لا يزال العالم يحتمي بخط الدفاع الأخير ضد أنواع البكتيريا فائقة المقاومة للمضادات الحيوية، فيما يُعرف بين المتخصصين بـ"الملاذ الأخير"، وأبرزها "تيجيسايكلن" (Tigecycline)، الذي حصل على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) في 2005.

لكن تلك البكتيريا اكتسبت مقاومةً ضد هذا العقار، ما يشير إلى تفاقم تلك الأزمة الصحية التي أصبحت على حد وصف منظمة الصحة العالمية "تشكّل تهديدًا عالميًّا للصحة والتنمية، وتستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة متعددة القطاعات بشأنها".

في هذا الإطار، رصد فريق بحثي مصري، بالتعاون مع باحثين من اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، الظهور الأول على مستوى العالم لعزلة تحوي 3 جينات مختلفة لبكتيريا الإشريكية القولونية المقاومة لـ"تيجيسايكلن"، بالإضافة إلى مضادين حيويين آخرين، تم استخراجها من الدجاج في مصر، ضمن نتائج دراستهم التى نُشرت في العدد الأخير من دورية أنتيميكروبيال إيجينتس آند كيموثرابي (Antimicrobial Agents and Chemotherapy) التى تصدر عن الجمعية الأمريكية لعلم الأحياء الدقيقة.

من جانبه، قال أحمد محروس، مدرس في قسم الميكروبيولوجيا والمناعة بكلية الصيدلة بجامعة كفر الشيخ، الحاصل على الدكتوراة من جامعة هيروشيما اليابانية، والباحث الرئيسي للدراسة: إن الفريق البحثي يعكف حاليًّا على تتبُّع المناطق التي توجد فيها البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية وعزلها من الإنسان والحيوان والبيئة ضمن مفهوم الصحة الواحدة (One Health) وتحليل الجينوم الخاص بها، وهذا يفتح المجال أمام إيجاد طرق علمية لكبح تلك الجينات المقاومة على مستوى البروتين، عبر تصنيع مركبات كيميائية يمكنها أن ترتبط بها وتثبطها.

وأضاف -في حديث لـ"للعلم"- أن الدراسة بدأت بالبحث عن عينات لبكتيريا مقاومة لمضاد حيوي هو "تيجيسايكلن" في مصر، بعد أن ظهر عالميًّا في الصين وباكستان، وهذا العقار كان وما زال من العقاقير شديدة الفاعلية لعلاج البكتيريا التي تفشل في مواجهتها المضادات التقليدية مثل "بيتا لاكتام" و"سيفترياكسون" و"سيفوتاكس" و"تاينام" وغيرها، إلى أن ظهر جين جديد لأول مرة على مستوى العالم في مزرعة بالصين، في مايو 2019 يطلق عليه (Tet(X3، وهو أول جين محمول على بلازميد أصبح مقاومًا لعقار "تيجيسايكلن"، بعدها اكتشف علماء من أمريكا نسخة جديدة من جين (Tet(X يطلق عليه (Tet(X7 في باكستان، وقاموا بتحليله على مستوى البروتين وتوصلوا إلى أنه مقاوم لعقار "تيجيسايكلن"، كما تم اكتشاف هذا الجين في عزلات في قطر، لكن لم يتطرق الباحثون إلى مقاومته لـ"تيجيسايكلن".

والبلازميد هو مقطع (DNA) حَلْقي موجود في البكتيريا، يؤدي دورًا مهمًّا في نقل المعلومات الجينية بين مستعمرات البكتيريا التي تفتقر إلى آلية تكاثر ناجحة، وأبرزها المعلومات التي تخصّ مقاومة المضادات الحيوية، ما يسهل انتشار تلك الجينات المقاومة للمضادات الحيوية بين السلالات البكتيرية المتشابهة أو حتى المختلفة، على سبيل المثال يمكن أن ينقل جينات المقاومة من السالمونيلا إلى الإيشيريشيا كولاي، إذا كانت موجودةً في بيئة واحدة.

وعن كيفية حدوث مقاومة لعقار "تيجيسايكلن" لدى الدواجن، أشار "محروس" إلى أن هذا العقار ينتمي إلى عائلة من المضادات الحيوية تسمى "تيتراسايكلين" (Tetracycline) تُستخدم بشكل شائع في مزارع الدواجن بمصر، ونظرًا لاستخدام تلك العائلة لفترات طويلة بتلك المزارع، فإن البكتيريا والميكروبات عدّلت تركيبها الجيني لتكتسب مقاومةً شديدةً ضدها، بما فيها الوافد الجديد "تيجيسايكلن".

تحليل العينات

لإجراء الدراسة، جمع الفريق 40 عينة براز من مزرعتين مختلفتين للدجاج بين مارس ويوليو 2019، بمدينة سيدي غازي في محافظة كفر الشيخ المصرية، وتم عزلها وتحليلها عبر تقنية تفاعل البلمرة المتسلسل بي سي آر (PCR) لتحديد مدى وجود جينات المقاومة لعقار "تيجيسايكلن" من عدمه، ووجدوا من بينها 5 عزلات تحتوي على جينات مقاوِمة لهذا العقار تنتمي إلى بكتيريا الإيشيريشيا كولاي E. coli، وتحتوي على جين (Tet(X7 المقاوم لـ"تيجيسايكلن"، كما اكتشف الفريق أيضًا أن هذا الجين مقاوم لمضادين حيويين آخرين هما "إيرافاسيكلين" و"أوماداسيكلين" اللذَين حصلا على اعتماد (FDA) في أغسطس وأكتوبر 2018 على التوالي.

ثلاثة جينات مختلفة

وقام الفريق بتحليل الجينوم الكامل على مستوى "الكروموسوم والبلازميدات" لعزلات الإيشيريشيا كولاي الحاملة للجين المقاوم لـ"تيجيسايكلن"، في جامعة هيروشيما في اليابان وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وفقًا لاتفاقية تعاون بين جامعة المنصورة المصرية والمركز القومي الأمريكي لأبحاث الدواجن التابع لوزارة الزراعة الأمريكية.

وتوصل الباحثون إلى أن تلك العزلات لا تحمل الجين (Tet(X7 فقط، كما اكتُشفت من قبل في الصين وباكستان، لكنها تحتوي أيضًا على جينين مقاومَين للعقاقير، أولهما جين مقاوم لمضاد حيوي آخر ينتمي إلى عقاقير "الملاذ الأخير"، وهو "كوليستين"، والثاني جين يسمى (FosA4) مقاوم لمضاد حيوي يسمى "فوسفوميسين" الذي له نشاطٌ مضادٌّ لمجموعة واسعة من الجراثيم الموجبة والسالبة الجرام التي تهاجم الجهاز البولي، وتسبب التهابات المسالك البولية، وهو من المضادات الحيوية القديمة، لكنه لا يزال فعالًا في ظل مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية التي ظهرت حديثًا، وهذان الجينان محمولان على البلازميد نفسه الموجود عليه جين (Tet(X7.

وتكمن خطورة تلك النتائج -وفقًا لـ"محروس"- في أن الجين المقاوم لـ"تيجيسايكلن" يمكن أن ينتقل في الوقت ذاته مع الجين المقاوم لعقار "كوليستين"، والجين المقاوم لـ"فوسفوميسين"؛ لوجود هذه الجينات على البلازميد نفسه، وبذلك نفقد فاعلية 3 مضادات حيوية في خطوة واحدة.

من جانبه، قال "حازم رمضان" -أستاذ الأمراض المشتركة المساعد بكلية الطب البيطري، بجامعة المنصورة، والباحث بالمركز القومي الأمريكي لأبحاث الدواجن التابع لوزارة الزراعة الأمريكية (USDA-ARS)، والمشارك في هذه الدراسة: إنه تم تحديد مسودة الجينوم الكامل للميكروبات المعزولة من الدواجن باستخدام تقنية (Illumina)، وتحليل مسودة الجينوم وترجمتها لمعرفة البيئة الجينية المحيطة بتلك الجينات المقاومة للمضادات الحيوية.

وأضاف لـ"للعلم" أنه جرى عقد مقارنة لمسودة الجينوم الكامل لعزلات بكتيريا الإيشيريشيا كولاي المقاوِمة للمضادات الحيوية والمعزولة من مصر، مع عزلات مماثلة موجودة في قواعد البيانات، مأخوذة من الدانمارك، وإيطاليا، وإسبانيا، والنرويج، والمملكة المتحدة، والبرازيل والولايات المتحدة، وتم الاعتماد على 2513 جينًا في العزلات، وبتحليل النتائج وجدنا تشابهًا كبيرًا بين العزلات من مصر، والعزلات الأخرى، إذ كان الاختلاف فقط في حوالي من 100 إلى 200 نسخة أو شكل بديل للجين (Allele)، وهذا يعني أن هذه البكتيريا عابرة للحدود وتنتقل بجيناتها المقاومة من دولة إلى أخرى، ما يمثل خطرًا كبيرًا على الصحة العامة.

نتائج متميزة

من جانبه، رأى هلال حتة -أستاذ الميكروبيولوجيا الطبية والمناعة في كلية الطب جامعة أسيوط بمصر- أن الدراسة كشفت عن نتائج متميزة، وتُعد إضافة رائعة للدراسات الخاصة بالميكروبات المتعددة المقاومة للمضادات الحيوية.

وأوضح "حتة" أن وجود الجينات الثلاثة على البلازميد نفسه يسهم في انتشارها على نطاق واسع في البيئة، ويمثل بدوره مؤشرًا خطيرًا على الصحة العامة، لخطورة النتائج المترتبة عليه، إذ يصعب علاج الأمراض والعدوى التي تسببها هذه السلالات.

ووافقه الرأي عبد العظيم محمد الجمال -أستاذ الميكروبيولوجي والمناعة بجامعة قناة السويس في مصر- مؤكدًا أن الدراسة مثيرة جدًّا للاهتمام، لأنها ترصد لأول مرة في العالم التقارب بين 3 جينات مختلفة لبكتيريا الإشريكية القولونية المقاوِمة في الدواجن.

وأضاف لـ"للعلم" أن هذه الدراسة أظهرت أن الحيوانات المنتجة للغذاء قد تكون بمنزلة مستودع مهم للبكتيريا المقاومة للأدوية المتعددة مع البلازميدات المقترنة التي تحمل جينات المقاومة لمضادات حيوية مهمة.

وحول خطورة اكتشاف تلك السلالات من الإشريكية القولونية لدى الدجاج في مصر، أوضح أن ذلك يمثل تهديدًا للصحة العامة؛ إذ يمكن أن تنتقل إلى البشر، وقد يكون الوصول السهل إلى المضادات الحيوية في المستشفيات المصرية والمجتمع المحلي دون وصفة طبية ودون رقابة صارمة سببًا رئيسيًّا في ظهور هذه السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

وتابع أن الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية في القطاع البيطري يُعد مسؤولًا أيضًا عن ظهور هذه السلالات ذات المستويات عالية المقاومة، لذلك هناك حاجة أساسية إلى وضع خطط مراقبة على استخدام مضادات الميكروبات، وسياسات مكافحة العدوى، والاستخدام الحكيم لعقار تتراسيكلين لدى الإنسان والحيوان، والمراقبة المستمرة للجينات الشبيهة بـ(Tet(X في البكتيريا سالبة الجرام من أصل حيواني أو بشري.

خطر يداهم الإنسان

خطر هذه البكتيريا المقاوِمة للعقاقير لا يخص الحيوانات أو الطيور وحدها، ففي كثير من الحالات، تنتقل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية بصورة غير مباشرة إلى الإنسان، عبر تناول غذاء ملوث بالجراثيم، ويعتقد العلماء أن الدجاج أحد المستودعات المحتملة المسببة للأمراض لدى البشر من جَرَّاء الإصابة ببكتيريا الإيشيريشيا كولاي، إذ كشفت دراسة سابقة أجراها "رمضان" أنه كثيرًا ما ترتبط حالات الإصابات المعوية لدى الإنسان بتلوث مصادر الغذاء بتلك الميكروبات، ومن ذلك أيضًا "إي- كولاي" من نوع (Extraintestinal pathogenic E. coli, ExPEC)، وهي بكتيريا مسؤولة عن التهابات المسالك البولية لدى الإنسان.

وأوضح "محروس" أن انتقال الجينات المقاومة من الحيوانات أو الطيور إلى الإنسان يمكن أن يحدث عبر تناول دجاج ملوث بتلك البكتيريا وغير مطهو جيدًا، أو تلوث الأطعمة التي يتناولها الإنسان ببقايا البراز الذي يحتوي على تلك البكتيريا، وبالتالي تستقر في أمعاء الإنسان، وإذا حدث أن انتقل الشخص إلى المستشفى لتلقي العلاج من عدوى بكتيرية شديدة تحتاج إلى عقار "تيجيسايكلن" فإنه لا يصبح فعالًا؛ لأن البكتيريا الموجودة في أمعائه تحمل جيناتٍ مقاومةً لهذا المضاد، ليس ذلك فحسب، بل يمكن أن تنتقل عدوى الجينات المقاومة بين المرضى في المستشفى، عن طريق المستلزمات الطبية الملوثة بالبكتيريا المقاومة مثل الحقن والقفازات البلاستيكية، أو بقايا الدم الملوث.

وأضاف أن تلك العدوى يمكن أن تنتقل من مستشفى إلى آخر عبر نقل الأجهزة أو انتقال طبيب أو ممرضة تحمل هذه المستلزمات الملوثة، ويمكن أن تنتقل أيضًا عبر لحوم الدجاج المجمدة الملوثة، وبالتالي يمكن أن تعبر من بلد إلى آخر ومن قارة إلى أخرى، بالإضافة إلى إمكانية انتقالها عبر أمعاء الأشخاص المسافرين المصابين بها.

حلول عملية

وشدد "محروس" على أن الدراسة تحذّر من خطورة الاستخدام الخطأ للمضادات الحيوية، قبل أن يأتي يوم تفقد فيه جميع المضادات الحيوية فاعليتها، وهذا يحتم علينا البحث عن حلول عملية يمكن أن تسهم في الحد من انتشار تلك البكتيريا المقاومة.

وأبرز تلك الحلول -وفقًا لـ"محروس"- يتمثل في ضرورة صرف المضادات الحيوية بروشتة من طبيب متخصص، يصفها بناءً على اختبار حساسية الميكروبات تجاه المضادات الحيوية الذي يكشف مدى إصابة المريض ببكتيريا معينة مقاومة للعقاقير، وبالتالي يعطي له البديل المناسب، عبر استهداف البكتيريا بشكل مباشر، كما طالب بضرورة تفعيل آليات التحكم في العدوى، عبر البحث عن الجينات المقاومة للعقاقير وأبرزها "تيجيسايكلن"، في أكثر من مكان على مستوى الجمهورية، وفي دول العالم أيضًا، لتحديد مدى انتشارها في مزارع الدواجن.

في حين أشار "رمضان" إلى أن الاستخدام الخطأ للمضادات الحيوية لا يقتصر على البشر فقط، بل يسبب مشكلة خطيرة وخاصة في القطاعين الزراعي والبيطري؛ لأن الحيوانات التي يتم إعطاؤها تلك المضادات الحيوية، إما أن تكون مصادر للغذاء كالدواجن والأبقار، أو مخالطة للإنسان كالحيوانات الأليفة، وبالتالي فإن أي مقاومة تنشأ داخل تلك الحيوانات فإنها من الطبيعي أن تنتقل للإنسان، عبر مصادر الغذاء أو من خلال ملامسة الإنسان للحيوانات.

ورأى أن وضع القطاع البيطري في مصر يحتاج إلى وقفة، مؤكدًا ضرورة الإقلاع عن الاستخدام السيئ للمضادات الحيوية في القطاع البيطري، الذي لا يقصر استخدامها على علاج البكتيريا المُمْرِضة، لكنها تُستخدَم أيضًا كمحفزات للنمو في كثير من الأحيان بجرعات أقل من الجرعات العلاجية، بما يؤدي بدوره إلى إكساب البكتيريا أنماطًا وطفرات جينية جديدة تنتقل من خلال الغذاء إلى الإنسان.

كما أكد "رمضان" أهمية إشراف الطبيب البيطري على إعطاء المضادات الحيوية للحيوانات، حتى لا يُترك الأمر للمربين فقط، وفي حالة إعطاء تلك المضادات للحيوانات المنتجة للغذاء أو الحيوانات الأليفة، لا بد من إجراء اختبارات لاختيار المضاد الحيوي الأمثل للقضاء على العدوى البكتيرية، أسوةً بما يجب أن يُفعل مع الإنسان أيضًا.