبب الكامن للمرض، وما إذا كانت التغيرات المرصودة في بنية المخ ووظيفته تسبب تلك المتلازمة أم أنها نتيجة له.

واكتشف الباحثون -وفق البيان الصحفي المصاحب للدراسة- أنه كلما تقلص حجم الكتلة الرمادية في الفص الجداري الأيمن، كانت رغبة المصابين بـ"متلازمة نزاهة الهوية الجسدية" أقوى في بتر أطرافهم وتصرفهم باعتبارها مبتورة بالفعل. ويساعد سلوك المحاكاة الذي ينتهجه هؤلاء المرضى على تأقلمهم مع عدم التوافق المزعج بين الطريقة التي يرغبون في أن تبدو بها أجسامهم وكيف يرونها.

ولكشف آليات المخ المرتبطة بهذا المرض، سجل الباحثون 16 حالة لمرضى يرغبون في بتر قدمهم اليسرى السليمة، وقارنوها بمجموعة ضابطة مكونة من 16 شخصًا. واكتشف الباحثون أن هذا الاضطراب أظهر وجود تغيرات في بنية المخ أو الاتصال الوظيفي. وتركزت التغيرات في منطقتين أساسيتين ترتبط بهذا النوع من الاضطراب، وهما الفصيص المجاور للمركزي الأيمن (rPCL)، الذي أظهر اتصالًا وظيفيًّا منخفضًا مع باقي مناطق المخ، وكذلك الفصيص الجداري العلوي الأيمن (rSPL)، الذي أظهر انخفاض الاتصال الوظيفي وقلة كثافة المادة الرمادية. وقد كانت هذه التغيرات ملحوظةً في هذه المنطقة من المخ لأنها تعتبر مركزًا رئيسيًّا لرسم صورة الجسم، وفق الدراسة.

ويلفت المشرف على الدراسة إلى أن هناك أنواعًا أخرى كثيرة لهذا الاضطراب، منها أن يشعر بعضهم بأنه يجب أن يكون مصابًا بالشلل النصفي أو العمى.

ويؤكد الباحث الأول لـ"للعلم" أن حالات الإصابة بـ"متلازمة نزاهة الهوية الجسدية" التي تم رصدها لا تزيد عن 200 حالة، مضيفًا أنه "جرى التعرف على هؤلاء المصابين من خلال منتديات الإنترنت، وبالتالي فإن الرقم لا يعبر سوى عمن يستخدم الإنترنت ويلجأ إلى الاستشارة الطبية".

ويتابع: الأمر الصادم حقًّا أن ذلك الاضطراب غير معروف في أوساط الطب النفسي، ما يزيد من احتمالات الخطأ في تشخيص هذه الحالات، كما أن هذه المتلازمة وجدت اهتمامًا متزايدًا من الهيئات الطبية خلال العقد الماضي فقط.

 ويضيف "ساتيا" أن نتائج الدراسة ستساعد في تحديد معايير تشخيص متلازمة نزاهة الهوية الجسدية، وبالتالي تطوير علاجات فعالة لتأهيل المصابين بها.