يعتمد البلوغ لدى معظم الثدييات، بما فيها البشر والرئيسيات الأخرى -سواء كان مبكرًا أو متأخرًا- على العديد من العوامل، مثل كَمّ الطعام الذي يتم استهلاكه، وخاصةً لدى الإناث.

لكن فريقًا من الباحثين اكتشفوا عاملًا جديدًا عند دراسة الرئيسيات من فصيلة البابون المعروفة باسم "جيلاداس"، وهو أن إناث هذه الفصيلة تتسارع لديها عملية البلوغ أو النضج الجنسي عند ظهور ذكر جديد في المجموعة التي تنتمي إليها.

وتشير الدراسة التي نشرتها دورية "كارنت بيولوجي" (Current Biolog)، اليوم "الخميس"، 5 نوفمبر، إلى أنه "من المرجح أن الإناث تصل إلى النضج الجنسي قبل البلوغ عند ظهور ذكر جديد في محيطها، حتى لو حدث ذلك قبل الموعد المتوقع، كما أن بعض الاناث التي بلغت فجأة كانت بالفعل متأخرةً عن الموعد المتوقع".

تقول "جاسينتا بينه" -أستاذ علم النفس والأنثروبولوجي بجامعة "ميتشيجان"، والمشرفة على الدراسة- في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة: هؤلاء اللاتي تأخرن في البلوغ كُنَّ بنات الذكر الأساسي في مجموعة القرود قبل أن يأتي إليهن ذكر جديد (مُتغير اجتماعي). ويُعتقد أن الإناث قد تُعجل أو تُبطئ سرعة البلوغ لتجنُّب التزاوج مع أبيها.

وتضيف "بينه" في تصريحات لــ"للعلم": بمجرد أن يحل ذكر من الخارج محل الأب، تزيل الإناث هذا الكبح وتنضج على الفور. وهكذا نرى أن قدوم الذكر الجديد يتسبب في زيادة واضحة في عدد حالات البلوغ لدى إناث القرود، سواء كان ذلك مبكرًا أو متأخرًا أو في التوقيت المناسب، وعادةً ما تبلغ 5 إلى 6 إناث مرحلة البلوغ على مدار السنة في مجتمعات القرود، ولكن ما يحدث مع هذا المُتغير الاجتماعي -وهو البلوغ المتزامن فجأة- لنحو 2 إلى 4 من الإناث.

من جهتها، تشير "آمي لو" -الأستاذ المساعد بقسم الأنثروبولوجي بجامعة "ستوني بروك"، والباحثة الرئيسية- إلى أن فريق البحث تابع وقت البلوغ لنحو 80 أنثى على مدى 14 عامًا من البحث في مرتفعات إثيوبيا، وهو المكان الوحيد الذي توجد فيه فصيلة "جيلاداس" في الطبيعة. ومن اليسير معرفة علامات البلوغ لدى هذه الفصيلة؛ إذ تظهر لديها انتفاخات جنسية واضحة للغاية في الجلد الذي يغطي الصدر والرقبة.

ولفهم ما يحدث، عمل الباحثون على قياس معدلات هرمون الإستروجين في براز الإناث، ووجدوا أن معدلاته ارتفعت قبل ظهور علامات البلوغ على الإناث مباشرة. والمفاجأة أن معدلات الاستروجين قفزت في الإناث غير البالغات من جميع الأعمار بمجرد تولي ذكر جديد زمام الأمور في المجموعة. وعادةً ما تبلغ الإناث في عمر أربع سنوات ونصف، ولكن الغريب أنه حتى الصغيرات التي لا يتجاوز عمرهن عامًا واحدًا، حدثت لهن زيادة في معدل الإستروجين ولكن دون أن تصل إلى البلوغ.

وتشير النتائج إلى أن النضج في العديد من الرئيسيات أكثر حساسيةً للبيئات الاجتماعية مما كان يعتقده العلماء من قبل، وقد يكون لهذا الاكتشاف آثارٌ على البشر، وفقًا للباحثين.

وتوضح الدراسة أنه في كثير من سلالات القرود التي تنتمي إلى العالم الجديد، مثل قرود "المارموست" و"التمران"، تقوم الأنثى المهيمنة بقمع تكاثر جميع الإناث الأخريات في المجموعة. ولكن حتى الآن، لا توجد دلائل على أن قرود العالم القديم مثل "جيلاداس" لديها حساسية لوجود أفراد بعينهم أو غيابهم. وإذا كانت هذ القرود تستطيع كبح نضجها كرد فعل لقدوم ذكر جديد، فإنه من المحتمل أن توجد الظاهرة نفسها في القرود، وربما في البشر.

تعلق "بينه" قائلة: هذه الظاهرة نفسها جرى رصدها في الفئران، إذ اكتشف الباحثون أن الفئران الذكور يستخدمون "بولهم" لإرسال إشارة هرمون الإستروجين إلى الإناث. وتمتص الإناث هرمون الإستروجين من الذكر، وهذا يحفز نظام التكاثر لدى الإناث. لذا، أردنا معرفة ما إذا كان هناك شيء مشابه يحدث في قردة "الجيلاداس" البرية. ونعتقد أنه في القرود تتحكم الإناث في زيادة الإستروجين من دون إشارات من الذكر كما في الفئران.

وفي المقابل، لا يستطيع الباحثون الجزم بأن الإنسان يتفاعل من المنظور نفسه؛ لأن النضج في البشر يعتمد على العديد من العوامل الإضافية الأخرى. ولدراسة هذه الظاهرة باستفاضة، يحتاج الباحثون إلى 14 عامًا أخرى -وهي دورة الإنجاب لدى إناث القرود، والتي قد يمتد عمرها إلى 20 عامًا- حتى يمكن تحديد فوائد البلوغ المبكر أو المتأخر أو حدوثه في التوقيت المتوقع، وفق المشرفة على الدراسة.