قبل حوالي ثمانية ملايين سنة، كانت مخلوقات تُشبه الغوريلا ترتع في غابات أفريقيا الكثيفة. تمشي على أربعة أطراف، ويتواصل بعضها مع بعض بأصواتٍ ربما تقتصر على بضعة وعشرين صوتًا تُعبر بها عن مشاعرها المختلفة. وبعد نحو 6 ملايين سنة، كان هناك نوعان من أسلاف الشمبانزي، انفصل كلٌّ منهما عن الآخر في مسار تطوري مُختلف. لم يَكُن جنس الإنسان العاقل قد وُجد بعد، إلا أنه –وبطبيعة الحال- اكتسبت تلك الكائنات نُظمًا صوتية مكنتها من التواصل بعضها مع بعض.

لا يعرف العلماء على وجه الدقة طبيعة تلك المرحلة، ولا مكوناتها اللغوية، ولا حتى أين ومتى تطورت اللغات وتشعبت حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم، ومؤخرًا، بدأ علماء الأنثروبولوجيا والوراثة والبيولوجيا العصبية في محاولة تقصي أصل اللغات، والكيفية التي تنوعت بها، وأثر كل لغة أو مفردة على مشاعر الشعوب التي تتحدث بها.

تتكون كل لغة من آلاف المفردات على الأقل. تُعبر تلك المفردات عن المشاعر. فحين يقول الإنسان: "أنا خائف"، تُعبر تلك الكلمة عن مشاعره في تلك اللحظة، ألا وهي مشاعر الخوف. لكن.. هل يُمكن أن تُعبر ترجمة كلمة "الخوف" الإنجليزية والإيسلندية والصينية عن حالة الخوف ذاتها لدى كل الناطقين بتلك اللغات.

دراسة ضخمة نُشرت نتائجها –الخميس الماضي- في دورية "ساينس" تقول إن الكلمات –حتى وإن كان لها المعاني ذاتها- لا يُمكن أن تعكس الحالة النفسية أو المزاجية على نحوٍ متماثل بين الثقافات المختلفة، فالطريقة التي يعبر بها البشر عن عواطفهم، مثل الخوف والفرح والحزن، قد تختلف عبر المتحدثين باللغات المختلفة.

احتوت العديد من اللغات البشرية على كلمات لوصف المشاعر. كمشاعر الغضب أو الخوف. ولكنه ليس من الواضح إن كان لهذه المشاعر معانٍ متشابهة عبر اللغات، أو -في حالة اختلاف المعنى- لا يعرف العلماء لماذا يختلف توصيف المشاعر بين اللغات المختلفة.

في تلك الدراسة، حلل الباحثون الكلمات التي تصف المشاعر في 2474 لغة منطوقة. عبر استخدام مبدأ "التضافر اللغوي". أظهرت التحليلات على اللغات المنطوقة أن هناك تباينًا كبيرًا في معاني الكلمات الدالة على العاطفة. تقل تلك التباينات كلما زاد القرب الجغرافي، بمعنى أن كل "عائلة" لغوية تصف المشاعر بكلمات تقترب معًا في معناها، في حين تزيد هذه التباينات وتتفرق وتتسع الهوة فيما بينها، كلما ابتعد النطاق الجغرافي أو اختلفت العائلة التي تنتمي إليها اللغة!

والتضافر اللغوي هو أحد المصطلحات المستخدمة في علوم تصنيف المعاجم، وتعني الحالة التي يُمكن فيها التعبير عن معانٍ مختلفة بالكلمة ذاتها. فهناك بعض التداخلات الشائعة بين اللغات حول العالم، فمثلًا كلمة "شجرة" في اللغة الأسترالية معناها "نار" في اللغة البابوية. أي أن التضافر هو فحص الكلمات التي تحمل معاني مختلفة في أكثر من لغة.

العائلات اللغوية

نعرف أن اللغة الإنجليزية تنتمي إلى عائلة اللغات الجرمانية الغربية، التي تضم لغات أخرى كالهولندية والألمانية، في حين تنتمي اللغة التركية إلى عائلة تُسمى بعائلة التُّرك، تضم بدورها نحو 35 لغة يتحدث بها شعوب آسيا الوسطى وغرب آسيا وصولًا إلى سيبيريا. وتنتمي اللغة المجرية إلى عائلة تسمى باللغات الأورالية. تضم أيضًا اللغة الفنلندية والإستونية.

إذا ما نظرنا لكلمة Love الإنجليزية، التي تعني –إلى حدٍّ ما- "حب" بالعربية. فسنجد أن مرادفها في اللغة التركية هو الكلمة Sevgi، أما مرادفها في اللغة المجرية فهو كلمة Szerelem. ولكن، هل يحمل مفهوم كلمة "الحب" المعنى ذاته للمتحدثين باللغات الثلاث؟

الإجابة التي تقدمها تلك الدراسة عن ذلك التساؤل هى: "لا"!

فبعد أن قام الباحثون ببناء قاعدة البيانات المكونة من 2474 لغة من 20 عائلة لغوية رئيسية، قاموا بإنشاء شبكة من مفاهيم الانفعال المختلط؛ بهدف توضيح مدى تعبير الكلمات عن المشاعر.

فالكلمة الإنجليزية "Love" تعني الشعور بمشاعر عميقة رومانسية، أو انجذاب جنسي نحو شخصٍ ما أو كائنٍ ما "كأن تحب الكلب". في حين تعني الكلمة التركية "Sevgi" العاطفة التي توجه الناس إلى الاهتمام الوثيق بالشخص الآخر والالتزام نحوه. أما الكلمة المجرية "Szerelem" فتعني حب الشريك، ولا تُستخدم تلك الكلمة إلا للتعبير عن حب الشريك.. والشريك فقط!

كمثال آخر، كلمة المفاجأة في اللغات الأسترونية، وهي لغات يتحدثها نحو 350 مليون شخص في منطقة شرق آسيا ومدغشقر وبعض الجزر في المحيط الهادي، تعني "الخوف".. في حين ترتبط تلك الكلمة في لغات "تاي كاداي" –التي يتحدث بها بعض سكان الصين وفيتنام- بمفهومي "الأمل" أو "العَوَز"!

إذًا، لو قلنا لمواطن من مدغشقر كلمة "مفاجأة" فسيشعر بالخوف. أما إذا قلنا لشخص فيتنامي يتحدث بالتاي كاداي فسيشعر بالأمل، وإذا قلناها لمواطن إنجليزي فسيشعر بـ"المفاجأة" دون خوف أو أمل أو إحساس بالعوز!

وبالتالي، هناك ارتباطات إيجابية/ مشاعر سارة ترتبط بالكلمة في نوع من العائلات اللغوية، ومشاعر سلبية ترتبط بالكلمة نفسها في عائلة لغوية أخرى، فالمتلقي "يشعر" بتلك التأثيرات رغم أن المعنى اللغوي واحد!

لكن، ماذا يعني هذا الأمر؟ يقول الباحث في قسم علم النفس والأعصاب بجامعة نورث كارولينا الأمريكية "جوشوا كونراد جاكسون"، وهو المؤلف الأول لتلك الدراسة: إن التحليل أظهر أن الكلمات "لا تُعبر عن المعاني ذاتها بالضرورة عند كل اللغات"؛ فكلمة "حب" الإنجليزية لا يكون لها المعنى نفسه بالنسبة لـ"الأمريكان والمصريين".

ويقول "جاكسون" في تصريحات خاصة لـ"للعلم": إن اللغات التي نشأت بالقرب من بعضها، أو انحدرت من عائلة واحدة، تتشابه فيها الكلمات التي تُعبر عن المشاعر تشابهًا يصل إلى حد التطابق.

فكلمة حب "Love" بالإنجليزية، تُساوي تمامًا في وقعها على المشاعر كلمة حب بالألمانية "Liebe"، كما يقترب معناها من الكلمة الإسبانية "Amor". وهذا يعني أن العائلات اللغوية ذات الكلمات المتشابهة في معانيها أكثر تقاربًا فيما بينها على المستوى الجغرافي. وهو ما يعني أن الاختلاف في دلالات العاطفة ليس عشوائيًّا على الإطلاق، ولكنه "يرتبط بأنماط التواصل والتجارة والقرب الجغرافي بين الأسر اللغوية"!

وماذا عن الديانات؟

توفر الديانات وصفًا لأصل اللغة، كانت اليهودية أولى الديانات التي قالت إن الله أعطى لآدم في جنة عدن السيادة على جميع الحيوانات، وكانت الممارسة الأولى لتلك السيادة هي "التسميات" التي علمها الله لآدم. تضع الأديان أيضًا تفسيرًا لتنوُّع اللغات والألسن. ففي قصة برج بابل –الذي شرع نسل نوح في بنائه بعد أحداث الطوفان بغرض تجميع البشر في مملكة واحدة تكون هذه المنطقة هي عاصمتها، في محاولة لاستعادة كبريائهم وبناء مجدهم مجددًا، وهو ما خالف إرادة الإله الذي أراد للبشرية التفرُّق والتشتُّت من أجل التنوُّع وإعمار كل الأرض- ما أدى إلى تنوُّع اللغات بين سكان الأرض أيضًا، ويقدم التفسير الديني هذا الأمر في صورة عقاب لهم، أي "كعقاب على الغطرسة البشرية".

مقاربات أخرى فلسفية

لكن الفلاسفة، أمثال روسو وهيردر، ومَن تبعهم كـ"نعوم تشومسكي" يقولون إن اللغة "هبة فطرية بيولوجية"؛ إذ ينظرون إليها على أنها "مسألة لها علاقة بالبيولوجيا التطورية"، وقد تكون ناتجةً عن عمليات كيميائية حدثت في الدماغ وأكسبت البشر القدرة على النطق وتأليف اللغات.

تخبرنا الأدلة المباشرة أن الكتابة ظهرت قبل حوالي 5000 سنة، وبالتالي فإن اللغات المنطوقة ظهرت قبلها بآلاف السنوات. ويحاول علماء الحفريات فحص جهاز إصدار الأصوات "اللسان والشفة والحنجرة" عند البشر؛ لفهم التشريح الدقيق للجهاز الصوتي عند أجدادنا، كمحاولة لمعرفة متى نشأت اللغات، إلا أنه –ولسوء الحظ – يتألف الجهاز الصوتي من أنسجة ناعمة، لا يُمكن أن تُشكل حفرية تُتيح فحصها بدقة، لذا يعتمد العلماء على تحليل شكل عظام الجمجمة من أجل فهم الوقت الذي تطور فيه ذلك الجهاز ليُمكِّن الإنسان من التحكم في إطلاق أصوات تُعبر عن مشاعره. وتُشير الحفريات إلى أن ذلك الحدث ربما يكون قد وقع قبل 60 ألف سنة أو أكثر من الآن.

فهل يُمكن أن تخبرنا الأدلة التي لها علاقة بالحفريات عن سبب اختلاف وقع الكلمات المتشابهة على المشاعر؟

يقول "جاكسون": إن الأمر في غاية الصعوبة، فحتى سبب وجود اللغات المختلفة وتفرُّعها إلى عائلات غير معروف على وجه الدقة. ويُشير المؤلف الأول لتلك الدراسة إلى أن ذلك الأمر "مجال كبير للبحث، لا أعتقد أنه سيصل إلى نتيجة في يوم من الأيام".

لم تكن النتيجة الوحيدة التي توصلت إليها الدراسة هي اختلاف وَقْع الكلمات وتأثيرها على النفوس حتى وإن كانت معانيها متشابهة. بل وجدت الدراسة أيضًا أن هناك العديد من المفردات التي ليس لها ترجمة مباشرة في اللغات الأخرى. فعلى سبيل المثال، الكلمة الألمانية "Sehnsucht" التي تُشير إلى رغبة قوية في عيش حياة بديلة ليس لها ترجمة مباشرة باللغة الإنجليزية.

نظريات العاطفة المبكرة

تُشير نظريات العاطفة المبكرة، المستمدة من نظرية التعبير عن العواطف عند الإنسان والحيوان، التي وضعها العالم تشارلز داروين، عام 1872، إلى وجود عدد منفصل من المشاعر التي تُستمد منها جميع المشاعر الأخرى، تمامًا مثل الألوان الأساسية "الأحمر والأزرق والأصفر" التي تُستمد منها الألوان الأخرى.

تقول تلك النظرية إن عاطفة الغضب على سبيل المثال انبثق منها عواطف الكراهية والسخط والسخرية والتحدي، في حين تشعبت عاطفة الحزن لتشكل القلق والتعب واليأس والاكتئاب، وتشعبت عاطفة الفرح للعطاء والحب والضحك والدموع.

وهذا يعني -وفق داروين- أن العواطف مُستمدة من هيكل بيولوجي موحد يتقاسمه جميع البشر، لكن تلك النظرية -على كمالها- لم تصف لنا قَط الكيفية التي يمكن أن يُعبر بها البشر عن عواطفهم على المستوى اللغوي.

ومع ذلك، هناك اعترافٌ متزايد من المجتمع العلمي بأن المشاعر يُمكن أن تختلف بشكل منهجي في معانيها اللغوية أو تجاربها الحسية باختلاف الثقافات واللغات. بعض الدراسات أثبت أن الغضب على سبيل المثال يحدث أصلًا لأسباب اجتماعية مختلفة، فما يُغضب في الشرق ربما يكون أمرًا معتادًا في الغرب. وبالتالي، فدلالات الكلمات التي تُعبر عن كلمة الغضب في الشرق يُمكن أن تختلف أصلًا عن دلالة الكلمة أو وَقْعِها في النفس في الغرب.

وبالتالي فإن دلالات العواطف ترتبط بالكلمات، وبالموقع الجغرافي لعائلة اللغة. فقد يكون للمجموعات اللغوية القريبة بعضها من بعض دلالات عاطفية مماثلة أكثر من المجموعات البعيدة، على حد ما تقول تلك الدراسة.

يقول "جاكسون" إن العاطفة وعلاقتها بالكلمات "موضوع نقاش مستمر في علم النفس"؛ إذ يُجادل العديد من علماء النفس بأن بعض المشاعر "تتسم بالعالمية"، في الوقت الذي يقول فيه آخرون إن المشاعر "تختلف اختلافًا كبيرًا عبر اللغة والثقافة".

ويُشير "جاكسون" في تصريحاته لـ"للعلم" إلى أن العلماء لم يختبروا إطلاقًا إذا ما كان اللغة والثقافة يؤثران حقًّا في العاطفة عبر البحث في عينة كبيرة من الثقافات واللغات، "لذا قرر فريقنا البحثي إجراء أول تحليل عالمي علمي حقيقي لبحث ذلك الأمر"، على حد قوله.

تقييم العواطف سلوكيًّا

تدرس كريستين ليندكويست طبيعة المشاعر وكيفية اختبارها في الحياة اليومية، وهو جزء من مجال عملها في علم العاطفة العصبي الذي ينظر في آليات الدماغ الكامنة وراء المشاعر الإنسانية. تقول "ليندكويست"، وهي المؤلفة الرئيسية لتلك الدراسة: إن "هناك بعض القيود البيولوجية على معنى العواطف" وهذا يعني أن الكلمات المتشابهة "تُنشط من الناحية الفسيولوجية والبيولوجية مناطق مختلفة في الدماغ، تُحفز المشاعر في اتجاه معين".

وتشير "ليندكويست" -في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- إلى أن تقييم العواطف سلوكيًّا عن طريق الكلمات "وسيلة ناجحة للغاية"؛ فـ"المعنى وراء الكلمة لا يُعبر بالضرورة عن المشاعر ذاتها حول العالم!".

تقول أستاذ اللغة والتواصل والإدراك الثقافي بجامعة يورك، آصفة ماجد –وهي باحثة شهيرة حازت عددًا كبيرًا من الجوائز عن أبحاثها في مجال اللغات- التي لم تُشارك في تلك الدراسة: إن الورقة لها أهمية كبيرة "في عالم يتجه بشكل سريع نحو العولمة". فمليارات السكان يتحدثون حفنة من اللغات، لكن "كل لغة مهما كان حجم متحدثيها لها أصوات ومعانٍ وقواعد خاصة بها". تقول "آصفة": إن ذلك البحث أظهر أيضًا أن المعاني المتشابهة في القواميس بين اللغات "لها خصوصية في وقعها على المشاعر بالنسبة للمجموعات السكانية التي تتحدث تلك اللغة".

وتُشير "آصفة" إلى أن لكل ثقافة "فارقًا بسيطًا حول استخدام الكلمات للتعبير عن التجارب العاطفية"، وبالتالي "لا يُمكن على الإطلاق اعتماد الترجمة لفهم طبيعتها على المشاعر في المجموعة التي تتحدث اللغة".. فعلى سبيل المثال –والكلام لا يزال على لسان "آصفة"- كلمة "Love" بالإنجليزية يقابلها معانٍ كثيرة مختلفة بالعربية –كالحب والعشق والوله والتيه- وبالتالي فلا يُمكن ترجمة تلك الكلمة إلى المرادف العربي "حب"!

ويرى "جاكسون" أن تلك الدراسة مهمة بالنسبة للأشخاص الذين يعملون خارج أوطانهم الأصلية أو يُشاركون في مفاوضات متعددة الثقافات، أو حتى يُسافرون بانتظام إلى الخارج كسائحين. إذ يجب على هؤلاء توخي الحرص؛ "فالمشاعر يُمكن أن تأخذ معاني وتعابير مختلفة عبر الثقافات".

بدأ العمل في تلك الدراسة في ربيع عام 2017، ويقول "جاكسون" إنه يأمل أن تُسهم تلك الورقة في مساعدة البشر "على تقدير تنوُّع المشاعر في جميع أنحاء العالم". فعلى الرغم من أن جميع البشر لديهم التركيب الجيني نفسه "إلا أننا طورنا طرقًا لا حصر لها للتعبير عن المشاعر".