حذرت دراسة حديثة من أن اللاعبات اللاتي يمارسن رياضات تصادمية قد يعانين من تغيرات بسيطة في المخ، حتى في حالة عدم التعرض لارتجاجات دماغية في أثناء اللعب.

شملت الدراسة -التي نُشرت في العدد الإلكتروني لدورية "نيورولوجي" الصادرة عن الأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب- 101 من الفتيات تتراوح أعمارهن بين 18 و23 عامًا، بينهن 71 لاعبة يمارسن رياضة الرجبي المعروفة بكونها رياضة تصادمية، و31 لاعبة يمارسن رياضتي السباحة والتجديف.

واستخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي في حالة الراحة، وكذلك أداة تقييم الارتجاج الرياضي، وأجهزة قياس معدل تأثر الرأس؛ لرصد الأعراض والآثار، على التوالي.

وتأكد الفريق البحثي من خلو جميع المشاركات من التعرُّض لارتجاجات دماغية لمدة ستة أشهر على الأقل قبل بدء الدراسة، مع ملاحظة أن بعض اللاعبات اللاتي يمارسن الرجبي كان لديهن تاريخ سابق من الإصابة بارتجاجات دماغية، في حين لم يكن هناك أي تاريخ للإصابة بارتجاجات دماغية بالنسبة لمَن يمارسن التجديف والسباحة.

يقول "رافي مينون"، الأستاذ المتخصص في التصوير الوظيفي والجزيئي بجامعة ويست لندن، ومؤلف الدراسة: لم يعد هناك مجال للشك في أن مَن يمارسون رياضات تصادمية يصابون بارتجاجات دماغية بسبب تعرُّضهم لضربة حادة وعنيفة في الرأس أو تعرُّضهم لسقوط قد يؤدي إلى تغيرات وقتية أو دائمة في المخ.

ويضيف "مينون" في تصريحات لـ"للعلم": لكن النتائج التي توصلنا إليها كشفت أن الصدمات أو التأثيرات الأقل حدةً التي تتعرض لها الفتيات عند ممارسة لعبة تصادمية قد تُحدِث -أيضًا- تغيرات طفيفة في مخ الرياضيات الصحيحات منهن واللاتي لا تظهر عليهن أي أعراض للإصابة بارتجاجات دماغية.

جرت متابعة لاعبات الرجبي لمدة عامين على الأقل، ومتابعة لاعبات السباحة والتجديف لمدة عام.

يوضح "مينون" أن الدراسة اقتصرت على النساء؛ لأن أكثر من 90% من الدراسات المنشورة حول هذا الشأن تتعلق بالرجال، مضيفًا أن "هناك دليلًا قويًّا على أن اللاعبات يتأثرن بشكل مختلف جدًّا عن اللاعبين الرجال، ولهذا ينبغي الاهتمام بالنصف الآخر في المجتمع"، وفق قوله.

تم تزويد 37 من لاعبات الرجبي و9 ممن يمارسن رياضة التجديف بأجهزة على رؤوسهن؛ لقياس التأثيرات التي تلحق بأدمغتهن في أثناء ممارسة الرياضة، وتَبيَّن أن لاعبات التجديف لم يتأثرن مطلقًا، في حين أن 70% من لاعبات الرجبي عانين من ثلاثة تأثيرات -في المتوسط- خلال ممارستهن لثلاث مباريات، منها مباراة جرت قبل بدء الموسم الرياضي.

واستخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي لتصوير المخ لدى جميع اللاعبات في أثناء اللعب في الموسم وخارجه، وفحصوا كيفية تحرُّك جزيئات المياه عبر المادة البيضاء لتحديد مدى احتمال حدوث تغيرات في المخ على المستوى المجهري، كما قاموا بالتحقُّق من كيفية اتصال الأجزاء المختلفة للمخ بعضها ببعض، وما إذا كانت هذه التغيرات قد طالت طريقة عمل هذه الأجزاء معًا أم لا.

ووجد الفريق البحثي أن هناك تغيرات تحدث في البنية المجهرية في المادة البيضاء، ويتضمن ذلك الألياف العصبية التي تصل بين مناطق المخ التي تتحكم في الانفعالات الأساسية مثل الخوف والمتعة والغضب. وتطورت هذه التغيرات بمرور الوقت لدى بعض لاعبات الرجبي، في حين لم يتم تسجيل أي تغيرات في مخ لاعبات السباحة والتجديف.

واكتشف الباحثون أن البنية المجهرية للمادة البيضاء تختلف لدى لاعبات الرجبي فقط في أثناء الموسم عنها خارج الموسم، وخاصةً في جذع المخ الذي يتحكم في تدفق الرسائل بين المخ والجسم. كما وجدوا اختلافات في التنظيم الوظيفي للمخ. وبالمقارنة بالسباحات ولاعبات التجديف، حدثت تغيرات في الاتصال بين مناطق المخ التي تتحكم في استرجاع الذاكرة والمعالجة البصرية لدى لاعبات الرجبي.

يقول "مينون": "إن الالتحامات المتكررة التي تمر بها لاعبات الرجبي تؤثر بوضوح على المخ حتى من دون حدوث ارتجاج، وينبغي إجراء مزيد من الأبحاث لفهم هذه التغيرات وإمكانية تعويض الإصابات وإلى أي مدى يمكن للمخ إصلاح نفسه؛ حتى يمكن وضع تصور للآثار الصحية طويلة المدى لممارسة الرياضات التصادمية".

ويضيف أن "نتائج الدراسة أظهرت تلف عدد من المسارات الطويلة في المادة البيضاء لدى اللاعبات اللاتي يمارسن رياضات تصادمية حتى لو لم يتم تشخيص إصابتهن بارتجاج في المخ سواء في أثناء إجراء الدراسة أو قبلها بستة أشهر. وقد قام المخ بتعويض هذا التلف بتقوية الاتصال في بعض شبكات المخ. ونتيجةً لهذا التعويض، لم تظهر أي أعراض سلوكية لديهن، فكانت هذه التغيرات صامتة إكلنيكيًّا، ورغم حدوث بعض التعافي بين المواسم، إلا أن التلف المتراكم عبر عدة مواسم يبدو شديد الوضوح.

وينصح "مينون" بحصول اللاعبات اللاتي يمارسن رياضات تصادمية على الراحة، والعودة إلى الملاعب بصورة تدريجية؛ لحمايتهن في حالة وجود ظهور أعراض واضحة تفيد بتعرُّضهن لارتجاجات دماغية، ومراجعة الدلائل الإرشادية لتقليل احتمال التعرُّض للضربات أو تقليل حدتها في أثناء اللعب أو خلال التدريبات الجماعية، والتوجيه بارتداء خوذة الرأس على الأقل في أثناء التدريبات أو بالنسبة لمَن يمارسن لعبة تصادمية كهواة، فضلًا عن تعديل بعض قواعد اللعبة وإرشاداتها وأدواتها.