تُعد المدن مساهِمة رئيسية في تغيُّر المناخ، لكنها قادرة أيضًا على تغيير العالم. إذ إن لها دورًا ضروريًّا في معالجة أزمة التغير المناخي العالمية، وبعضها يضطلع بهذا الدور بالفعل، متسلحًا بما توصل إليه العلم. ومن ثم، لا بد أن تحذو مدنٌ أكثر حذوَ تلك المدن التي تحركت واتخذت إجراءات.

إن الرغبة والقدرة على التغيير قوية على مستوى العالم، كما يتضح من مشاركة الملايين في التحركات الاحتجاجية في الشوارع حول العالم. هذه الدعوة إلى التحرُّك ستتصدر موضوعات البحث خلال المؤتمر الخامس والعشرين (COP25) للأطراف الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ، المنعقد في الفترة من 2 إلى 13 ديسمبر في مدريد. يجمع هذا الاجتماع السنوي أطراف المجتمع الدولي معًا لتبادل الحلول وتحفيز التغيير وتتبُّع التقدُّم المُحرَز نحو الوفاء بالتزامات المناخ التي ينص عليها اتفاق باريس.

وعلينا أن نغتنم هذه الفرص للتعاوُن، بالتزامُن مع اتساع نطاق الأزمات المتصلة بتغيُّر المناخ وتزايُد وتيرتها.

مناخ متغير في الشرق الأوسط

إن الدمار الناجم عن الأحداث المناخية المتطرفة في شدتها قد حفز الدعوات المتزايدة للتحرُّك في مواجهة التغيُّر المناخي في جميع أنحاء العالم. وتُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معرضةً بشكل خاص لتداعيات التغيُّر المناخي، نظرًا لمعاناتها من الجفاف شبه المستمر على المستوى الإقليمي منذ عام 1998، فضلًا عن السيول العارمة التي اجتاحت المملكة العربية السعودية، وموجات الحرارة القاتلة التي عصفت بالكويت، وارتفاع مستويات البحر التي تهدد المواقع الأثرية في مدينة الإسكندرية الساحلية في مصر.

وسوف تتحمل الشعوب في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تكاليف اجتماعية واقتصادية وبيئية أعلى نسبيًّا من جَرَّاء تغيُّر المناخ مقارنةً بسائر أنحاء العالم. وتُعد المناطق الساحلية المنخفضة في تونس وقطر وليبيا والإمارات العربية المتحدة والكويت، وبصورة خاصة في مصر، أكثر عرضةً للمخاطر، وفقًا لآخر تقييم أجرته اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ (IPCC).

الآن هو وقت التحرك.

لماذا التركيز على المدن؟ ولماذا الآن؟

بسبب تسارع وتيرة التحضر.

بحلول عام 2050، سيعيش ثلثا سكان العالم في مدن تضم حاليًّا بالفعل أكثر من نصف سكان العالم ومعظم مرافق البنى التحتية والأصول والنشاط الاقتصادي. تستهلك هذه المدن 78% من الطاقة العالمية، وتطلق في الجو أكثر من 60% من انبعاثات الغازات الملوثة. ومع ذلك، فهي لا تغطي سوى 2% من مساحة العالم.

ويتوافر عددٌ من الأدلة القوية اللازمة لتوعية الحكومات المحلية والوطنية كي تبادر إلى تصميم مدن قادرة على مواجهة ظاهرة التغيُّر المناخي وتخفيف تأثيرها. وبالنسبة للسكان الضعفاء الذين يعيشون في المدن وحولها، لا سيما النساء والفتيات، قد يصبح ذلك مسألة حياة أو موت.

لقد أصبح لزامًا على المدن أن تستثمر في البحث العلمي؛ لفهم التحديات الفريدة التي تواجهها، وكيفية تأثُّر مواطنيها بها، ولمعرفة الحلول الأكثر مناسَبةً في السياق المحلي.

حلول تستند إلى العلم من أجل مدن قادرة على المقاومة

تقول باربرا شنستون: "سيتكبد الناس في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تكاليف اجتماعية واقتصادية وبيئية أعلى نسبيًّا من جَرَّاء التغيُّر المناخي مقارنة بسائر أنحاء العالم".

ففي الأحياء الفقيرة في أكرا، عاصمة غانا، خلَّفت السيول الناجمة عن الأمطار الغزيرة وفيات، وهدمت منازل، وزادت من خطر الإصابة بالملاريا والأمراض المنقولة عن طريق المياه، مثل الكوليرا. وهناك، تدير دوريندا جرانت روضة أطفال على بُعد خطوات فقط من قناة للصرف الصحي. وعندما تمطر، تفيض القناة وتتسرب المياه القذرة عبر جدران الروضة. وتقول دوريندا إن الأمر ازداد سوءًا في السنوات الأخيرة بسبب تغيُّر أنماط الطقس.

ومن خلال العمل مع دوريندا وجيرانها، درس باحثون النماذج العالمية والإقليمية حول تغيُّر المناخ، ووضعوا سيناريوهات مناخية معقولة لعرضها على صناع السياسة الغانيين ومساعدتهم على تصميم بنية تحتية أفضل للمياه وتخصيص ميزانية لها. وتشمل هذه البنية التحتية: الجسور، وقنوات الصرف والصرف الصحي، وشبكات توزيع المياه وأنظمة الري.

إن العديد من الحلول الرامية للتكيُّف مع التغير المناخي في المناطق الحضرية منخفضة التكلفة، وتتطلب تكنولوجيا بسيطة، وتوفر حلولًا مستقاة من طبيعة المنطقة. ففي مدينة يومبو الصناعية الصغيرة في كولومبيا، استُخدمت بنية تحتية خضراء للتخفيف من الفيضانات والسيول. فبدلًا من الطرق المعبدة يتم إحلال طرق خضراء مسامية يسهِّل للمياه النفاذ عبرها ومن ثم تقلل تأثير الجزر الحرارية الحضرية. وقد أظهرت النتائج أن هذه الطرق تقلل بشكل كبير من مخاطر تشكُّل السيول على المستوى المحلي.

وتتوافر حلول للعديد من صدمات المناخ والضغوط التي تواجه المدن، تدعمها أبحاث علمية شديدة الدقة. ففي جميع أنحاء الجنوب العالمي، يعمل مخططو المدن والقادة الإقليميون منذ سنوات لبناء قدرتهم على الاستباق والتكيُّف والمثابرة.

بالإضافة إلى هذه الجهود، ثمة حاجة إلى توفير تمويل آمن على مستوى المدينة من أجل التصدِّي لتغيُّر المناخ. وسوف تؤثر قدرة المدن على المقاومة والتكيُّف في مواجهة تغيُّر المناخ على القدرة على تحقيق الأهداف العالمية المتعلقة بتغيُّر المناخ والتنمية المستدامة.

فعندما تجتاح المياه مدينة، أو تعصف بها ظواهر مناخية أخرى قاسية، قد يحجب التركيز المطلوب للتصدي للأزمات الصورة الأشمل، التي تكشف عن الأرضية المشتركة بين التحديات والحلول المتوافرة في جميع أنحاء العالم.

لا بد أن نتصدى للأبعاد المتعددة التي تسهم على مستوى المدن في تفشِّي الفقر والضعف وانعدام المساواة، إذا أردنا الوفاء بالالتزام العالمي بشعار "عدم إغفال أحد". وهذا يعني توسيع الالتزام إزاء مناخنا العالمي الذي سوف يتصدر مؤتمر الأطراف COP25 في مدريد، كي نرسخ الحاجة الماسة إلى التحرُّك في الأجندات السياسية والمتصلة بالسياسات والأبحاث والاستثمارات في جميع أنحاء العالم.